الأحد 3 أيار 2026

الأحد 3 أيار 2026

30 نيسان 2026

الأحد 3 أيار 2026
العدد 18
أحد المخلّع
اللحن الثالث، الإيوثينا الخامسة


أعياد الأسبوع:

3: الشَّهيدان تيموثازوس ومفرة، 4: الشَّهيدة بيلاجيا، البارّ إيلاريوس العجائبيّ، 5: الشَّهيدة إيريني، الشَّهيد أفرام الجديد، 6: إنتصاف الخمسين، الصدِّيق أيّوب الكثير الجهاد، 7: علامة الصليب التي ظهرت في أورشليم، 8: يوحنَّا اللاهوتيّ الإنجيليّ، أرسانيوس الكبير، 9: النبيّ أشعياء، الشَّهيد خريستوفورس.

العناية الإلهية وسرّ التوبة

شهادةٌ من جبل آثوس

في عام ۱۹۷٤م، غادر الشيخ بارثينيوس، رئيس دير القدّيس بولس في جبل آثوس، عزلتَه الرهبانيّة مدفوعًا برؤى متكرّرة وشوقٍ لا يُفسَّر إلى زيارة أهله في كفالونيا، بعد أن قضى عشرين عامًا وفيًّا لعهد الغربة الرهبانيّة. 

ما لم يكن يعرفه أنّ هذه الرؤى لم تكن إلهامًا شخصيًّا، بل كانت استجابةً إلهيّةً لدموع رجلٍ مسنٍّ يبكي في كنيسة قرويّة منذ ثلاث سنوات.

أثناسيوس «غير المناوَل»

في كفالونيا، اقترب من الشيخ رجلٌ يبلغ الثانية والسبعين، يتّكئ على عكّازَين، عرفه الجميع بـ«أثناسيوس غير المناوَل»؛ إذ لم يتقدّم قطّ لسرَّي الاعتراف والمناولة طوال حياته. لكنّه جاء الآن يطلب شيئًا واحدًا: أن يعترف.

الجراحة الروحيّة

حين وقفا أمام أيقونة المسيح، «رُبط» لسانُ أثناسيوس ولم يستطع النطق. لم يتركه الشيخ لعجزه، بل أمسك بيده بصبرٍ جليل، يسأله ويستخرج الاعتراف خطوةً خطوة، حتّى أفرغ الرجلُ حِملَ سبعين عامًا من الخطايا. 
هذا هو التدبير الرعويّ الأثوسيّ في أبهى صوره: سرّ التوبة ليس محكمةً بل جراحةٌ روحيّة، والكاهن طبيبٌ صبور يرفع الثقال ولا يسحق المتعبين.

النور غير المخلوق

في الأحد التالي، تناوَل أثناسيوس جسدَ الربّ ودمَه للمرّة الأولى.
وصف الشيخ بارثينيوس كيف استنار وجهه واشتعل بضياءٍ عجيب حتّى غدا كوجه طفلٍ صغير؛ شاهدٌ حيٌّ على أنّ المناولة الواحدة أزالت أثرَ اثنين وسبعين عامًا من البُعد، وجدّدت كيانَ الإنسان من جذوره.

الصلاة في كلّ مكان

قبل أن يودّعه، منح الشيخُ أثناسيوسَ مسبحةً أرثوذكسيّة، وطلب منه أن يجلس على شرفة منزله مرتاحًا، يحتسي قهوته الصباحيّة كالعادة، ويردّد بحبّات المسبحة: «أيّها الربُّ يسوعُ المسيحُ ابنُ الله ارحمني». 
بهذا الفعل ألغى الشيخُ المسافةَ الوهميّة بين الكهف النسكيّ والشرفة القرويّة، مؤكّدًا أنّ الصلاة القلبيّة لا تتقيّد بمكانٍ بل بتوجّه القلب وصدق النية.

الحقيقة الكبرى

حين أفضى أثناسيوس بسرّه، اتّضحت الصورة الكاملة: كان يأتي إلى تلك الكنيسة كلّ يوم، ثلاث سنواتٍ متواصلة، يبكي ويتوسّل إلى والدة الإله أن تُحضِر الشيخ بارثينيوس تحديدًا من جبل آثوس. 

