الأحد 28 حزيران2026

الأحد 28 حزيران2026

24 حزيران 2026
الأحد 28 حزيران2026
العدد 26
الأحد الرابع بعد العنصرة
اللحن الثالث، الإيوثينا الرابعة


أعياد الأسبوع:

28: نقل عظام كيرُس ويوحنَّا العادمي الفضّة، 29: بطرس وبولس هامتا الرُّسل، 30: تذكار جامع للرُّسل الاثني عشر، 1: الشَّهيدان قزما وداميانوس الماقتا الفضَّة، 2: وضع ثوب والدة الإله في فلاشرنس، 3: الشَّهيد باكنثس، أناطوليوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، 4: القدِّيس أندراوس الأورشليميّ رئيس أساقفة كريت، أندره روبلاف.
 
تواضع وثقة
 
"الحقّ أقول لكم لم أجد في إسرائيل إيمانًا عظيمًا كهذا". ما الّذي جعل الرّبّ يقرّظ إيمان قائد المئة بهذا الشّكل؟
إنّ إيمان قائد المئة تميّز بأنّه كان محميًّا بفضيلتين جعلتاه يحافظ على التوازن فيسير في "الطريق الملوكيّ"، الّذي لا يحيد يَمنةً ولا يَسرةً:
فمن جهة، كان لديه التواضع ففحص ذاته وراقب شروره: "يا ربّ أنا لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقف بيتي". ومن جهة أُخرى كان لديه الثقة المطلقة بقدرة الله وبرحمته: "تكفي كلمةٌ منك فيُشفى ابني". عندما عملت فيه هاتان الفضيلتان صار إيمانه عظيمًا.

فالطريق الملوكيّ يتطلّب منّا أن نحافظ على التوازن بين معرفة ضعفاتنا وسقطاتنا والاعتراف بها من جهة، وبين التسليم بإخلاصٍ لرحمة الله. فإذا تطرّفنا نحو اليمين وقلنا: الربّ رحيم وهو يسامح! واستسلمنا بحسب هذا القول للكسل وللحياة السطحيّة، نكون قد أخطأنا. وإذا تطرّفنا نحو اليسار وقلنا: إنّ خطايانا كثيرة لا تُغفر، وليس لنا توبة، فوقعنا في الخطيئة الكبرى وهي اليأس، أيضًا نكون قد أخطأنا وحتّى جدّفنا على رحمة الله.

يلاحظ آباء الكنيسة أنّ الشيطان أمام كلّ تجربة نواجهها يوسوس فينا بفكرين اثنين: فقبل التجربة يوحي إلينا أنّ الله رحيم ويسامحنا، فنسقط. وإذا سقطنا، يوحي إلينا أن: كيف فعلت أنا هذا؟ كيف سأقف في الكنيسة في ما بعد؟ كيف سأمسك الإنجيل بيدي؟ إنّها تقوى مبطّنة باليأس والكبرياء. فإذا أخذ المسيحيّ بعين الاعتبار تحذير الآباء، حصّن نفسه بفكر مضادّ. فإذا كان واقفًا جبّارًا (كقائد المئة) تذكّر جبلته الضعيفة القابلة للسقوط وهكذا تواضع، وإذا كان في حالة وقوع (أنا غير مستحقّ) تحصّن بالرجاء بصلاح الله، فبإلهي "أقفز فوق الحائط" يقول المزمور.

لا نحيد يَمنةً ولا يَسرةً: هذا هو الطريق الملوكيّ، إذا مشينا فيه نلنا حظوةً عند الربّ وسمعنا صوته: "اذهب وليكن لك بحسب إيمانك". آمين.

+ إغناطيوس
 متروبوليت المكسيك، فنزويلا
أميركا الوسطى وجزر الكاريبي

طروباريّة القيامة  باللحن الثالث

لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزًّا بساعدِه، ووطِئَ الموتَ بالموتِ، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقدنا من جوفِ الجحيم، ومنح العالم الرحمةَ العُظمى.
 
