الأحد 20 أيلول 2026 

الأحد 20 أيلول 2026 

16 أيلول 2026
الأحد 20 أيلول 2026 
العدد 38
الأحد بعد رفع الصليب
اللحن  السابع، الإيوثينا الخامسة

أعياد الأسبوع:


20: الشُّهداء إفسطاثيوس وزوجته ثاوبيستي وولديهما أغابيوس وثاوبيستوس، 21: وداع عيد الصليب، الرَّسول كُدْراتُس، النبيّ يونان، 22: الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقُف سينوبي، 23: الحبل بيوحنّا المعمدان، 24: القدِّيسة تقلا أولى الشَّهيدات المعادلة الرُّسل، البارّ سلوان الآثوسيّ، 25: البارَّة آفروسيني ووالدها بفنوتيوس، 26: انتقال الرَّسول يوحنَّا الإنجيليّ الثاولوغوس.

بالإيمان نخلص لا بأعمال الناموس

"مَعَ الـمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا، لا أَنَا، بَلِ الـمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلاطية ٢: ١٦-٢٠)
الآية التي تقول: "إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ..."، ليست مجرّد كلام لاهوتيّ عن التبرير والناموس، إنّها شهادة شخصيّة من إنسان اكتشف في أعماق حياته حقيقة واحدة غيّرت كلّ شيء: أنّ الحياة الحقيقيّة ليست حياته هو، بل هي المسيح الحيّ فيه.

يصعق بولس الرسول سامعيه بقوله:" الإنسان لا يُبرَّر بأعمال الناموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح." هذه صدمة لأهل غلاطية ولمعلّميهم الذين كانوا يدعون إلى ضرورة الخضوع لشريعة موسى للدخول في المسيحيّة واقتناء الخلاص. ما هو التبرير؟ إنّه أن يقف الإنسان أمام الله مقبولًا، غير مدان، في علاقة سليمة معه. وهذا ما يسعى إليه كلّ إنسان لأنّ العلاقة الصحيحة مع الله هي الغاية العميقة لكلّ وجود. والسؤال الجوهريّ هو: كيف نصل إلى هذا التبرير؟ الجواب الذي يحمله العالم كلّه هو: بالعمل، بالاجتهاد، بالتقوى، بحفظ الوصايا، بتراكم الحسنات، كأنّ الإنسان يبني جسرًا نحو الله حجرًا فوق حجر، وعملًا فوق عمل، حتّى يبلغ الضفّة الأخرى. ما يقوله الرسول بولس بهذا الخصوص هو أنّ هذا المشروع محكوم عليه بالفشل منذ البداية. ليس لأنّ الناموس خاطئ، فالناموس جيّد ومقدّس؛ بل لأنّ الإنسان بطبيعته، "ذوي الجسد" كما يقول بولس، لا يستطيع أن يحفظه بالكمال المطلوب. الناموس يكشف الخطيئة، لكنّه لا يشفيها. يُضيء الجرح، لكنّه لا يداويه. يُعرِّف الإنسان بمرضه، لكنّه لا يملك الدواء. الدواء جاء من الله في شخص ابن الله المتجسّد يسوع المسيح الذي قبِل أن يحمل ما لا يستطيع الإنسان أن يحمله، وأن يُعطي ما لا يستطيع الإنسان أن يكسبه. التبرير إذًا ليس إنجازًا بشريًّا، بل هو هبة وعطيّة مجانيّة من الله، فهو ليس ثمرة جهدي، بل ثمرة محبّة الله لي. وهذا ما يعنيه الإيمان هنا: ليس مجرّد الاعتقاد الفكريّ بأنّ المسيح موجود، بل هو الاتّكال الكامل عليه وحده، وأنّني أنا بذاتي لست قادرًا أن أحقّق الخلاص والبِرّ...