صلاةٌ لجوجة صادقة استطاعت أن «تسحب» رئيسَ ديرٍ من قمّة الجبل المقدّس إلى قريةٍ صغيرة، لأنّ العناية الإلهيّة لا تتوقّف عن البحث عن الخروف الضالّ، حتّى وإن تطلّب ذلك استدعاءَ رئيس دير من قمّة الجبل المقدّس.
تبقى هذه الشهادة دعوةً مفتوحة لكلّ نفسٍ شعرت بأنّها ابتعدت طويلًا: أبواب الكنيسة لا تُوصَد، والعناية الإلهيّة لا تكلّ.


طروباريَّة القيامة باللَّحن الثَّالِث

لتفرح السَّماويَّات، ولتبتهج الأرضيَّات، لأنَّ الرَّبَّ صنع عِزًّا بساعده، ووطئ الموت بالموت، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقذنا من جوف الجحيم، ومنح العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.

قنداق الفصح باللَّحن الثَّامِن

وَلَئِنْ كنتَ نزلتَ إلى قبرٍ يا من لا يموت، إلا أنّكَ درستَ قوّة الجحيم، وقمتَ غالبًا أيّها المسيحُ الإله. وللنِّسْوَةِ الحاملاتِ الطِّيبِ قُلتَ: افْرَحْنَ، ولِرسِلكَ وَهبتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعينَ القِيام.

الرِّسالة: أع 9: 32-42
رتِّلُوا لإِلهِنا رتِّلُوا
يا جميعَ الأُممِ صَفِّقُوا بالأيادِي


في تلكَ الأيَّامِ، فيما كانَ بُطرسُ يَطوفُ في جَميع الأماكِنِ، نَزَل أيضًا إلى القدِّيسينَ السَّاكِنينَ في لُدَّة، فوَجَدَ هناكَ إنسانًا اسمهُ أَيْنِيَاسَ مُضَطجِعًا على سريرٍ مِنذُ ثماني سِنينَ وهُوَ مُخلَّع. فقالَ لهُ بطرُسُ: يا أينِياسَ يشفِيكَ يسوعُ المسيحُ. قُمْ وافتَرِشْ لنفسِك. فقام لِلوقت. ورآه جميعُ السَّاكِنين في لُدَّة وسارُونَ فَرَجَعوا إلى الرَّبّ. وكانت في يافا تِلميذَةٌ اسمُها طابيِتَا الَّذي تفسيرُهُ ظَبْيَة. وكانت هذه مُمتَلِئةً أعمالًا صالحةً وصَدقاتٍ كانت تعمَلُها. فحدَثَ في تِلكَ الأيامِ أنَّها مَرِضَتْ وماتَتْ. فَغَسَلُوها ووضَعُوها في العُلِّيَّة. وإذ كانت لُدَّةُ بقُربِ يافا، وسَمعَ التَّلاميذُ أنَّ بطرُس فيها، أَرسَلُوا إليهِ رَجُلَيْن يسألانِهِ أنْ لا يُبطِئَ عن القُدُوم إليهم. فقام بطرُسُ وأتى مَعَهُمَا. فَلمَّا وَصَلَ صَعدوا بهِ إلى العُلِّيَّة. ووقَفَ لديِه جميعُ الأرامِلِ يَبْكِينَ ويُرِينَهُ أَقْمِطَةً وثِيابًا كانت تَصنَعُها ظَبيَةُ معَهَنَّ. فأخرَجَ بُطرُسُ الجميعَ خارِجًا، وجَثَا على رُكبَتَيْهِ وصَلَّى. ثمَّ التَفَتَ إلى الجَسَدِ وقالَ: يا طابيتا قُومي. فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا. ولـمَّا أَبْصَرَتْ بُطرُسَ جَلَسَتْ، فناوَلَهَا يَدَهُ وأنهضَها. ثمّ دعا القدِّيسيِنَ والأرامِلَ وأقامَها لَديهمِ حيَّةً. فشاعَ هذا الخبرُ في يافا كلِّها. فآمَنَ كَثيرون بالرَّبّ.

