افرح في شبابك [1]
تتردّد أقوال هنا وهناك حول حقّ الشابّ في أن يفرح في شبابه، أن يتسلّى بمختلف أنواع التسليات وإن جاءت، أحيانًا، دون قيد أو شرط. فيؤكّد البعض بأنّ الشابّ لا ينبغي أن يكون سلبيًّا إزاء الفرح، فإن لم يفرح في شبابه فمتى سيفرح إذًا، هل عندما تمرّ السنون ويصبح على أبواب الشيخوخة؟ وشعارات أخرى نسمعها من رفاق المدرسة أو الجامعة، أو نقرأها في وسائل الإعلام، أو يقنعنا بها المحيطون بنا، أو ربّما من أنفسنا ذاتها حينما نناقشها في أفكارنا فنقبلها ونسعى وراء التسليات ولو كانت تستر وراءها تجربة أو فكرًا خاطئًا!
وبالحقيقة من يستطيع أن يعترض؟ فهل هناك إنسان يودّ أن يكون حزينًا متشائمًا ممتلئًا من الكآبة والسوداويّة؟! وهل يمكن لشابّ يتدفّق حيويّة ونشاطًا ألّا يجري وراء الفرح عبر التسليات والرحلات؟! الكلّ يتّفق بأنّ كلّ شخص، وبالأخصّ عنصر الشباب، يحبّ أن يفرح، وأن يكون الفرح من العناصر الأوليّة في حياته، ولمَ لا؟! ولكن يتساءل بعض الشباب، لاسيّما بعد خبرة الحياة وتجاربها، هل يوجد حقًّا فرح في هذه الحياة الصاخبّة، وإن كان وجوده حقيقيًّا، فأين يوجد هذا الفرح، الفرح الحقيقيّ وليس الزائف الذي ينقضي بعد لحظة.
تقول لنا الحقيقية التي نعيشها اليوم، والتي نلمسها في الكثيرين من شبابنا، وبخاصّة المراهقين منهم، بأنّ الفرح موجود في التسليات والسهر في المنديات الليليّة وتعاطي والمسكر والمخدّرات وتبوّء المراكز والسفر والحفلات الرائعة، أو في الثروة والجاه والمجد والرحلات والمغامرات وتحقيق الأحلام والتطلّعات.. ولهذا نلاحظ، كردّة فعل لهذا الفرح المزعوم، كيف تكتظّ مختلف أماكن اللهو بعنصر الشباب، ولهذا نجد، أيضًا، كيف تزداد نسبة من يتعاطون الكحول والمخدّرات كوسيلة للهرب من واقع مؤلم. فهل هذه الوسائل التي ذكرناها أعلاه أوصلتهم إلى الفرح المنشود؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا، إذًا، هم في تفتيش دائم عمّا يسعدهم؟ ولماذا يتهالكون على اكتشاف كلّ ما هو جديد على شبكات التواصل علّهم يجدون ما يسرّهم ويملأ فراغهم؟ لماذا لا يكتفون من التضجّر والتذمّر من الحياة نفسها؟ يأتينا الجواب لأنّهم لم يجدوا ما يروي غليلهم ولم يحظوا بما يسعدهم حقيقة، وبدل من أن يزول فراغهم، أو على الأقلّ ينقص، نراه يزداد ويزداد حتّى إلى درجة اليأس من الوجود.
توجّه، ذات يوم، شابّ إلى أحد الكهنة المعرِّفين وسأله وهو متجهّم الوجه: "طلبت الفرح تارة هنا وتارة هناك فلم أعثر عليه، فقل لي أين يقيم لأقصده؟ فأجابه الأب: "سؤالك جوهريّ ومنطقيّ جدًّا. وكم من الشباب يطرحونه وإن كان كلّ منهم بطريقته وأسلوبه الخاصّين: البعض علنًا والبعض الآخر مواربة (خجلًا من فشلهم)؛ آخرون يسألونه وهم ممتلئون بالحزن وخيبة الأمل، وغيرهم يعبّرون عنه بتصرّفاتهم الغريبة والشاذّة أحيانًا. ولكنّي أؤكّد لك بأنّ الفرح الحقيقيّ لا يوجد في كلّ الوسائل الدنيويّة.
ليس الفرح مادّة تشترى وتباع، ولا يمكنك أن تجده ولا بأيّة وسيلة مادّيّة، إذ ليس علاقة بالجسدانيّات ولا بمتعة الحواسّ. لا يقيم الفرح في دكّان التسليات مهما عظم شأنها ومهما اتّخذت أشكالًا جذّابة مغرية، ولا بتحقيق الشهوات التي لا تحصى. ليس الفرح هو موضوع غنى أو خسارة، ولا موضوع مجد اسمٍ أو خمول صيت، وهو ليس في النجاحات العالميّة أو الحصول على المناصب.. وباختصار، يبعد مفهوم الفرح عن كلّ ما هو مادّيّ فاسد باطل. فقد يفقد المرء المنصب الذي تاق إليه وأفرحه بين يوم وآخر، ويخسر الغنيّ المال الذي جمعه وأفرحه بين ليلة وضحاها. تنتهي التسليات بعد ساعات قليلة من قضائها، وتستمرّ المتعة طالما المباراة قائمة أو الغناء أو الرقص أو تسلّق الجبال أو.. أو.. ثمّ بعد قليل ينطفئ الكلّ، ليحلّ محلّه الحزن والفراغ القاتلين والبحث عن أمور جديدة علّها تفرّحنا.