يطرح بولس سؤالًا دقيقًا ومهمًّا: "إن كنّا، ونحن طالبون التبرير بالمسيح، وُجدنا نحن أيضًا خطأة، أفيكون المسيح إذًا خادمًا للخطيئة؟ حاشى." هذا السؤال يجيب على اعتراض كان يسمعه بولس: "إذا قلت إنّ الخلاص بالإيمان لا بالأعمال، فأنت تفتح الباب أمام الإنسان ليتهاون في الوصايا ويعيش في الخطيئة مطمئنًّا." وجواب بولس جوهريّ: من فهم التبرير بالإيمان فهمًا حقيقيًّا، لا يجد فيه تسهيلًا للخطيئة، بل دافعًا عميقًا ليعيش حياة جديدة. لأنّ من أدرك أنّ المسيح أحبّه وبذل نفسه عنه، لا يريد أن يعود إلى ما كان عليه. لا يريد أن يبني ما قد هدم. إنّ من يعيش في نعمة المسيح ويعود متعمّدًا إلى الخطيئة، إنّما يتناقض مع الحياة الجديدة التي أُعطيت له "أجعل نفسي متعدّيًا" كما يقول بولس، فلكي لا أعود إلى التعدّي وإلى الإنسان العتيق الذي هو تحت الناموس عليّ أن أُدرك بأنّي "مع المسيح صُلبت، فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ."

هذا يعني أنّ الإنسان القديم، ذاك الذي كان يحيا لنفسه ومن نفسه وبنفسه، قد مات. الصلب هنا هو موت الأنانيّة، موت الاكتفاء الذاتيّ، موت الوهم بأنّني أستطيع وحدي أن أحقّق خلاصي. هذا الموت مستمرّ ومتكرِّر كلّ يوم من حياتي، في كلّ مرّة أختار أن أتخلّى فيها عن إرادتي وأسلّمها للمسيح، حينئذ "أحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ"، والمفارقة أنّ هذا الموت لا يُفضي إلى الفناء والبِلى بل إلى الحياة الحقيقيّة الأبديَّة حين يصير المسيح حياتي. هذا يعني أنّني أنا ما زلت موجودًا، ما زلت شخصًا حقيقيًّا بإرادتي وعقلي ومشاعري، لكنّ مركز حياتي صار المسيح لا "الأنا". لم أعد أدور حول نفسي، بل صار المسيح محور حياتي... هذا هو سرّ الحياة المسيحيّة. ليس تقليد المسيح من الخارج، ولا محاولة الوصول إلى معايير أخلاقيّة رفيعة، بل هو السماح له بأن يحيا فيَّ من الداخل، أن يسكن فيّ بروحه القدّوس فيصير هو الفاعل في داخلي، هو أناي وكلّ مشيئتي...

يا أحبّة، هذا كلّه يقودنا إلى قول الرسول: "وما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في الإيمان بابن الله الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي." يعلّمنا بولس هنا بأنّه لو كان هو وحده في هذا العالم، لكان المسيح قد مات من أجله هو. هذه الشخصنة في الإيمان هي قلب الإيمان المسيحيّ. المسيحيّة ليست إيديولوجيا عامّة عن الحبّ والخير والمساواة، هي علاقة شخصيّة مع شخص أحبّني أنا بالاسم، وبذل نفسه عنّي أنا بالذات. الجماعة الكنسيّة تتحقَّق حين يبني كلّ شخص علاقة إيمانه بالله وبالآخَرين في حقّ الإنجيل وتعليم الكنيسة، لذلك نحن نتلو دستور الإيمان بصيغة المفرد "أؤمن" وليس بصيغة الجمع، لأنّي إن لم أعرف المسيح مخلّصي شخصيًّا فأنا لا أحبّه ولا افتح له كياني ليستقرّ فيه. وحين يقف الإنسان أمام هذه الحقيقة ويدركها بالعمق، لا يعود بحاجة إلى ناموس خارجيّ يُلزمه بالعطاء — لأنّ المحبّة ذاتها تُصبح الناموس الداخليّ الجديد – ناموس المسيح - الذي يحرّك كلّ شيء.

