كيف يصير الإنسان سيّدًا على أفكاره
للّاهوتيّ جان كلود لارشيه
** سؤال: كيف يمكننا المحافظة على أفكارنا سالمة من التشتّت أثناء الصلاة ونحن معرّضون لتلقّي سيل من المعلومات والأخبار بشكل لا مثيل له؟
++ الجواب: نحن من نعرّض ذواتنا لها بإرادتنا. إنّها مسؤوليّتنا التي تلعب دورًا مهمًّا في تقبّل ما نراه أو ما نسمعه من خلال التواصل الاجتماعيّ. لا أحد مجبَر على ملازمة شبكات التواصل بشكل يفوق الحدّ، ولسنا مرغَمين، أبدًا، على تلقّي أو إرسال رسائل على هواتفنا. الإنترنت جيّد ومفيد للقيام بأبحاث علميّة وتاريخيّة. علينا أن نحجّم ساعات استعماله ولا نترك ذواتنا تنساق وراء اتّباع فتح علاقات جديدة وكثيرة من دون موجب. وكذلك لسنا مجبَرين على مشاهدة التلفاز باستمرار ومن دون تمييز، بل نختار أو ننبذ ما نشاء من أفلام وروايات وأخبار وغيره كالمواضيع الوثائقيّة البنّاءة والمحطّات الثقافيّة المفيدة وغيرها.. ما هذه سوى إغراءات خارجيّة تأتي بشكل خاصّ من الإعلانات الرقميّة وعلينا اختيار الأولويّ منها.
لقد لاحظ القدّيس غريغوريوس النيصصيّ بأنّ غزارة الأفكار التي يجب على الإنسان أن ينظّمها تنبع بالدرجة الأولى من الداخل. لذا، نصح بضرورة السهر على حفظ قلوبنا ودواخلنا من كلّ فكر غريب يؤذينا ويبعدنا عن الله وعن الالتزام بحياة الكنيسة وعن القيم والمقاييس الروحيّة بكافّة نواحيها. التدفّق الجارف لأفكارنا يبرز من الداخل، وهكذا تحدث التخيّلات والتذكّر، فلا يعود الإنسان قادرًا عن التوقّف عن اجترار الأفكار.
يتوقّف جهادنا الروحيّ، بالدرجة الأولى، على تحاشي كلّ ما هو سيّئ من أفكار وتصرّفات لكي نحصل على مناخ لائق بالصلاة. نستبدل الأفكار السيّئة بالصلاة وهذا ما أسماه الآباء باليقظة التي تعني التحفّظ والسهر، وقد يطلق عليها "اليقظة الرصينة الواعية"، أو "رصانة اليقظة"، وهذا العمل مهمّ جدًّا يُكتسَب تدريجيًّا من خلال ضبط الذات، فلا نعود خاضعين لكلّ فكر يأتينا من الداخل أو الخارج، ولا نصير مستعبَدين له، بل نتسيّد على أفكارنا وحواسّنا كلّها. ويتجذّر هذا العمل بسهولة أكبر فينا في كلّ مرّة نرفض فيها ما يخلّ بحياتنا الروحيّة. وعندما نقف للصلاة، يمكننا أن نطرح كلّ فكر يشوّش صلاتنا، فتتحقّق النقاوة ويتطهّر داخلنا، ثمّ تتحسّن تصرّفاتنا الخارجيّة، أيضًا، لأنّ كلّ شيء يتعلّق بأفكارنا.
