الأحد 11 كانون الثاني 2026

الأحد 11 كانون الثاني 2026

07 كانون الثاني 2026
الأحد 11 كانون الثاني 2026
العدد 2
الأحد بعد الظهور
اللحن السادس، الإيوثينا التاسعة
أعياد الأسبوع:


11: البارّ ثاودسيوس رئيس الأديرة، البارّ فيتاليوس، 12: الشَّهيدتان تتياني وآفستاسيَّا، فيلوثاوس الإنطاكيّ، 13: الشَّهيدان أرميلس واستراتونيكس، مكسيموس (كفْسوكاليفيا)، 14: وداع عيد الظهور، الآباء المقتولون في سيناء وريثو، 15: البارَّان بولس الثيبيّ ويوحنَّا الكوخيّ، 16: السجود لسلسلة بطرس المكرَّمة، الشَّهيد دمسكينوس، 17: القدَّيس أنطونيوس الكبير معلّم البرّيّة، الشَّهيد جاورجيوس الجديد (إيوانينا)*.

العيد الحقيقيّ

تأمّل في تعليم القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم حول الاحتفال والتهنئة
في كلّ عام، ومع اقتراب المناسبات، تنهمر علينا سيولٌ من التهاني حتّى صارت التهنئة طقسًا آليًّا يُؤدَّى من دون تفكير. فما معنى العيد حقًّا؟ وكيف ينبغي للمسيحيّ أن يحتفل؟

يُجيبنا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم بمبدإٍ يقلب المفاهيم السائدة: العيد الحقيقيّ ليس تاريخًا في الروزنامة، بل حالةٌ في القلب. يقول: 
«ينبغي للمسيحيّ ألّا يُقيمَ أعيادًا بحسب الأشهر، بل أن يُقيم طوال حياته عيدًا يليق به. فإن كان لك ضميرٌ نقيّ، فأنت تُقيم عيدًا دائمًا». فالأيّام ليست صالحةً أو شرّيرة بطبيعتها، بل نحن من نصنع بركتها بأفعالنا.

وينتقد القدّيس المظاهر الفارغة من المضمون الروحيّ قائلًا:
«أن تُوقد الأنوار في الساحات وتضفر الأكاليل — هذا من حماقة الأطفال. لكنّك بلغتَ سنّ الرشد وسُجّلتَ في مواطنيّة السماوات.» ويُقدّم البديل: 
«لا تُوقِدْ نارًا حسّيّة، بل أَوقِدْ نورًا روحيًّا في ذهنك. لا تُكلّل باب البيت، بل أَظهِرْ سيرةً تنال بها إكليل البرّ من يد المسيح.»
أمّا نهاية العام، فليست مناسبةً للسَّهر على الشراب، بل للسَّهر على محاسبة النفس: «حين ترى السنة تنتهي، اشكُرِ الربّ، وانخُسْ قلبك، واحسُب زمن حياتك.» 
والاحتفال الحقيقيّ لا ينفصل عن المسؤوليّة تجاه الفقراء، فالغنيّ في مَثَل لعازر كان يتنعّم كلّ يوم بينما المسكين يتضوّر جوعًا على بابه.

من هنا، تصير التهنئة المسيحيّة الأصيلة صلاةً من أجل الآخر لا مجاملةً فارغة، وتصير شخصيّةً لا جماعيّة، وتُفعَل لا تُقال فحسب — بزيارة مريض أو مساعدة محتاج.

فليُعطِنا الربّ نعمة أن نحيا كلّ يومٍ عيدًا بنقاوة الضمير، وأن تكون تهانينا صلواتٍ حقيقيّةً، وأن نذكر في أعيادنا مَن لا عيد لهم. «إذا أكلتُم أو شربتُم أو فعلتُم شيئًا، فافعلوا كلّ شيءٍ لمجد الله» (١ كو ١٠: ٣١) 

طروباريّة القيامة باللحن السادس

إنَّ القوّاتِ الملائكيّةَ ظهروا على قبرك الموَقَّر، والحرّاس صاروا كالأموات، ومريمَ وقفت عندَ القبر طالبةً جسدَك الطاهر، فسَبيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّب منها، وصادفتَ البتول مانحًا الحياة، فيا من قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.