سرّ الفرح هو هدوء الضمير وسكينته وراحته. عندما يعمل الإنسان الصلاح، عندما يتعب من أجل اكتساب الفضيلة وعيشها، عندها يستسحن الضمير عمله ويملأه فرحًا وهدوءًا، والعكس هو الصحيح أي عندما يستقبح الضمير عمل الخطيئة أو حتّى التفكير بها والاستسلام لها ويؤنّب فاعلها، فكيف لهذا الإنسان أن يشعر بالفرح والراحة؟ وكيف له أن يهرب من تقريع ضميره (هذا إن بقي حيًّا)، وهل تستطيع التسليات والحفلات الليليّة أن تسكتاه؟ لا أظنّ، وإلّا لماذا يجنح الشابّ نحو الكحول والمخدّرات أليس لينسى واقعه وتوبيخ ضميره؟
ووفقًا لما يقول الطبّ النفسيّ بأنّ الفرح هو جزء من النفس، هو أمر غير ملموس ولا مادّيّ، بل هو أعمق من الملموس ومن المادّة. وبما أنّه هكذا، فهو موجود، إذًا، في اللّامادّة، في الروحيّات، ويطلق عليه اسم الفرح الإلهيّ الذي لا يطرقه أيّ قلق ولا يشوبه التشويش. يقول المحلّلون النفسيّون: "الفرح هو تعبير عن هدوء النفس الذي لا علاقة له بالمتع الجسديّة. فلاسفة كثيرون وجدوا الفرح في رفضهم للمتع والمادّة، بينما سادت، في العشر سنوات الأخيرة، سيطرة الفراغ العاطفي في المجتمعات الاستهلاكيّة بشكل كبير نتيجة للتهالك على المتع والمادّة".
إلى أين يقودنا كلّ هذا؟ إلى ما يؤكّد عليه القدّيس بولس الرسول بأنّ: "الفرح هو ثمر الروح القدس" (غلاطية 5: 22). ويجاريه القدّيس كيرلّس الإسكندريّ بقوله: "فقط نعمة الروح القدس تمنحنا استمراريّة البهجة والانشراح". من هنا نفهم أنّ الفرح هو أمر روحيّ، وعليه فهو موجود، فقط، في عيش الأمور الروحيّة، ويأتي مكافأة لكلّ المجاهدين روحيًّا. يقول القدّيس غريغويوس النيصصيّ: "من غير الممكن أن تخدم الشهوات الجسديّة وأن تحظى، بالوقت نفسه، بالفرح الإلهيّ".
ويبقى الفرح الكامل هو الربّ يسوع نفسه، وهذا ما يشدّد عليه القدّيس كيرلّس الإسكندريّ بقوله: "كلّ فرحنا هو يسوع المسيح"، ويؤكّد القدّيس أثناسيوس الآثوسيّ من جهته قائلًا: "كلّ من يعيش قرب المسيح ويجاهد في تطبيق وصاياه سيعيش الفرح بكلّ تأكيد، وعندها أيّة حاجة سيطلبها من هذا العالم الباطل؟ لا أستطيع أن أضبط فرحي، فأنا أشعر بأنّي مملوء من المسيح". ويكتب القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "كلّ شيء مسموح لك وتستطيع أن تتمتّع به إلّا الخطيئة. لأنّ الخطيئة هي سارقة الفرح وزارعة القلق". ثمّ يضيف: "لا يمكن ألّا يعيش المؤمن الفرح باستمرار طالما المسيح داخله بحسب قول النبيّ ’أمّا نفسي فتفرح بالربّ‘" (مزمور 35: 9)، وكما يعبّر الرسول بولس: ’نحن دائمًا فرحون‘" (2كورنثوس 6: 10). إنّه الفرح الإلهيّ الذي يطفح به قلب المؤمن الحقيقيّ، والذي الذي لا يمكن لأحد، ولا لأيّ سبب أو ظرف أن ينزعه منه، وكيف له أن ينزعه والمسيح داخله؟! "لأنّه به يفرح قلبنا" (مزمور 33: 21).
وخلاصة القول، إذًا، يحقّ للشابّ أن يتمتّع بصباه، إنّما يجب أن يطلب الفرح الحقيقيّ بما أنّه صار يعرف الآن أين يوجد، كما عليه الابتعاد عن كلّ تسلية أو متعة تجرّه إلى الخطيئة وتصبح سارقة فرحه، وبالتالي تبعده عن المسيح. وكلمة أخيرة، لا يمكننا، نحن أبناء الكنيسة المؤمنين، أن نجمع بين الإيمان الحقيقي ومحبّتنا لله وبين التسليات العالمية المؤذية. من له أذنان للسمع، فليسمع.
[1] عن مجلّة الزنابق اليونانيّة (نشرة خاصّة بالشباب) لعام 2017 العدد 365.