الأحد 2 آب 2026

الأحد 2 آب 2026

30 تموز 2026
الأحد 2 آب 2026
العدد 31
الأحد التاسع بعد العنصرة
اللحن الثامن، الإيوثينا التاسعة


أعياد الأسبوع:

2: نقل عظام استفانوس أوّل الشُّهداء ورئيس الشَّمامسة، 3: الأبرار اسحاقيوس وذلماتس وففستس، سالومة حاملة الطيب، 4: الشُّهداء الفتية السَّبعة الَّذين في أفسس، 5: تقدمة عيد التجلّي، الشَّهيد آفسغنيوس، نونة أمّ القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، 6: تجلّي ربّنا وإلهنا يسوع المسيح، 7: الشّهيد في الأبرار دوماتيوس، 8: إميليانوس المعترف أسقُف كيزيكوس.
 
بالإيمان ضعفُنا يُضحي قوّةً

"مضى إليهم يسوع ماشيًا على البحر" (متّى 14: 25).
أَمْرٌ لا عَجَبَ فيه كَوْنُهُ ابنَ الله حائزًا على القوّة لعمل كلّ شيء. «قال يسوع لبطرس: تعالَ» (متّى ١٤: ٢٩).
تجاوب بطرس إيجابيًّا بفعل إيمانه، دون أن يعتمد على أَيَّةِ ضمانةٍ بشريّة.
أَطاع يسوع فاكتسب قوّةً، قوّةً تفوق كلَّ أَمْرٍ بشريّ.
لكن أَمام شدّة الموج خاف وصرخ قائلًا: «يا ربّ نجِّني» (١٤: ٣٠).
وللحال نشله الربُّ يسوع بيده وقال له: عجبًا! «يا قليلَ الإيمان، لماذا شككت؟» (١٤: ٣١).
ثمّ اتّجهت السفينة إلى أَرض جنيسارت.

الإيمان من شأنه أن يفعل المستحيلات l’impossible.

هكذا يسمح للإنسان مثلًا أن يحبَّ حتّى عدوَّه. «كلُّ شيء عند الله مستطاع» (متّى ١٩: ٢٦).
يقول القدّيس سلوان: «محبّة العدوّ تكشف عن حقيقة حياتنا المسيحيّة.»
محبّة الأَعداء تجعلنا نأسف ونعطف أَمام شرّهم. نصلّي من أَجلهم، نطلب من الله أَن يخلّصهم وينزع شعلة شرّهم. إن لم نتسلّح بمثل هذا الإيمان تأتي الكارثة catastrophe.

بالإيمان تصبح صلاتنا قادرةً على المستحيل، هذا لأَنّها نابعةٌ كلُّها من صميم قلبنا.
عندما صرخ بطرس إلى الربّ قائلًا: «يا ربّ نجِّني» (١٤: ٣٠)، كان مأخوذًا كلِّيًّا بصلاته التي باتت صلاةً حارّة Prière ardente، من شأنها إشعال إيماننا الكلّيّ بالمسيح وبقوّةٍ سماويّةٍ غير مخلوقة incréée  تفوق القوّة البشريّة.
هذا لأَنّنا حينئذٍ نتصرّف بقوّة الربّ يسوع، برحمته وبمحبّته الكلِّيّة للإنسان، Philanthropie.
صلاةٌ حارّة نابعة من قلبٍ مشتعلٍ بمحبّة الربّ يسوع مخلّصنا.
عندها يُصبح المستحيلُ ممكنًا Impossible n’est pas chrétien.

+ أفرام
 مطران طرابلس والكورة وتوابعهما  

طروباريّة القيامة باللحن الثامن

إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامَتنا، يا ربّ المجد لك.     
        
قنداق التجلّي باللحن السابع

تجلَّيت أيّها المسيحُ الإله في الجبل، وحسبما وسعَ تلاميذَكَ شاهدوا مجدَك، حتّى، عندما يعاينونَكَ مصلوبًا، يفطنوا أن آلامَكَ طوعًا باختيارك ويكرزوا للعالم أنّك أنتَ بالحقيقةِ شعاعُ الآب.