إنّ هذا المقطع هو دعوة لنا جميعًا إلى أن نتوقّف ونسأل أنفسنا: من أو ما هو مصدر حياتي؟ وحول من أو ما تدور؟ هل أنا ما زلت أحيا من نفسي ولنفسي، والمسيح عنصر ثانويّ بالنسبة إليّ في حياة أنا أرسمها؟ أم أنّني قبلت أن أُصلَب مع المسيح وأن أصلب مشيئتي العتيقة وأن أموت عن الأنا، وأفتح الباب للحياة الجديدة التي هو مركزها؟ الإيمان الحقيقيّ هو "التي لك ممّا لك نقدّمها لك عن كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء"، ليُعيدها إليَّ حياة مملوءة بالنعمة الإلهيّة والنور السرمديّ، أن تسكن حياته هو فيَّ. وهذا التحوّل، من الأنا إلى المسيح، هو ما دعاه بولس التبرير بالإيمان. وهو ما ندعوه نحن بالخلاص أو التألّه، وهو ما كانت الكنيسة تعيشه منذ بدايتها في الأسرار المقدّسة، في الإفخارستيّا، في المعموديّة، في كلّ لقاء حقيقيّ مع الربّ الحيّ، "الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي."

ومن له أذنان للسمع فليسمع.

 + أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريّة القيامة باللحن السابع

حطمت بصليبك الموتَ وفتحتَ للّص الفردوس، وحوَّلتَ نوحَ حاملاتِ الطيب، وأمرتَ رسلكَ أن يكرزوا بأنّكَ قد قمتَ أيّها المسيح الإله، مانحًا العالم الرحمةَ العظمى.

طروباريّة عيد رفع الصليب باللحن الأوّل

خلِّص يا ربّ شعبَكَ وبارك ميراثك، وامنح عبيدَكَ المؤمنين الغلبة على الشرير، واحفظ بقوّة صليبك جميعَ المختصّين بك.

قنداق عيد رفع الصليب باللحن الرابع

يا من ارتفعتَ على الصليبِ مختارًا أيّها المسيحُ الإله، امنح رأفتكَ لشعبك الجديدِ المسمّى بك، وفرِّحْ بقوّتك عبيدكَ المؤمنين، مانحًا إيّاهُمُ الغلبةَ على مُحاربيهم. ولتكن لهم معونتُكَ سِلاحًا للسلامة وظفَرًا غيرَ مقهور.

الرسالة: غلا 2: 16-20
ما أعظم أعمالكَ يا ربُّ

كلَّها بحكمةٍ صنَعتَ      

يا إخوة، إذ نعلم أنّ الإنسان لا يُبرَّر بأعمال الناموس بل إنّما بالإيمان بيسوع المسيح، آمنَّا نحن أيضًا بيسوع لكي نُبَّرر بالإيمان بالمسيح لا بأعمال الناموس، إذ لا يُبرَّر بأعمال الناموس أحد من ذوي الجسد. فإن كنّا ونحن طالبون التبرير بالمسيح وُجدنا نحن أيضًا خطأة، أفيَكون المسيح إذًا خادمًا للخطيئة؟ حاشا. فإنّي إنْ عدتُ أبني ما قد هدمت أجعل نفسي متعدّيًا، لأنّي بالناموس متُّ للناموس لكي أحيا لله. مع المسيح صُلبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ. وما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في الإيمان بابن الله الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي.

الإنجيل: مر 8: 34-38، 9: 1

قال الربُّ: من أراد أن يتبعَني فليكفُرْ بنفسِه ويحمِلْ صليبَهُ ويتبَعْني. لأنَّ من أراد أن يخلِّصَ نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي من أجل الإنجيل يخلِّصها. فإنّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه، أم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ لأنّ من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القدّيسين. وقال لهم: الحقّ أقول لكم إنّ قومًا من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يروا ملكوت الله قد أتى بقوّة.