القنداق باللحن الثاني

يا شفيعة المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشفاعةِ وأسرَعي في الطلبةِ يا والدةَ الإلهِ المتَشفعةَ دائمًا بمكرِّميك.
 
الرسالة: رو 6: 18-23
رتّلوا لإلهنا رتّلوا                   
 يا جميع الأمم صفّقوا بالأيادي


 يا إخوةُ، بعد أن أُعتِقِتُم من الخطيئة أصبحتُم عبيدًا للبرّ. أقولُ كلامًا بشريًّا من أجل ضعفِ أجسادِكم. فإنَّكم كما جعَلتُم أعضاءَكم عبيدًا للنجاسَةِ والإثم للإثم، كذلك الآن اجعَلوا أعضاءكم عبيدًا للبرّ للقداسة. لأنّكم حينَ كنتُم عبيدًا للخطيئة كنتمُ أحرارًا منَ البرّ. فأيُّ ثمرٍ حصَل لكم من الأمور التي تستَحيُون منها الآن. فإنَّما عاقِبَتُها الموت. وأمَّا الآن، فإذ قد أُعتِقُتم من الخطيئةِ واستُعبِدتم لله، فإنَّ لكم ثمرَكم للقداسة. والعاقبِةُ هي الحياةُ الأبديّة، لأنَّ أجرةَ الخطيئةِ موتٌ وموهبةَ اللهِ حياةٌ أبديةٌ في المسيحِ يسوعَ ربِّنا.

الإنجيل: متّى 8: 5-13(متّى 4)

في ذلك الزمان دخل يسوع كَفْرناحوم، فدنا إليهِ قائدُ مئةٍ وطلب إليه قائلًا: يا ربُّ إنَّ فتايَ مُلقًى في البيت مُخَلَّعًا يُعذَّبُ بعذابٍ شديد. فقال لهُ يسوع: أنا آتي وأشْفيهِ. فأجاب قائد المئةِ قائلًا: يا ربُّ لستُ مستحقًّا أن تدخُلَ تحتَ سقفي ولكنْ قُلْ كلِمةً لا غيرَ فيبرأ فتايَ، فإنّي أنا إنسانٌ تحت سلطان ولي جندٌ تحت يدي أقولُ لهذا اذهَبْ فيذهَب وللآخر أئتِ فيأتي ولعَبْدي إعمَلْ هذا فيعْمَل. فلَّما سمع يسوع تعجَّب وقال للذينَ يتبعونهُ الحقَّ أقول لكم إنّي لم أجِد إيمانًا بمقدار هذا ولا في إسرائيل. أقول لكم إنَّ كثيرين سيأتون مِنَ المشارق والمغاربِ ويتّكِئون معَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ في ملكوت السماوات، وأمَّا بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمَةِ البرانيّةِ. هناكَ يكونُ البكاءُ وصريف الأسنان. ثم قال يسوع لقائد المئة: اذهب وليكن لكَ كما آمنتَ. فشُفي فتاه في تلك الساعة.
 
في الإنجيل

يُعدّ مشهد شفاء غلام قائد المئة من أبرز المواقف الّتي تكشف عن عظمة الإيمان الحقيقيّ كما يقدّمه الإنجيل. ففي إنجيل متّى 8: 5-13، يلتقي يسوع قائد مئة رومانيًّا جاء إليه طالبًا المساعدة من أجل غلامه المفلوج والمتألّم بشدّة. ورغم أنّ هذا الرّجل كان أمميًّا وليس من شعب إسرائيل، إلّا أنّ إيمانه بالمسيح كان استثنائيًّا حتّى إنّ يسوع نفسه تعجّب منه وأشاد به أمام الجموع.

بدأت القصّة عندما اقترب قائد المئة من يسوع متوسّلًا إليه أن يشفي غلامه. فأظهر بذلك قلبًا مليئًا بالمحبّة والرحمة تجاه خادمه، وهو أمر غير معتاد في ذلك العصر حيث كان العبيد غالبًا يُعامَلون كأدوات خدمة لا أكثر. وعندما عرض يسوع أن يذهب إلى بيته ليشفي الغلام، أجاب القائد بتواضع عميق قائلًا: "يا سيّد، لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقفي".