الرسالة: 1 كو 3: 9-17
صلُّوا وأوفوا الربَّ إلهَنا
اللهُ معروفٌ في أرضِ يهوذا


يا إخوةُ، إنَّا نحنُ عامِلُونَ معَ اللهِ وأنتُم حَرْثُ اللهِ وبِناءُ الله. أنا بحسَبِ نِعَمةِ اللهِ المُعطاةِ لي كبنَّاءٍ حكِيم وضَعْتُ الأساسَ وآخرُ يَبني عليهِ. فَلْينْظُرْ كُلُّ واحدٍ كيف يَبْني عليهِ، إذ لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يضعَ أساسًا غيرَ الموضُوعِ وهوَ يسوعُ المسيح، فإنْ كانَ أحدٌ يَبْني على هذا الأساسِ ذهبًا أو فِضَّةً أو حِجارةً ثَمينةً أو خشبًا أو حَشيشًا أو تبنًا، فإنَّ عملَ كلِّ واحدٍ سيكونُ بيِّنًا لأنَّ يومَ الربِّ سيُظهرُهُ لأنَّه يُعلَنُ بالنارِ، وستَمتَحِنُ النارُ عَمَلَ كلِّ واحدٍ ما هو. فمن بقي عمَلُهُ الذي بناهُ على الأساسِ فسينالُ أُجرَةً ومَن احتَرقَ عَمَلُهُ فسَيخسَرُ وسيُخلُصُ هُوَ، ولكن كمَن يَمرُّ في النار. أما تعلَمون أنَّكم هيكلُ اللهِ وأنَّ روحَ اللهِ ساكِنٌ فيكمْ، مَن يُفسِدْ هَيكلَ اللهِ يُفسِدْهُ الله. لأنَّ هيكلَ اللهِ مُقدَّسٌ وَهُوَ أنتم.

الإنجيل: متى 14: 22-34 (متى 9)

في ذلك الزمان اضطَرَّ يسوعُ تلاميذَهُ أن يدخلوا السفينةَ ويسبِقوهُ إلى العَبْرِ حتّى يصرِفَ الجموع. ولمَّا صرف الجموعَ صعِد وحدَهُ إلى الجبلِ ليصلّي. ولمَّا كان المساءُ كان هناك وحدَهُ، وكانتِ السفينةُ في وسْط البحر تكُدُّها الأمواجُ لأنَّ الريحَ كانت مُضادّةً لها. وعند الهجْعَةِ الرابعةِ من الليل مضى إليهم ماشيًا على البحر، فلَّما رآه التلاميذ ماشيًا على البحر اضطربوا وقالوا إنَّه خَيالٌ ومن الخوفِ صرخوا. فللوقت كلَّمهم يسوعُ قائلًا: ثِقوا أنا هو لا تخافوا. فأجابهُ بطرس قائلًا: يا ربُّ إنْ كنتَ أنتَ هو فمُرني أن آتي إليك على المياه فقال: تعالَ. فنزل بطرسُ من السفينة ومشى على المياه آتيًا إلى يسوع، فلَّما رأى شِدَّةَ الريح خاف وإذْ بدأ يغرَقُ صاح قائلًا: يا ربُّ نجّني. وللوقتِ مدَّ يسوعُ يدهُ وأمسك بهِ وقال لهُ: يا قليلَ الإيمان لماذا شككتَ؟ ولمَّا دخلا السفينةَ سكنَتِ الريح. فجاءَ الذين كانوا في السفينةِ وسجدوا لهُ قائلين: بالحقيقةِ أنت ابنُ الله. ولمَّا عبَروا جاؤوا إلى أرض جَنّيسارَتْ.
 
في الإنجيل

يكشف لنا إنجيل هذا الأحد المبارك أنّ الحياة المسيحيّة ليست طريقًا خاليًا من الأمواج، بل رحلة مع المسيح وسط العواصف، فالسفينة هي صورة الكنيسة، والبحر هو هذا العالم، والرياح المضادّة هي التجارب والضيقات التي تواجه المؤمنين.

لم يمنع الربُّ التلاميذ من دخول العاصفة، بل هو نفسه «اضطرَّ تلاميذه أن يدخلوا السفينة». أحيانًا يسمح الله بالتجربة، لا ليهلكنا، بل ليُظهر لنا أنّ خلاصنا لا يقوم على قوّتنا، بل على حضوره في حياتنا.

وفي الهجعة الرابعة من الليل، أي بعد ساعات طويلة من التعب والانتظار، جاء الربُّ يسوع. إنَّه لا يتأخّر، بل يأتي في الوقت الذي يراه مناسبًا لخلاصنا. لذلك لا ييأس المؤمن مهما طال الليل، لأنّ فجر المسيح آتٍ.

ولمّا رآه التلاميذ اضطربوا وظنّوه خيالًا. وهكذا نحن أيضًا قد لا نتعرّف إلى عمل الله في حياتنا عندما تأتي معونته بطريقة لم نتوقّعها. لكنّ المسيح يطمئنهم بكلمة تبقى عزاءً لكلِّ مؤمن: «ثقوا، أنا هو، لا تخافوا». فوجود المسيح يلغي سلطان الخوف.