في الانجيل
الرَوعَة المسيحيّة وعظمتها


في إنجيل هذا الأحد، نلمس الروعة المسيحيّة وعظمتها، إنّها روعة وجمال احترام الربّ يسوع لنا، احترامه لحرّيّتنا وخياراتنا. كما هي روعة تنازل هذا الإله العظيم الذي لم يطلب منّا شيئًا دون أن يقوم هو به.

الربّ يسوع المسيح لم يفرض علينا أيّ شيء، لقد أرشدنا إلى الطريق تاركًا لنا حرّيّة اختيار أن نسلكه أو أن نسلك طريقًا آخر: «مَن أراد أن يأتي ورائي». كذلك فإنّ الربّ يسوع المسيح لم يضع لنا نظريّات وتركنا نكتشف كيفيّة تطبيقها، لقد تجسّد وقام بكلّ شيء من أجلنا ليرشدنا إلى الطريق وليعلّمنا سبل العبور.
وهنا قد يسأل أحدنا: كيف ذلك؟

ألم يسلّم الربّ يسوع المسيح طبيعته البشريّة طوعًا لطبيعته الإلهيّة عندما قال للآب: «لتكن مشيئتك لا مشيئتي»، وقَبِلَ أن يحمل صليبه بالمحبّة ويسير درب الجلجلة بكامل إرادته حتّى الموت، متمّمًا كلّ ما كان موجودًا في فكر الله منذ الأزل، وآخر ما قاله على الصليب: «لقد تمّ».

الربّ حمل صليبه وتمّم إرادة الآب حتّى المنتهى، راسمًا لنا الطريق وقواعد سلوكه، تاركًا لنا حرّيّة الاختيار. فالربّ حمل صليبه ومشى، ونحن علينا أن نحمل الصليب طارحين جانبًا كبرياءنا وأنانيّتنا.

الصليب نبع المحبّة، هو أسلوب حياة يوصلنا إلى المحبوب. وحياة الصليب ليست حكرًا على أحد أو فئة معيّنة، إنّها بمتناول كلّ مَن يرغب في أن يعيشها. الرهبان في نسكهم يحملون الصليب ويعيشون وفقًا لهذا الأسلوب، كذلك نحن في المجتمع نحمل الصليب بمحبّة في عائلاتنا ومحيطنا، سالكين سبل الربّ ووصاياه، ملتزمين بكنيستنا وطقوسها الأسراريّة.

أيّها المؤمنون، إنّ حياة الصليب والسير وراء الربّ ليس بالأمر السهل. إنّها مسيرة مليئة بالتضحية ونكران الذات، ولكنّها بالرغم من صعوبتها والتضحيات التي نقدّمها، إلّا أنّها مربحة جدًّا لي كإنسان مسيحيّ. ففي حياة الصليب نتخلّى عن الأرضيّات لنحصد السماويّات، نبيع الموت ونشتري الحياة. فنحن لا ننسى أبدًا أنّ كلّ شيء سيصبح يومًا ما ترابًا، ولا ننسى أيضًا أنّه سيأتي اليوم الذي سنقف فيه بكلّيّتنا أمام عرش الديّان العادل، حيث لا يشفع لنا شيء من حطام هذه الحياة الفانية، ففي ذلك اليوم، يوم الدينونة الرهيب، لا يبقى سوى الضمير، إيماننا وأعمالنا، وعليه سنحاسب.

أيّها المؤمنون، فلنحمل صليبنا بكلّ وداعة وطيب خاطر، بفرح ومحبّة، فننزع الإنسان العتيق ونقتني فكر المسيح ونسلك السبيل الذي أرشدنا إليه، مؤكّدين للشرّير وأتباعه أنّنا لسنا من هذا العالم بشروره ومفاسده وأحقاده، وإنّما نحن أبناء الصليب الذي به أتت القيامة، وبه نكون مع الملائكة والقدّيسين في ملكوت أبينا السماويّ، له وحده كلّ مجد وإكرام وسجود إلى أبد الدهور، آمين.