** سؤال: ما هي نظرتك كمؤمن علمانيّ تجاه الشركات الرهبانيّة اليوم؟
++ جواب: يصير المرء راهبًا لكي يعمل على خلاصه. ينشأ الدير في مكان بعيد عن العالم، ليكون بمنأى عن الضجيج، ما يجعل الرهبان يتكرّسون بالكلّيّة لحياة النسك والصلاة. يوجد خطر على الرهبان إن عمل الرئيس، الذي يقود الشركة، على إدخال العالم إلى الدير الذي سبق لهم وتركوه، وذلك بقبوله إقامة المخيّمات الروحيّة والحلقات التبشيريّة للشباب فيه. أو يترك الرئيس/ الراهب، الدير بحجّة الاشتراك بالمؤتمرات والاعترافات والوعظ وغيره بشكل مستمرّ فيصير ذلك قاعدة ونظامًا للدير. فخروج الرهبان من أديارهم، وبخاصّة الرئيس، يجب أن يكون محدودًا وللضرورة القصوى، ولا عادة يتبعها بشكل منظّم كما نجده في بعض الأديار. هذا النمط من العيش ينتهي بإضاعة الهدف الصحيح للرهبنة ويُفقدها هويّتها الأساسيّة. بينما عندما تُحافظ الأديار على نمط حياتها التقليديّ الجدّيّ في انعزالها عن العالم يكون لها وقع إيجابيّ على زائريها المؤمنين حيث يجدون نمط حياة يختلف تمامًا عن طريقة أهل العالم.
من المعروف أنّ الأديار لعبت دورًا بارزًا في حياة المؤمنين، الذين يتمنّون أن يُمارسوا حياة روحيّة جدّيّة وعميقة كالرهبان. يجذبهم في الدير ما لا يتوفّر لديهم في الرعايا، أي حياة التكريس الكامل لله، والجوّ الشركويّ المؤسّس على المحبّة المتبادلة بين الأخوة أو الأخوات، وقبول النصائح حول حياة النسك والفضيلة كالحرب ضدّ الأهواء واكتساب الفضيلة وممارسة صلاة يسوع وما إلى هنالك. فهذه، بالإجمال، لا يتلقّونها أو يتعلّمونها في الرعايا. كما يمكنهم أن يعترفوا، أيضًا، لدى آباء روحييّن مختبرين مستنيرين ذوي مواهب روحيّة يتحلّون بالتمييز، فيأخذون منهم الإرشادات الصحيحة والقادرة على أن تجعلهم يتقدّمون في حياتهم الروحيّة لا بل وتغيير حياتهم كلّها. أمّا المؤمنون الذين يأمّون الدير للإقامة فيه لبضعة أيّام، فيستفيدون من متابعة ترتيب الخدم الليتورجيّة اليوميّة، والعيش في أجواء الصمت والهدوء.
** سؤال: كيف نقيّم علاقتنا مع شخص على طريق الشفاء من مرض الإدمان، وهل هناك إرشادات بهذا الشأن في كتابات الآباء القدّيسين؟
++ جواب: إدمان الشخص يكون دائمًا هروبًا من واقع صعب لا يُحتمل، أو وسيلة ليجد إكتفاء أكبر ممّا يُقدّمه له الواقع. لذا، تصعب مساعدة مريض كهذا، فالأقرباء والأصدقاء للأسف، غالبًا، ما يجدون ذواتهم عاجزين عن مشاركته معاناته وملء الفراغ الذي يعيشه. وأمّا محبّة الأهل واهتمامهم به، فقد يساعدانه ليرضى بعالمه الواقعيّ والمحيط به، ولكن يبقى الشخص الذي يمكنه مساعدته بالأكثر هو الأب الروحيّ. ولا أقصد بالأب الروحيّ كاهن الرعيّة الذي نعترف لديه، من حين إلى آخر دون أيّة علاقة عميقة معه، إنّما الأب الحليم الرؤوف والمحبّ الذي يمارس الصلاة، ويُمكنه متابعة حالة ابنه الروحيّ بشكل مستمرّ، مزوّدًا إيّاه بالإرشادات اللّازمة والنافعة، لكي يتحرّر من إدمانه وتعلّقه بالهوى الذي يتسلّط عليه. غير أنّ الشفاء لا يحصل بمجهود الأب الروحيّ، فقط، إنّما يحدث بتدخل النعمة الإلهيّة، بالإضافة إلى إرادة وجهد الشخص الذي يُعاني من آفة تستعبده. من هنا، يتمّ الشفاء، فعليًّا، بالتعاون المتبادل بين الطرفين، فإن كان الأب الروحيّ راهبًا مختبِرًا يعيش حياة النسك والجهاد ضدّ الأهواء، تكون لديه الخبرة اللّازمة لمساعدة المريض على التخلّص من هواه الذي يُعذّبه كالإدمان على المخدرات أو أيّ شيء آخر.