طروباريّة القدّيس ثاودوسيوس باللحن الثامن

للبرّيّة غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضِعفٍ. فصرتَ كوكبًا للمسكونة متلألئًا بالعجائب، يا أبانا البارّ ثاودوسيوس، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.

طروباريّة الظهور باللحن الأوّل

باعتمادك يا ربّ في نهرِ الأردنّ ظهرت السجدةُ للثالوث، لأنّ صوتَ الآب تقدّمَ لكَ بالشّهادة، مسميًّا إيّاكَ ابنًا محبوبًا. والروح بهيئة حمامة يؤيّدُ حقيقةَ الكلمة. فيا مَن ظهرتَ وأنرتَ العالم، أيّها المسيح الإله المجد لك.

قنداق الظهور باللحن الرابع

اليومَ ظهرتَ للمسكونة يا ربّ، ونورُكَ قد ارتسمَ علينا نحن الذين نسبِّحُكَ بمعرفةٍ قائلين: لقد أتيت وظهرتَ أيُّها النورُ الذي لا يُدنى منه.

الرسالة: عب 13: 7-16
كريمٌ بين يَدي الربِّ موتُ أبرارِه
بماذا نكافئُ الربَّ عن كلِّ ما أعطانا


يا إخوةُ، اذكُروا مدبِريكم الذينَ كلَّموكم بكلمةِ الله. تأمَّلوا في عاقِبَةِ تصرُّفهم واقتَدوا بإيمانهم. إنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ هُوَ أمس واليومَ وإلى مدى الدهر. لا تنقادوا لِتَعاليمَ متنوعَةٍ غَريبة. فَإنَّهُ يَحسُنُ أن يُثَّبتَ القلبُ بِالنعمة لا بالأطعمة التي لم ينتَفعِ الذينَ تَعاطوها. إنَّ لنا مَذبحًا لا سُلطانَ للذينَ يَخدُمونُ المَسكِنَ أن يأكُلوا منهُ. لأنَّ الحيواناتِ التي يُدخَلُ بدمِها عن الخطيئةِ إلى الأقداسِ بيدِ رئيس الكهنةِ تُحرَقُ أجسامُها خارجَ المحلَّة. فلذلك يسوعُ أيضًا تألّم خارِجَ الباب ليقدّسَ الشعبَ بِدَمِ نفسه. فلنخرُج إذنْ إليه إلى خارج المحلَّةِ حاملينَ عارهُ. لأنَّهُ ليسَ لنا ههنا مدينةٌ باقيةٌ بل نَطلُبُ الآتية. فلنقرِّبْ بهِ إذَنْ ذبيحةَ التسبيحِ كلَّ حينٍ، وهي ثمرُ شِفاهٍ معترفَةٍ لاسمه. لا تنسوا الإحسانَ والمؤاساةَ، فإنَّ اللهَ يرتضي مثلَ هذه الذبائح.

الإنجيل: متّى 4: 12-17

في ذلك الزمان، لما سمع يسوع أن يوحنّا قد أسلم، انصرف إلى الجليل، وترك الناصرة، وجاء فسكن في كفرناحوم التي على شاطئ البحر في تخوم زبولون ونفتاليم، ليتمّ ما قيل بإشعياء النبيّ القائل: أرض زبولّون وأرض نفتاليم، طريق البحر عبر الأردنّ جليل الأمم. الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. ومنذئذ ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.

في الإنجيل

كرازة المسيح وكنيسته كلّها يمكن اختصارها بكلمة واحدة: التوبة. فكما سمعنا في إنجيل اليوم، بدأ المسيح كرازته بالتوبة وختمها أيضًا بالتوبة. وبعد قيامته من بين الأموات، أوصى الرسل أن يكرزوا بالتوبة باسمه لجميع الأمم. 

لقد ابتدأ يسوع كرازته في كفرناحوم الجليل قائلًا:
"توبوا، لأنّه قد اقترب ملكوت السماوات" (متّى 4: 17).