الرهبنة والرعيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة
الرهبنة الأرثوذكسيّة


يذكر القدّيس إغناطيوس برينشانينوف، خلال حوار مع علمانيّ عن الرهبنة الأرثوذكسيّة، أنّ تأسيس الرهبنة هو عمل الله وليس عمل الإنسان. ثمّ يشدّد أنّ إتمام الوصايا الإلهيّة ملزم لكلّ المسيحيّين، ولكن للصلاة أوّلًا أهمّيّة خاصّة عند الرهبان، بالإضافة إلى البتوليّة والفقر. من خلال الصلاة غير المنقطعة (عمل الرهبنة الأساسيّ) والبتوليّة والفقر يجاهد الرهبان لكي يعيشوا حياة شبيهة بحياة الإله المتجسّد على الأرض.

متى تأسّست الرهبنة؟ بحسب القدّيس كاسيانوس، نشأت الرهبنة في عهد الرسل. أوّل من دُعي رهبانًا هم تلاميذ الرسول مرقس في الإسكندريّة، وقد عاشوا في أماكن منعزلة ولكن قريبة من المقرّ «البطريركيّ». ثمّ، في أواخر القرن الثاني، انتقلوا إلى ضواحي الإسكندريّة كما جاء في سيرة القدّيسة إفجانيا الشهيدة. أمّا في سورية، فالقدّيسة إفذوكيا البعلبكيّة (١ آذار)، التي عاشت حوالي سنة ١٠٠ م.، قد اهتدت إلى المسيحيّة على يد القدّيس جرمان، رئيس دير يضمّ ٧٠ راهبًا، وهي بدورها انضمّت إلى دير نسائيّ يضمّ ٣٠ راهبةً.

بعد توقّف الاضطهادات، انتقلت الرهبنة من ضواحي المدن والقرى إلى الصحارى والبراري، لأنّه بدأ مسيحيّو المدن والقرى الاهتمام بالأمور الدنيويّة والملذّات الشعبيّة التي كانت غريبة عن المؤمنين الأوّلين.

يشير القدّيس إغناطيوس إلى أنّ مخلّص العالم قد أشار في تعليمه إلى طريقتَي حياة، أي نمطين في الحياة:

الطريق الأوّل هو الطريق الذي يؤدّي إلى الخلاص، «لأنّ هذا حسنٌ ومقبولٌ لدى الله مخلّصنا، الذي يريد أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون» (تيموثاوس ٤:٢). وقد ذكر ذلك الربّ يسوع عندما سأله الشابّ الغنيّ: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟»، فأجابه: «طبّق الوصايا». للحصول على الخلاص تلزم ثلاثة أمور: الإيمان بالمسيح (يوحنّا ٣٦:٣)، العيش حسب وصايا الربّ (متّى ١٧:١٩، مرقس ١٩:١٠)، والشفاء بواسطة التوبة عن تقصيرنا في إتمام الوصايا. الخلاص متاحٌ للجميع مهما كانت التزامات الإنسان في عمله وحياته في العالم (شرط ألّا تخالف الإيمان والوصايا الإنجيليّة).

أمّا الطريق الثاني فهو الطريق الذي يؤدّي إلى الكمال، كما أشار إليه الربّ يسوع للشابّ الغنيّ أيضًا: «إن أردت أن تكون كاملًا، فاذهب وبِع كلّ ما تملك وأعطِهِ للفقراء، فيكون لك كنزٌ في السماء وتعال اتبعني» (متّى ٢١:١٩). أن يبيع الإنسان كلّ شيء له ويتبع المسيح، عائشًا له فقط ومائتًا عن العالم، هي طريق الرهبنة، الطريق التي تؤدّي إلى الكمال.