الإنجيل: يو 5: 1-15

في ذلك الزَّمان، صَعِدَ يسوعُ إلى أورشليم. وإنَّ في أورشليم عند باب الغَنَمِ بِرْكَةً تُسَمَّى بالعبرانيّة بيتَ حِسْدَا لها خمسةُ أَرْوِقَة، كان مُضطجعًا فيها جمهورٌ كثيرٌ من المرضى من عُمْيانٍ وعُرْجٍ ويابِسي الأعضاء ينتظرون تحريكَ الماء، لأنَّ ملاكًا كان يَنْـزِلُ أَوَّلًا في البِرْكَة ويحرِّكُ الماء، والَّذي كان ينـزِلُ أوَّلًا من بعد تحريك الماء كان يَبْرَأُ من أَيِّ مرضٍ اعتَراه. وكان هناك إنسانٌ به مرض منذ ثمانٍ وثلاثين سنة. هذا إذ رآه يسوع ملقًى وعلم أنَّ له زمانًا كثيرًا قال له: أتريد أن تبرأ؟ فأجابه المريض: يا سيِّدُ ليس لي إنسانٌ متى حُرِّك الماء يُلقيني في البركة، بل بينما أكون آتِيًا ينـزل قَبْلي آخَر. فقال له يسوع: قُمْ احْمِلْ سريرَك وامْشِ. فللوقت بَرِئَ الرَجُلُ وحمل سريرَه ومشى. وكان في ذلك اليوم سبتٌ. فقال اليهودُ للَّذي شُفِيَ: إنَّه سبتٌ، فلا يحلُّ لكَ أن تحمل السَّرير. فأجابهم: إنّ الَّذي أَبْرَأَني هو قال لي: احْمِلْ سريرَك وامشِ. فسـألوه: من هو الإنسان الَّذي قال لكَ احملْ سريرَك وامشِ؟ أمّا الَّذي شُفِيَ فلم يكن يعلم مَن هو، لأنَّ يسوعَ اعتزل إذ كان في الموضع جمعٌ. وبعد ذلك وَجَدَهُ يسوع في الهيكل فقال له: ها قد عُوفِيتَ فلا تَعُدْ تُخْطِئ لِئَلَّا يُصيبَكَ شرٌّ أعظم. فذهب ذلك الإنسانُ وأخبرَ اليهودَ أنَّ يسوع هو الَّذي أَبْرَأَهُ.

في الإنجيل

نصل بنعمة الله الى أحد المخلّع، في هذه الفترة الفصحيّة المباركة، والإنجيل الشريف يحدّثنا عن شفاء مخلّع بركة "بيت حسدا" والتي تعني بيت الرحمة. 
هذه البركة التي كان الناس المرضى يأتون إليها طالبين الرحمة والشفاء لأنّ ملاك الربّ كان ينزل فيها ويشفيهم. يأتي الربّ يسوع، طبيب النفوس والأجساد، إلى هذه البركة حاملًا معه ماء الحياة الأبديّة، الماء الشافي الذي يعطي نتيجة فوريّة ونهائيّة.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الشفاء الذي كان يحصل عليه المرضى هو فعليًّا من قِبل الله الذي كان يرسل ملاكه لينفّذ كلمته. أمّا هنا فنرى الربّ يسوع يأمر بالشفاء مباشرةً دون وساطة ملاك، وهذا يؤكّد ويظهر أنّ الله العامل من خلال الماء قد حضر ليعمل بكلمته مباشرة. 

ولكن، بعد هذا الشفاء الجسديّ الذي قام به الربّ يسوع مع هذا الإنسان المريض منذ ثمان وثلاثين سنة، أراد أن يظهر له، ومن خلاله لنا جميعًا، أنّه بعد الشفاء هو الآن في مواجهة مرحلة جديدة: "ها قد عوفيت فلا تعد تخطىء".

دور المخلّع الآن، بعد أن أتمّ له الله ما يعجز هو وغيره عن إتمامه أي الشفاء الجسديّ، هو أن يسلك حياة الاستقامة والبرّ والتوبة. 
وهذا قرارٌ داخليّ يتحقق له إذا وضع رجاءه دائمًا على الله، فلا يصيبه الإحباط ولا الخوف ولا يُصاب بأشرّ فيفقد الحياة الأبديّة.

ألا أعطانا الربّ القائم من الموت بذات سلطانه، صحّة النفس قبل الجسد كما نطلب دائمًا في صلواتنا، فلا نصاب بالإحباط إذا مرض الجسد، بل يبقى عندنا الرجاء والإيمان المستقيم والقويّ بالربّ يسوع الذي يقيمنا دائمًا معه من كلّ موت يتربّص بنا، له المجد من الآن والى منتهى الدهر، آمين.

الحروب والشياطين

الحروب كلّها من الشياطين، كلّها من وحي الشياطين، والشياطين هي آلهة هذا العالم، عالم الوثنيّين؛ وهي التي تدفع البشر إلى محاربة بعضهم بعضًا، وتخلق لهم الأسباب المبرّرة لقتل بعضهم بعضًا. 