تكشف هذه العبارة عن إدراك القائد لمكانة المسيح وقداسته، كما تعكس شعورًا صادقًا بعدم الاستحقاق أمام الله. لكنّه لم يكتفِ بذلك، بل أعلن إيمانه بسلطان كلمة المسيح قائلًا: "لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي". لقد فهم قائد المئة أنّ سلطان يسوع لا يقتصر على الحضور الجسديّ، بل إنّ كلمته وحدها كافية لتحقيق الشفاء. واستند في فهمه هذا إلى خبرته العسكريّة، إذ كان يعلم أنّ الأوامر الصادرة عن صاحب السّلطة تُنفَّذ فورًا دون حاجة إلى وجوده شخصيًّا.

أمام هذا الإيمان المدهش، أعلن يسوع للجموع: "الحقّ أقول لكم، لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا". وهنا يبرز التعليم الروحيّ العميق في النصّ؛ فالله لا ينظر إلى الأصل أو المكانة الاجتماعيّة أو الانتماء القوميّ، بل إلى الإيمان الصادق والثقة الكاملة به. ولهذا أشار يسوع إلى أنّ كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ليجلسوا مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، بينما يُحرم البعض ممّن ظنّوا أنّ مجرّد انتمائهم الدينيّ يكفي للخلاص.

تنتهي القصّة بإعلان يسوع الشفاء الفوريّ للغلام: "اذهب، وكما آمنت ليكن لك". فشُفي الغلام في تلك الساعة نفسها. وهكذا يؤكّد النّصّ العلاقة الوثيقة بين الإيمان وعمل الله، حيث يصبح الإيمان بابًا لقبول نعمة الله وقدرته.

إنّ رسالة هذا المقطع ما زالت حيّة للمؤمنين اليوم. فهو يدعونا إلى التواضع أمام الله، والثقة الكاملة بسلطان المسيح، والإيمان بأنّ كلمته قادرة أن تعمل في حياتنا مهما بدت الظروف صعبة. كما يذكّرنا بأنّ الله يكرّم الإيمان الحقيقيّ أينما وجده، وأنّ العلاقة معه تقوم على الثقة والمحبّة أكثر من أيّ امتيازات أو مظاهر خارجيّة.

يكشف لقاء يسوع بقائد المئة أنّ الإيمان الحقيقيّ يجمع بين التواضع والثقة والطاعة. وقد صار هذا القائد مثالًا خالدًا للمؤمن الّذي أدرك أنّ كلمة المسيح وحدها كافية لتغيير الواقع وصنع المعجزة. ومن خلال هذا النصّ نتعلّم أنّ الله يستجيب لمن يقتربون إليه بإيمان صادق وقلب متواضع، وأنّ سلطانه يمتدّ إلى كلّ مكان وزمان.
 
كيف أثبت في الإيمان المسيحيّ؟

قال الربّ يسوع: "اثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ..." (يوحنّا 15: 4). هذا الكلام موجّه إلى كلّ مؤمن بالربّ يسوع المسيح، وذلك لكي يعطي إيمانه ثمرًا جيّدًا يمجّد الله ويرفع من شأن المؤمن في عيني الله. أمّا الثبات في الإيمان بالربّ يسوع المسيح فيكون بالتزام المؤمن بالإرشادات الكتابيّة التالية:
المواظبة على قراءة كلمة الله، الكتاب المقدّس يوميًّا:

لأنّ "كلّ الكتاب نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الّذي في البرّ، لكي يكون إنسان الله كاملًا، متأهّبًا لكلّ عمل صالح" (2 تيموثاوس 3: 16-17). الكتاب المقدّس مصدر غذائنا الروحيّ، منه ننهل ونروي عطشنا ونشبع جوع حياتنا. الكتاب المقدّس مرشدنا إلى طريق الحقّ ويعرّفنا بمشيئة الله ويميّز لنا الحقّ من الباطل ويضع أرجلنا في مسالك النور كما يقول صاحب المزامير: "سراج لرجليّ كلامك ونور لسبيلي" (مزمور 119: 105). عندما نحفظ كلمة الله ونطيعها نتجنّب الوقوع في الخطيئة كما نقرأ في المزمور نفسه: "خبّأت كلامك في قلبي لكيلا أُخطئ إليك" (119: 11). من المهمّ جدًّا أن نولي كلمة الله، الكتاب المقدّس، أهمّيّة في حياتنا، فنخصّص وقتًا يوميًّا للتأمّل فيه والتعلّم منه، فهذا يساهم في ثباتنا بالإيمان بالمسيح ويزيدنا نموًّا روحيًّا.

المواظبة على الصلاة:

الصلاة هي تلك الفترة من الوقت الّتي فيها نكون في جلسة مميّزة في حضرة الله، نعترف بها بذنوبنا ونسأله التوبة لكي نكون أنقياء طاهرين قدّامه، ونقدّم له شكرنا على نعمه وبركاته وعنايته ورعايته لنا ونجدّد له الولاء بطاعته والخضوع لمشيئته. ونرفع إليه طلباتنا الّتي نرجوه ونسأله أن يستجيب لها. الصلاة لقاء مع الله القدّوس، لذا يجب أن نكون في حضرته بخشوع ووقار، وهل من امتياز أرفع وأروع من أن نكلّم اللهَ الآبَ كبنين؟ لكي تثبت بالربّ لا تنسَ الصلاة الّتي أوصانا الربّ بالالتزام بها قائلًا: "اسهروا وصلّوا لئلّا تدخلوا في تجربة" (متّى 26: 41). أيضًا أوصانا الله عن طريق رسوله بولس قائلًا: "صلّوا بلا انقطاع" (1 تسالونيكي 5: 17).

المواظبة على الاشتراك في الأسرار المقدّسة:

وبخاصّة سرّ الشكر، أي القدّاس الإلهيّ، الّذي فيه نتّحد اتّحادًا كيانيًّا بالربّ يسوع، فيعطينا حياته الأبديّة.

قراءة الكتب الروحيّة:

الكتب الروحيّة المسيحيّة الجيّدة تساهم في تعريفك بعمق إلى الإيمان المسيحيّ، رسالته وهدفه ونتائجه وكيفيّة العيش فيه. كما أنّ بعض الكتب الروحيّة تتحدّث عن أناس قدّيسين في الإيمان سواء على مدى تاريخ الكنيسة الماضي والحاضر. فالاطّلاع على سيرة هؤلاء القدّيسين قد تحفّزك على الاقتداء بهم والتعلّم منهم دروسًا في الإيمان تزيدك ثباتًا ورسوخًا بإيمانك بالربّ.

هذه الإرشادات ليست الوحيدة، بل هناك إرشادات أُخرى تساهم في نموّك الروحيّ وثباتك بإيمانك بالمسيح، كعلاقتك بالأشخاص غير المؤمنين من حولك. أسئلة كثيرة تحفّزك على أن تثبت بالربّ، مثلًا: كيف تتعامل معهم؟ وما هي شهادتهم عنك؟ ماذا يقولون عن سيرتك الذاتيّة؟ وهل يرون فيك المؤمن المسيحيّ الحقيقيّ، وهل يرون فيك يسوع؟

يوميّات كاهن في رعيّة (الجزء الأوّل)

لا يكتب الكاهن الحقيقيّ يوميّاته بالحبر، بل يكتبها بوجوه الناس الّتي مسح دموعها، بالصلوات الّتي رفعها في الليل دون أن يراه أحد، وبالتعب الّذي أخفاه خلف ابتسامة هادئة كي لا يثقل قلوب أبنائه، وبالقلب الّذي احترق حبًّا لله وللناس. هناك كهنةٌ يصنعون الضجيج، وهناك كهنةٌ يصنعون الملكوت بصمت. الأوّل يطلب أن يُرى، أمّا الثانيّ فيطلب أن يمرّ المسيح من خلاله دون أن يظهر هو.