يشرح الأب إميليانوس، مجدّد الحياة الرهبانيّة في دير سيمونوس بتراس، عن طريق الكمال والحياة الرهبانيّة قائلًا لرهبانه: «ليس من شيء يُعطي لوجودنا في الدير أيّ معنى، لا صلواتنا لأنّه يمكننا أن نصلّي في أيّ مكان؛ ولا جهاداتنا الروحيّة، إذ نستطيع أن نجاهد في كلّ مكان؛ ولا حتّى نسكنا، لأنّ النسك هو صفة أساسيّة للحياة المسيحيّة؛ ولا حتّى شوقنا إلى الله، لأنّ «في كلّ موضع سيادته» يمكن للإنسان أن يعبّر عن شوق الله (هذا متاح لكلّ المؤمنين وليس للرهبان فقط)... أمّا في الدير، فوجودنا ليس وجودًا بسيطًا، مجرّد وجود، ليس جهادًا ما (فقط)، ولا تعبًا أو نسكًا ما (فقط)، وليس مسبحةً (فقط)، ليس شيئًا آخر سوى تسليم لله كامل، سبي، منفصلين عن أفكار الناس وعن المعارف، وحيدًا مع الله الوحيد. الراهب هو من يترك ذاته لله، وفي العمق يترك ذاته للكنيسة ولله فيستطيع بالتالي أن يطلب منه ما يشاء».

أمّا الأب المتوحّد مكاريوس السيمونوبتريتي، فيقول إنّ الراهب عند خروجه من الكنيسة (الخدم الليتورجيّة)، يستمرّ لوحده في قلّايته بالليتورجيّة ذاتها التي للكنيسة جمعاء. من خلال صلاته الخاصّة الداخليّة، يدخل في «سرّ» الكنيسة الحقيقيّة: «الراهب منفصل عن الكلّ ومتّحد مع الكلّ في آنٍ معًا» (إفاغريوس، عن الصلاة). لذلك يتمحور برنامج الراهب حول ثلاث وظائف رئيسيّة:

أوّلًا: تمجيد الله في الخدم داخل الكنيسة (الخدم الطويلة) مع القانون المنفرد داخل القلّاية.

ثانيًا: عبادة الله بواسطة الصلاة القلبيّة.

ثالثًا: تسبيح الله بواسطة الطاعة، أي التخلّي عن العالم طوعيًّا.

العمل الرعائيّ

بحسب آباء الكنيسة، يتمحور عمل الرعيّة الأساسيّ حول الأسرار، خصوصًا القدّاس الإلهيّ بشكل دوريّ، بالإضافة إلى الصلوات؛ وبذلك تتمحور حياة الرعيّة حول الكاهن، الذي يتمّم الأسرار. ولكي تفعل الأسرار في الإنسان لتقدّسه وتشفيه، عليه أن يجاهد في النسك والصلاة والصوم، وإتمام الوصايا.
عمل الرعيّة أيضًا مستوحى من الكنيسة الأولى: التعليم، الكرازة. وهذه هي الركيزة الثانية للعمل الرعائيّ، التي هي مسؤوليّة الكاهن أوّلًا كما كان للرسل هذا الدور. 

أمّا الركيزة الثالثة، فهي رعاية المساكين والأرامل والفقراء "إنّ الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب، هي افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم، وصيانة الإنسان نفسَه بغير دنسٍ من العالم" (رسالة يعقوب 27:1).
بهذه الركائز الثلاث تبرز طريق الخلاص كما أشار إليها الربّ يسوع في إنجيله.
 
أخبارنا

 مستشفى دار الشفاء ومطرانيّة طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس يوقّعان اتفاقيّة تعاون صحيّ وإنسانيّ

في إطار تعزيز التعاون بين المؤسّسات الصحيّة والمجتمعيّة، وقّع مستشفى دار الشفاء – أبو سمراء - طرابلس ومطرانيّة طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس اتفاقيّة تعاون، تهدف إلى تعزيز الخدمات الصحيّة والإنسانيّة والبيئيّة، وخدمة أبناء طرابلس والشمال، انطلاقًا من رؤية مشتركة تقوم على خدمة الإنسان وصون كرامته وتسهيل وصوله إلى الرعاية الصحيّة.