أمّا بطرس، فقد سار على الماء ما دام نظره ثابتًا على المسيح. لكن عندما نظر إلى الريح والأمواج خاف وبدأ يغرق. فالخطر الحقيقيّ لم يكن قوّة الأمواج، بل ضعف الإيمان. ما دام القلب متعلّقًا بالمسيح، يستطيع الإنسان أن يسير فوق أمواج العالم، أمّا إذا انشغل بالمخاوف، بدأ يغرق.

ومع ذلك، لم يترك الربُّ بطرس يغرق. فما إن صرخ: «يا ربّ نجِّني»، حتّى مدَّ يسوع يده وأمسكه. هذا هو إلهنا، لا يوبّخ قبل أن يخلّص، ولا يدين قبل أن يمدَّ يده. وكم من مرّة نغرق في خطايانا أو ضعفنا، لكنّ صرخة توبة صادقة تكفي ليقترب المسيح إلينا.

ويعلّق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم أنّ المسيح سمح لبطرس أن يختبر الضعف لكي يتعلّم الاتّكال على نعمة الله، لا على اندفاعه الشخصيّ، وأنّ الخوف يدخل عندما يبتعد نظر القلب عن الربّ.

وفي النهاية، عندما دخل يسوع السفينة سكنت الريح. فالسلام الحقيقيّ لا يأتي بزوال المشكلات أوّلًا، بل بدخول المسيح إلى حياتنا. لذلك سجد له التلاميذ واعترفوا قائلين: «بالحقيقة أنت ابن الله». فغاية كلِّ تجربة هي أن تقودنا إلى معرفة أعمق بالمسيح وإلى سجود صادق له.

يبقى أن نسأل أنفسنا: هل أنظر إلى المسيح أم إلى الأمواج؟ هل أستسلم للخوف أم أتمسّك بكلمة الربّ: «لا تخافوا»؟ وهل أصرخ إليه عندما أضعف، أم أعتمد على قوّتي؟

فليمنحنا الربُّ الإله إيمان بطرس عندما نادى: «يا ربّ نجِّني»، لا شكَّه عندما نظر إلى الريح، حتّى نعبر سالمين بحر هذا العالم إلى ميناء الملكوت، ملكوت المسيح، له المجد إلى الأبد، آمين.
 
عقيدة عيد رقاد والدة الإله

في إيماننا المسيحيّ، ظهور الله بالجسد كان أكبر تدخّل شخصيّ لله في تاريخ البشر، لكنّ الله لم يتدخّل من دون موافقة البشريّة على هذا الظهور. فإرادة الله قادرة أن تعمل ما تشاء، لكن في كلّ ما يتعلّق بالإنسان، الله يقف أمام كائنات تحمل صورته؛ ولا يمكن لله أن ينتهك صورته. هكذا بعملّيّة تآزر مع إرادة الإنسان دخل الله التاريخ البشريّ، والعذراء مريم كانت هي عنصر هذا التآزر. طاعتها كشفت الصورة الأصليّة لله في الإنسان في كلّ بهائها، كانت نموذجًا مثاليًّا لعمل إرادة الإنسان مع نعمة الله؛ أهمّيّة طاعة مريم أنّها كانت بشرًا كباقي البشر، وإرادتها هي إرادة البشريّة نفسها. نتكلّم على طاعة مريم، لكنّ الطاعة مرتبطة بالإيمان؛ طاعة العذراء أعطتها إيمانًا تجاوز إيمان كلّ أبرار العهد القديم، ونعمة تسليم مشيئتها بالكامل لمشيئة الله، وأن تُصبح مستحقّة لهذا الاختيار الإلهيّ، ويتجسّد منها ابن الله وتصير والدة الإله.

نبتدئ صومًا لعيد رقاد والدة الإله، الصوم في المفهوم الأرثوذكسيّ، إضافة إلى ضبط الأهواء والشهوات، غايته الأولى عودة الإنسان إلى ذاته ليعرف نفسه الداخليّة، ويكتشف فقره وحاجته إلى النعمة الإلهيّة. غاية هذا الصوم هو الدخول في سرّ والدة الإله، وهو سرّ اختيارها وعمل نعمة الروح القدس فيها، في بشارتها وولادتها ورقادها. لقد دعتها صلواتنا "أمّ الحياة"، وبهذه النعمة استحقّت أن تصير أمًّا لكلّ الّذين آمنوا بالحياة الجديدة التي وُلدت منها. الكنيسة الأرثوذكسيّة تُسمّي هذا العيد "رقاد والدة الإله"؛ في القرن الثامن يقول القدّيس يوحنّا الدمشقيّ: "نحن نحتفل برقادها ولا ندعوها إلهةً... لأنّنا نعلن موتها".