المسيح طلب من المسيحيّين أن لا يُقاوموا الشرّير، وإذا اضطُهدوا في مدينة أن يهربوا إلى أخرى. وهكذا رفضوا العنف والقتل والحروب، قبلوا الموت ولم يُقاوموا الشرّير وعمّاله. 

وهكذا انشغلت المسيحيّة من بدايتها بموضوع السلام لا الحروب، والعهد الجديد تكلّم عن "إنجيل السلام" (أف15:6). 

يقول كليمندوس الإسكندريّ: إنّ المسيحيّ هو "آلة سلام"، يُكرّم الله "بكلمة السلام فقط". لقد أدان المسيح كلّ أعمال العنف والقتل، خاصّة حين قال لبطرس "كلّ الَّذِينَ يأخذونَ السَّيف بالسَّيْفِ يهلِكونَ" (مت52:26).

لكنّ للعالم الّذي نعيش فيه لغة أخرى، لغة الحروب هي لغة الشياطين. من القرن الخامس يسأل المغبوط أوغسطينوس، "على مدى القرون، هل وُجد وقت لم يكن يُجلد فيه العالم بحرب في مكان أو آخر". 

إنّ استمرار القتل والحروب من زمن قايين إلى اليوم يُثبت أنّ الحروب لا تحلّ اللاعدالة المسيطرة في هذا العالم. الأحقاد وشهوة السيطرة وحبّ السلطة والحسد والمال، المسيطرة على روح العالم وفكره، كلّها أسباب رئيسيّة للحروب. وفي هذه الحروب لا بدّ من أن يتعذّب الأبرياء ويموتوا مع عمّال الشرّ، لهذا لا توجد حرب عادلة.

عمل الكنيسة الدائم أن تنقل الإنسان من حروب العهد القديم إلى بشارة العهد الجديد. ترتليانوس يتكلّم على كمال الناموس في العهد الجديد، الّذي حوّل حرب الانتقام بالسيف، والعين بالعين والسنّ بالسنّ إلى الرحمة، "وتحويل السيوف والحِراب المتعطّشة للدماء إلى خدمة السلام". 

يوستينوس الفيلسوف والشّهيد في مواجهة خصمه تريفن اليهوديّ، وملمّحًا إلى أنبياء العهد القديم، إشعياء (3:2-4)، وميخا (2:4-3)، يقول: نحن الّذين كنّا مملوئين بالحروب والقتل المتبادل، وكلّ نوع من أنواع الشرّ الأخرى، قد حوّلنا في كلّ مكان أدوات الحرب، محوّلين سيوفنا سككًا ورماحنا مناجل. 

نحن الآن حرّاثٌ للتقوى، للعدالة، للكرم، للإيمان والرجاء، الّذي يأتي من الآب عبر ذاك الّذي صُلب" (3:110). 

أوريجنّس يتكلّم في الإطار نفسه، طالبًا تحويل الحرب الجسديّة إلى حرب عقليّة ضدّ الكبرياء والعجرفة، "لأنّنا لا نأخذ السيف أيضًا ضدّ أيّة أمّة، ولا نتعلّم بعد فنّ الحرب"؛ لقد أصبحنا أبناء السلام عبر يسوع المسيح. 

بحسب أوريجنّس، السيوف التي تُحارب هي سيوف الكبرياء؛ وما يقوله المزمور: "في كلّ غداة كنت أقتل كلّ خطأة الأرض" (مز8:101)، ينبغي أن تُفهم أنّها تدمير لكلّ "الرغبات الجسديّة"، ولكلّ "الأفكار والرغبات التي تُناقض الحقيقة". (against Celsus, 7, 22). 

هكذا، وُجدت الكنيسة لتشفي الإنسان وتجعله جديدًا، وتُحرّره من ناموس أهوائه. 

يُقارن القدّيس أمبروسيوس بين الناموس والإنجيل، يقول: "الناموس يدعو إلى الانتقام المتبادل، الإنجيل يأمرنا بأن نقابل العداوة بالمحبّة، والكراهية بالصلاح، واللعنات بالصلوات. يُفرحنا أن نُقدّم معونة لأولئك الّذين يضطهدوننا...". 