وجرى توقيع الاتفاقيّة بحضور سيادة المطران أفرام كرياكوس، متروبوليت طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، وقدس الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي، الوكيل العامّ للأبرشيّة، والشمّاس بشارة عطالله، معاون سيادة المطران، ورئيسة جمعيّة شبكة طرابلس للتنمية المحليّة الأستاذة دورين عكر عبّود، ومن قبل المستشفى المدير العامّ الأستاذ محمّد زيلع، ومدير الموارد البشريّة الدكتور محمّد خضر، ومدير التمريض الأستاذ أحمد سليمان، ومنسّق العلاقات العامّة والإعلام الأستاذ ربيع المغربي.

تأتي هذه الاتفاقيّة ثمرة سلسلة من اللقاءات والتواصل المشترك بين الجانبين، وتتضمّن التعاون في المجالات الصحيّة والبيئيّة، من خلال تنظيم حملات توعية وأنشطة مشتركة وأيّام صحيّة وتثقيفيّة، بما يسهم في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الوقاية والصحّة العامّة، إلى جانب تقديم تسهيلات وخدمات صحيّة خاصّة ضمن إطار هذا التعاون.

وأكّد المدير العامّ لمستشفى دار الشفاء الأستاذ محمّد زيلع أنّ توقيع الاتفاقيّة يشكّل ترجمة عمليّة للّقاءات السابقة والرؤية المشتركة التي جمعت الطرفين، مشدّدًا على أنّ المستشفى يعتزّ بهذا التعاون الذي يندرج في إطار رسالته الإنسانيّة والصحيّة، ويعزّز من قدرته على خدمة أهلنا في طرابلس والشمال.

من جهته، اعتبر المطران أفرام (كرياكوس) أنّ الاتفاق والتوقيع يشكّلان خطوة أولى وأساسيّة نحو التطبيق العمليّ، مؤكّدًا أنّ القيمة الحقيقيّة لأيّ اتّفاق تكمن في ترجمته إلى عمل فعليّ من خلال التعاون المشترك، سائلًا الله أن يوفّق الجميع لما فيه خير الإنسان والمجتمع والوطن.

بدورها، توجّهت رئيسة جمعيّة شبكة طرابلس للتنمية المحليّة الأستاذة دورين عكر عبّود بجزيل الشكر إلى سيادة المطران أفرام (كرياكوس) على هذه المبادرة ومباركته هذا التعاون، كما شكرت إدارة مستشفى دار الشفاء، معتبرة أنّ الاتفاقيّة تجسّد نموذجًا حقيقيًّا للتشبيك والتعاون بين المؤسّسات لخدمة الإنسان من دون أيّ تمييز.

واختُتم اللقاء بالتأكيد على أهمّيّة متابعة تنفيذ بنود الاتّفاقيّة وترجمتها إلى برامج ومبادرات عمليّة في المرحلة المقبلة، ما يعزّز التعاون المشترك ويخدم المجتمع المحلّيّ وأبناء طرابلس والشمال.

مدرسة الموسيقى الكنسيّة

تفتح مدرسة الموسيقى الكنسيّة باب التسجيل للطلّاب القدامى والجدد (من عمر 12 سنة وما فوق) حتى يوم السبت 26 أيلول 2026، عبر الرابط الإلكتروني التالي: http://sem.archtripoli.org

علمًا أنّ الدّروس تبدأ حضوريًّا يوم السبت 3 تشرين الأول 2026 وكل يوم سبت في تمام السّاعة الثالثة والنصف بعد الظّهر، في ثانويّة سيّدة بكفتين الأرثوذكسية.