فكلّنا، كبشر من طبيعة ساقطة، خاضعين لأهواء كثيرة، تكون، أحيانًا، متجذّرة فينا يصعب اقتلاعها بسهولة. الحياة النسكيّة ليست سوى جهاد مستمرّ ومنظّم للتحرّر من أهوائنا. لذا، كلمة حرّيّة تساوي كلمة "اللّاهوى"، ونجدها كثيرا في كتب الآباء، وتدلّ على حالة بلغها المجاهد المؤمن ساد فيها على أهوائه. تعرض لنا النصوص الآبائيّة النسكيّة الطريقة التي يجب اتّباعها لكي نتحرّر من كلّ تعلّق تشكّله الأهواء في النفس. لم يكن مرض الإدمان موجودًا في أيّام الآباء القدّيسين عندما كتبوا مؤلّفاتهم، بل، كانت هناك أهواء شبيهة اتّبعوا الطريقة عينها لانتزاعها كما أشرنا قبلًا، أي عبر السيادة على أفكارنا وميولنا المضرّة بحياتنا الروحيّة والنفسيّة والجسديّة. الأفكار هي المصدر الأساس لكلّ تصرّفاتنا وأعمالنا وحياتنا.
** ما هو الهوى الذي يصعب إدراكه عند الإنسان المعاصر ويبعده بالأكثر عن الله؟
++ الجواب: لكي نعطي جوابًا مألوفًا يتماشى مع كلّ العصور نقول بأنّ الكبرياء هي رأس كلّ الأهواء. فهي تعطينا الشعور بالاستقلاليّة والاكتفاء الذاتيّ، وتجعلنا ننسى ارتباطنا بالله كأشخاص خُلقنا على صورته ومثاله. نحن نعبّر عن علاقتنا بالله من خلال إيماننا وحياتنا الروحيّة. فالكبرياء هي محبّة أنانيّة للذات، والتي اعتبرها الآباء القدّيسون آفة لحالة الإنسان الساقط، وهي التي تقف حاجزًا منيعًا بيننا وبين الله، وتفصلنا، تاليًا، عن محبّتنا للقريب.
وبشكل أوسع، يمكننا القول بأنّ الإنسان الساقط لا يدرك، تمامًا، كلّ أهوائه، إذ يعتبرها ميولًا طبيعيّة تحدّد طباعه. هذا ما أسميته في كتابي "اللّاوعي الروحي"، أي اللّاوعي الذي يتوق إلى إبعادنا وتغرّبنا عن الله. وهناك في داخلنا لا وعي يربطنا بالله، وهذا ما يفسّر وجود حاجة في داخل الإنسان ترجعه إلى الله أي الحنين والتوق إليه. من هنا تأتي الحاجة إلى وجود ديانة روحانيّة تدفعنا إلى معرفة الخالق. لهذا، نجد، للأسف، أناسًا غالبًا ما يلجأون إلى ديانات وروحانيّات كاذبة. لذلك تطلب الكنيسة في صلواتها هداية الجميع إلى معرفة الحقّ أي المسيح واتّباعه "فليعرفوك أنت وحدك الإله الحقيقيّ" (يوحنّا 17: 3). فمهمّة الكنيسة البشاريّة هي بأن تعرّف الناس على الإله الحقيقيّ والطريقة الحقيقيّة لتقديم الشكر بإيمان مستقيم. من هنا أتت كلمة أرثوذكسيّ أي الإيمان الصحيح المستقيم.
فعلينا أن نجاهد من خلال الحياة النسكيّة ونقلّص ناحية اللّاوعي الروحيّ الموجود فينا ونكشف ماعندنا من أهواء تبرز في تصرّفاتنا وأحوالنا ومواقفنا وأفكارنا ونكشفها بالاعتراف والتوبة. حينها، نكتسب الفكر الذي يُتحدنا بالله ويظهر صورته فينا. هذا ما أسماه الآباء معرفة الذات. وبعد أن ندرك خطايانا ونكتسب الفضائل يتشكّل فينا المثال لله. من هنا يبرز دور الحياة الروحيّة عند تشبّهنا بحياة المسيح، وهي تتغذّى بالأسرار المقدّسة وتتحقّق في الكنيسة.