يقول القدّيس إسحق السريانيّ: أخفِ فضيلتك كما تخفي الكنوز، لأنّ المجد الباطل يسرق تعب الإنسان.
الكاهن، الراعي الحقيقيّ، لا يقف في وسط الرعيّة ليقول: انظروا ماذا أنجزت، بل يقف في الآخر ليقول في قلبه: ليكبر هو، وأمّا أنا فأنقص. إنّه يعرف أنّ الرعيّة ليست مشروعًا شخصيًّا، وليست منصّةً لإثبات الذات، بل جسد المسيح الحيّ، الّذي هو مدعوّ أن يخدمه لا أن يمتلكه.

كم من كاهنٍ مجهول عند الناس، لكنّه معروف في السماء! كاهن يحمل وجع الأرامل بصمت، ويزور المرضى دون كاميرات، ويصلّي من أجل الّذين يهاجمونه، ويتعب من أجل وحدة الجماعة أكثر ممّا يتعب من أجل راحته الشخصيّة. قدّيسون كثر عاشوا حياتهم متّهمين باتّهامات باطلة ولم يتوقّفوا عن الصلاة لمن يسيء إليهم.

هذا الكاهن لا يبني اسمه، بل يبني الجماعة. يفرح حين يلمع أبناء الرعيّة أكثر منه، وحين تنجح الخدمة دون أن يُذكر اسمه. سرّ الكهنوت أن يكون الكاهن جسرًا يعبر الناس فوقه نحو الله، لا تمثالًا يقفون أمامه حاجبًا جمال وجه الربّ يسوع. فالراعي الصالح لا يعيش ليُرى بل ليُثمر، لا يفتّش عن بطولات يعلنها، بل همّه أن يبقى أمينًا رغم التعب وأن يواصل الخدمة حتّى عندما لا يشكره أحد.

يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: الراعي الصالح لا يطلب كرامته الخاصّة، بل خلاص خرافه.
الكاهن الحقيقيّ لا يقيس نجاحه بعدد التصفيقات، بل بعدد القلوب الّتي اقتربت من الله. لا يبحث عن صورته في أعين الناس، بل عن صورة المسيح في حياة أبنائه الروحيّين.

وأجمل الكهنة، ليس من يتكلّم كثيرًا على محبّته للرعيّة، بل ذاك الّذي تتعب ركبتاه من الصلاة من أجلها. الّذي يحملها في قُدّاسه، وفي دموعه، وفي صمته، وفي جراحه المخفيّة. كم من كاهن يحمل صليبه بصمت، يبتسم أمام الناس فيما قلبه مثقل بالهموم، يصغي إلى مشاكل الناس ولا يجد من يصغي إليه.

في زمنٍ صار فيه كثيرون يعلنون بطولاتهم على الملأ، يبقى الكاهن المتّضع شاهدًا نادرًا. كالشمعة الّتي تحترق بصمت لتنير للآخرين دروبهم. وكالبخور الّذي يذوب دون أن يطلب مديحًا. وكالراعي الّذي، إن ضاع خروفٌ واحد، يترك كلّ شيء ويمضي يبحث عنه بمحبّة الأب، لا بكبرياء المسؤول.
يقول القدّيس سلوان الأثوسيّ: حيث يوجد التواضع، هناك يسكن سلام الله.

هؤلاء الكهنة لا يصنعهم المنصب، بل يصنعهم المذبح، والسهرات الطويلة أمام الله، والقلب الّذي تعلّم أن يحبّ دون مقابل. طوبى للكاهن الّذي يخدم باحتجاب، لأنّ الله الّذي يرى في الخفاء، هو نفسه يكتب يوميّاته في سفر الحياة.