وبعد موتها انتقالها إلى الحياة الخالدة مع ابنها. فرغم أنّ الروح القدس طهّرها من نتائج الخطيئة الأصليّة، وملأها من نعمته، كما يحصل في كلّ معموديّة، لكن بما أنّها وُلدت في ناموس السقوط وتسلّط الخطيئة، كان ينبغي أن تموت والدة الإله بالجسد، كما أنّ كلّ إنسان آتٍ إلى العالم ينبغي أن يموت؛ وذلك لتولد في عدم فساد. إنَّه ناموس الخلاص، لا بدّ لهذا الفاسد أن يلبس بالموت عدم الفساد؛ وحبّة الحنطة بالموت تتكاثر في ملكوت الله.

رقاد والدة الإله هو عقيدة في الأرثوذكسيّة؛ والعقائد المسيحيّة هي سلسلة واحدة متواصلة لا يمكن أن تنفكّ؛ إذا حُلّت واحدة تنفكّ كلّ سلسلة الإيمان، لأنّ العقائد ليست سوى تحديدات للإيمان المستقيم. هكذا أيضًا، العقائد المختصّة بوالدة الإله هي واحدة ومترابطة، انحراف واحدة من هذه العقائد يقود إلى تغيير لا فقط ما يختصّ بوالدة الإله، إنّما بكلّ سرّ تجسّد ابن الله وخلاص البشر. لهذا تُعالج الكنيسة العقائد المختصّة بوالدة الإله ضمن كلامها في اللاهوت الخريستولوجيّ.

هذه العقيدة الأرثوذكسيّة عن رقاد والدة الإله، التي كانت تحتفل بها الكنيسة في الشرق والغرب معًا لأكثر من ألف سنة، اصطدمت بتغيّر جوهريّ لهذا العيد، حين تبنّى اللاهوت الكاثوليكيّ سلسلة عقائد منحرفة عن الإيمان الواحد الّذي عاشته الكنيسة الواحدة دائمًا، قادتها أخيرًا إلى قبول عقيدة عدم موت مريم، بل "انتقال العذراء جسديًّا إلى السماء" أو "صعود مريم". وذلك استنادًا إلى عقيدة منحرفة سبقتها وهي عقيدة الحبل بلا دنس، والتي بدورها استند تحديدها إلى عقيدة سبقتها وهي وراثة كلّ الجنس البشريّ خطيئةَ آدم الشخصيّة.

"العذراء نُقلت جسدًا ونفسًا إلى المجد السماويّ"، التي أعلنها البابا بيوس الثاني عشر عقيدة عام 1950 في الدستور الرسوليّ، كانت بدايتها الأولى انحراف اللاهوت البابويّ عن العقيدة الآبائيّة لنتائج السقوط. العذراء كانت تمثّل كلّ الجنس البشريّ، وهي تمثّل أيضاً أعلى قمّة في القداسة كان يمكن أن يصلها إنسان قبل المسيح. لكنّ هذه القداسة لم تكن فوق طبيعيّة؛ مريم وُلدت وهي تحمل نتائج الخطيئة الأصليّة لآدم، قداستها الشخصيّة جعلتها تستحقّ أن تمتلئ من النعمة الإلهيّة، ورغم هذا ظلّت تحتاج إلى الخلاص الذي أتمّه ابنها بدمه على الصليب. حتّى العذراء خلصت بدم ابنها.

نحن لا نرث خطيئة آدم الشخصيّة إنّما حالة الضعف والفساد التي نتجت عن خطيئة آدم. لكنّ اللاهوت الغربيّ، وبخاصّة بعد القرن التاسع وسيطرة العقلانيّة السكولاستيكيّة، أخذ يتبنّى الفكر الأوغسطينيّ الّذي حدّد أنّ كلّ من يولد في العالم يرث خطيئة آدم الشخصيّة. أي أنّ كلّ شخص يولد بالطبيعة خاطئًا. هذه العقيدة أجبرت اللاهوت الغربيّ على أن يتبنّى عقيدة أسوأ وهي: إذا كانت مريم ككائن بشريّ يرث خطيئة آدم، فهي لن تستطيع أن تحوي الإله في داخلها؛ فكان لا بدّ من عقيدة تنزّه مريم عن وراثة هذه الخطيئة الأصليّة، فأتى تحديد البابا بيوس التاسع سنة 1854 لعقيدة الحبل بلا دنس؛ أي إنّ مريم حين حُبل بها من والديها، عُصمت عن دنس الخطيئة الأصليّة.