في البدء، كان هذا النداء موجّهًا إلى الذين لم يعرفوا الإله الحقّ، فسجدوا للخليقة بدل الخالق، وعبدوا الأوثان والكواكب والنار والأرواح الشرّيرة. 
أمّا اليوم، فإنّ الصوت نفسه لا يزال يُسمَع في الكنيسة، موجَّهًا إلينا نحن المعمَّدين، لأنّ التوبة ليست مرحلة نعبرها ثمّ نتركها، بل هي نَفَس الحياة في المسيح. 

فكما يقول الرسول: «نَعْثُرُ جَمِيعُنَا في كَثِيرٍ» (يعقوب 3: 2)، و«إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا» (1 يوحنّا 1: 8)
وحتّى الرسول العظيم بولس، رسول المسيح، يصل إلى حدّ القول إنّه أوّل الخطأة الذين جاء المسيح ليخلّصهم (1 تيموثاوس 1: 15). 
يا إخوتي، إذا كان الرسول بولس قد كان له هذا الرأي في نفسه، على الرغم من أنّه اختُطِف إلى السماء الثالثة وهو بعد حيّ على الأرض، فكم بالحريّ يجب أن نشعر نحن بخطايانا وضعفنا!

الخطايا أنواع كثيرة، ولكن علينا أن نعلم أنّ جميع الخطايا، مهما عظمت، يغفرها الله. وهناك خطيئة واحدة فقط لا تُغفَر، وهي عدم التوبة. 
وقد سمّى المسيح هذه الخطيئة «التجديف على الروح القدس» (متّى 12: 31)، لأنّ عدم التوبة يمنع نعمة الروح القدس من أن تعمل في الإنسان. فلنحرص إذًا ألّا نسقط في هذه الخطيئة.
إنّ عدم التوبة هو موت وخسارة. 

فالذي لا يتوب لا يفهم خطأه ولا خطيئته، ولذلك لا يطلب نعمة الله ولا يُغفَر له. 
لأنّ الله يغفر للذين يشعرون بخطاياهم ويطلبون النعمة الإلهية. أي لأولئك الذين يتوبون.

فما هي التوبة؟

التوبة هي أن يندم الإنسان ويحزن على كلّ ما فعله ضدّ مشيئة الله، بالفعل والقول والفكر، وأن يطلب غفران زلّاته، ويجاهد بكلّ قوّته ألّا يعود إليها. وهكذا، بنعمة الله وبالجهاد الروحيّ، يصير الإنسان جديدًا، ويتجدّد روحيًّا، ويبلغ الخلاص.
إنّ عدم التوبة يكشف إنسانًا متهوّرًا، أمّا التوبة فهي صفة الإنسان الحكيم العاقل، الذي يعرف أين تكمن مصلحته الأبديّة.

أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء،
إنّ يسوع المسيح نزل إلى الأرض ليجعلنا أناسًا جدُدًا، محرَّرين من أهواء الشيطان وقيوده، ومعتَقين من «الخطيئة الشقيّة»، لكي نصير «رائحة المسيح الذكيّة» (2 كورنثوس 2: 15). ولهذا يدعونا إلى التوبة.

فلنتُب إذًا، لكي نقترب منه أكثر فأكثر، فنصير متجدّدين روحيًّا، ونلبس «الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ الحقيقيّ والقداسة» (أفسس 4: 23–24)

دور الجدّة في العائلة

نذكر في الكنيسة جدَّي المسيح الإله يواكيم وحنّة. 

كما ويشير بولس الرسول بامتنان المحبّة الصادقة إلى لوئيس، جدّة تيموثاوس، وأمّه أفنيكي (انظر 2 تيموثاوس 1: 3–5)، وبفضلهما عرف تيموثاوس "الكتب المقدّسة منذ الطفولة" (2 تيموثاوس 3: 15). في سير القدّيسين، نقرأ في حياة القدّيس باسيليوس الكبير أنّ جدّته كانت الشخصيّة الأكثر تأثيرًا عليه وعلى جميع أفراد العائلة. فمنذ الطفولة المبكرة، تعلّق بها حفيدان يتمتّعان بذكاء استثنائيّ، مكرينا وباسيليوس. 

كانت تلك المرأة المسنّة تجسيدًا حقيقيًّا لجمال الحياة الروحيّة. 