النتيجة الطبيعيّة لعقيدة الحبل بلا دنس هي عدم موت مريم. إذا كان الموت دخل إلى العالم بسبب الخطيئة، فمريم وُلدت من دون هذه الخطيئة الأصليّة، إذًا لا ينبغي أن تموت كما يموت سائر البشر الخطأة.

الموت، بحسب اللاهوت الأوغسطينيّ الذي استند إليه الغرب في صوغ عقائده، ليس سوى عقاب على الخطيئة الأصليّة، أمّا في اللاهوت الأرثوذكسيّ فهو نتيجة لها؛ الموت هو عمل رحمة بالبشر لكي لا يصير الشرّ خالدًا.

في اللاهوت الأرثوذكسيّ، رقاد مريم مرتبط بخاصيّتها كوالدة الإله. العذراء رقدت فعلًا وفارقت روحها جسدها ولكن الربّ أصعد جسد أمّه البارّة لأنّه جسد أمّ الحياة. تتكلّم صلواتنا الليتورجيّة على صعود العذراء مريم إلى السماء بجسدها، لكن بعد رقادها. إنّها ليست عقيدة مُحدّدة في مجمع مقدّس، لكنّها جزء من تقليدنا، وإيمان لا يتزعزع بأنّ هذا الجسد الترابيّ الّذي سكن فيه الإله بجوهره، وأعطاه جسدًا من جسده ودمًا من دمه، لا يمكن أن ينحلّ ويعود إلى حالة الفساد التي نتجت عن الخطيئة الأصليّة.   

اختيار الله مريم لم يكن اختيارًا قانونيًّا، إنّما لأجل قوّة إيمانها. كلّ عطيّة ينالها الإنسان وكلّ جهاد روحيّ يُحقّقه في عمل الوصايا أساسه الإيمان. بالإيمان تُعطى لنا النقاوة والمحبّة والاختيار الإلهيّ. لهذا تشدّد كنيستنا على أرثوذكسيّة الإيمان فهي أمر أساسيّ لاستقامة مسيرتنا مع الله. قوّة الإيمان تولد من الطاعة؛ وطاعة الإيمان وإخضاع الفكر لكلّ تقليد الكنيسة هو الّذي يُعطي النفس سلامًا وثباتًا في هدفها.

لا يمكن لنفس لها أفكارها الخاصّة وتعمل مشيئتها الذاتيّة أن يكون لها إيمان حقيقيّ وهدف ثابت في حياتها. يقول الإنجيل إنّ مريم كانت "تَحفظ جميع هذه الأمور في قلبِها" (لو2: 51)؛ بالإيمان كانت مريم تحفظ في نقاوة قلبها كلّ ما تراه وتسمعه، بفعل طاعتها لكلّ الناموس والوصايا والنبوءات. بهذه الطاعة اكتمل إيمان مريم ونقاوة ذهنها، وأصبحت أفكارها تتجّه نحو هدف واحد، الهدف الّذي حدّده الله لوجودنا. ماتت مريم قبل أن تموت، ماتت عن كلّ مشيئة ذاتيّة وهذا أسمى موت في المسيحيّة. إنّه الموت الّذي يجعلنا مستحقّين اتّحاد مشيئتنا بمشيئة الله، وعبور الموت الجسديّ إلى القيامة الكاملة من بين الأموات.

بهذا الموت عن العالم والمشيئة أصبحت والدة الإله مثالًا للعالم. أصبحت أوّل مثال لرقاد القدّيسين. في رقادها حصدت ثمار جهادات طاعتها. بطاعة الإيمان في حياتهم الأرضيّة يتخطّى القدّيسون الخوف من الموت. يعبرون هذا العالم الزائل بفكر لا يهتزّ. الموت، أو خروج النفس من الجسد، لن يكون سهلًا على الّذين عاشوا هذه الحياة وهم يعملون مشيئتهم الخاصّة. أمّا الّذين صاروا واحدًا مع المسيح، بفعل طاعتهم واتّحاد مشيئتهم بمشيئته، لن يكون للموت سلطان عليهم بعد. إيمان ثابت بقوّة هذه النعمة، لا يُزعزعه الخوف الذّي يزرعه الشيطان فينا في تلك اللحظات، هو دائمًا أقوى من الموت الدخيل على طبيعتنا بسبب العصيان.