وقد رأى الأطفال هذا الجمال في جبينها الصافي، على الرغم من أنّ الزمن وحياة الشقاء قد تركا عليهما خطوطهما. نفخت مكرينا روح الحياة في أحفادها، ونقلت إليهم الخبرة التي استمدّتها من زوجها القدّيس غريغوريوس أسقف قيصريّة الجديدة، صانع العجائب. 

إنّ تعليم مكرينا المسنّة وتربيتها أحفادها، وإرشاداتها حول كيفيّة تجنّب مزالق العصر، والجهاد من أجل الإيمان، والمسالك الخفيّة والوعرة للفضيلة التي سلكتها حمت باسيليوس وأخته من العواصف الروحيّة التي اشتدّت في القرن الرابع. فإنّ تعليم الجدّة ظلّ ثابتًا، يعمل كبوصلة، وكدليل إلى الحقّ، وكوسيلة لبلوغ الاتزان.

وفي القرن الماضي، كان لدور الجدّات في روسيّا إبّان الحقبة الشيوعية، دور محوريّ وحاسم في نقل الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، إلى حدّ أنّه يُنظر إليهنّ في كثير من الدراسات بوصفهنّ حافظات الإيمان في زمن الاضطهاد حين كان الآباء والأمّهات خاضعين لضغط الدولة في أماكن العمل والمدارس. 

وكان الأطفال يتلقّون تربية إلحاد صارمة في المدارس والمنظّمات الشبابيّة. أمّا الجدّات فقمن بنقل الإيمان الأرثوذكسيّ بخفية وحكمة بطرق بسيطة، منها: تعليم الأطفال الصلاة اليوميّة سرًّا، وتلقينهم علامة الصليب وأساسيّات الإيمان، وسرد قصص القدّيسين والشهداء بدل القصص الأيديولوجيّة الملحدة، والاحتفاظ بالأيقونات والشموع والكتب الليتورجيّة مخفيّة في البيوت، واصطحاب الأحفاد إلى الكنيسة في القرى أو في ساعات غير لافتة. هكذا تظهر البابوشكا (Babushka) أي الجدّة في اللغة الروسيّة، رمزًا للإيمان الصامت المقاوم في الأدب الروسيّ.

يذكر القدّيس بايسيوس الآثوسيّ: "وجود جدّة في العائلة نعمة عظيمة!" إنّ دور الجدّة داخل العائلة يسهم في تحديد تكوين شخصيّة الحفيد وفي بروز القداسة. 
فوجهها الهادئ يلفت نظر الطفل ويفتح له نافذة سلاميّة نحو العالم ويُعرّفه بحقيقة أنّ الحياة أوسع من مجرّد الابتسامات، ومتعة اللعب. فالجدّة مصدر حيّ لكيفيّة مواجهة تجارب الحياة. 

نصائحها بسيطة وعميقة لأنّها تنبع من خبرات سحيقة. يبدو أنّ هذا الدور أصبح منسيًّا أو مغيّبًا بسبب تغيير ظروف حياة العائلة. 
وهذا تسبّب بتنقص كبير في تربية أولادنا. فمع صعود ما يُسمّى بالأسرة النوويّة، واستقلال الأزواج الشباب عن بيت العائلة، كاد دور «العائلة الممتدّة» في تنشئة الأطفال أن يختفي تمامًا. 

كما تراجع دور الجدّ والجدّة، وكذلك دور الأعمام والعمّات والأخوال والخالات والعرّابين، فيما يتعلّق بالتربية المسيحيّة للناشئة. 
الجدّة ليست مجرّد أكبر أفراد العائلة سنًّا، بل هي سند روحيّ حقيقيّ، ورابطة بين الأجيال، وحامية للإيمان، ومعلّمة للصلاة. 
لعلّ الوقت قد حان لإعادة تعريف هذه الأدوار. فبدلًا من الخلويّ والإنترنت، اللذين أصبحا "معلّمين خصوصيّين"، 
أليس من الأجدر أن نجدّد عمل الجدّة ومكانتها الخاصّة ودورها المقدّس في العائلة المسيحيّة؟