هذه هي الروح التي نشرها مسيحنا في إنجيل عهده الجديد، ونجدها مجمَّعة في الموعظة على الجبل. لا نستطيع أن نحفظها من ذاتنا، لكنّ الّذي أعطاها يُعطينا القوّة لتطبيقها. 

ونحن نطلب منه بدون توقّف أن يحفظنا كلّ حين من سقطات التجارب؛ وليلًا نهارًا نتوسّل إليه في ليتورجيّاتنا من أجل سلام كلّ العالم، وأن يحفظ "جميع المدن والقرى من السخط والجوع والوباء والزلازل... والسيف، ومن غارات القبائل الغريبة والحروب الأهليّة والموت الفجائيّ". فالله هو الّذي يقمع الحروب ويُعطي السلام، لكن فقط للّذين يطلبون حقًّا هذا السلام.

الحروب المبرّرة هي فقط الحروب الدفاعيّة عن الوطن وشعبه وإرثه تجاه المعتدين. لهذا فآباء الكنيسة لم يرفضوا حكومات الدول وجيوشها ودورها في حفظ النظام والبلاد من التهديدات الخارجيّة؛ وبولس الرسول يطلب الصلاة من أجل الحكّام والرؤساء. 

وبهذه الصلوات ساند المسيحيّون أوطانهم وشعوبهم وحكّامهم. تجنّب المسيحيّين الخدمة العسكريّة، في القرون الثلاثة الأولى، سببه الأوّل رفضهم تقديم شعائر العبادة لإله آخر غير مسيحهم، حين حاول الوثنيّون فرض قياصرتهم آلهة للعبادة. بالنسبة إلى هؤلاء الشهداء لا مكان للمساومة على مبادئ الإيمان، ختم المعموديّة لا يتوافق مع الأختام العسكريّة. 

ثيوفيلوس الإنطاكيّ يقول: "سأكرّم الإمبراطور ليس بعبادته بل بالصلاة لأجله". فصلوات المسيحيّين، كما يقول أوريجنّس، هي أفضل من كلّ الحروب والقتال، لأنّها تغلب كلّ الشياطين التي تُثير الحروب وتشوّش سلام العالم. 

رأت الكنيسة في انتصار قسطنطين الكبير في حربه ضدّ أعدائه تدبيرًا إلهيًّا، تمّ بمعونة مباشرة من الله. 

فالسلام الّذي نتج من pax Augusti (سلام أوغسطس - قسطنطين)، رأى فيه الآباء جزءًا من مخطّط الله في إعلان الإله الواحد لكلّ الأمم، وتعميم نشر الإنجيل، وترسيخ حضور ملكوت الله على الأرض. 

أفسافيوس القيصريّ، في مدحه لقسطنطين ومقارنته له بموسى وأبطال العهد القديم، يعتبر أنّ وجود القيصر المسيحيّ قسطنطين هو من الله، وهو، كأداة لله في نشر عقيدة الإيمان والتقوى الحقيقيّة في العالم، قد نشر مبدأ الأخوّة الّذي يجمع البشر، وأنهى الأحقاد والعداوة بين الشعوب. 

لهذا يطلب أفسافيوس من الأساقفة "أن يُحاربوا مع قسطنطين بواسطة صلواتهم إلى الله". بالنسبة إليه، المساندة الروحيّة ضروريّة وهي تليق بالإكليروس، وذلك لاجتناب القتل وإهراق الدماء.

لا يوجد مكان للتوفيق بين القتل وإراقة الدماء ووصيّة المحبّة. مستحيل تحطيم شرّ بشرّ آخر، أن يُخرج شيطان شيطانًا آخر. فالصراع لا ينتهي بين الحقد والمغفرة، بين أعمال الانتقام والمحبّة. 

القلب الّذي يُحبّ المسيح يغفر على مثال مسيحه ويُصليّ من أجل أعدائه. 

يرمي ألمه وتجاربه وحقد أعدائه أمام صليب مسيحه، عالمًا أنّه لا يستطيع أن يتّحد بمسيحه ويتناول أسرار محبّته إلّا إذا تمثّل به وبوصايا إنجيله. "فَإنْ جاع عدُوُك فأطعِمْه، وإن عَطِش فاسْقِه، لأنّك إن فَعلت هذا تجمَع جمْر نَارٍ على رأسه" (رو20:12). 

حتّى في الحروب الدفاعيّة لا يمكن أن يوجد مكان للحقد أو الانتقام في نفس الجنديّ المسيحيّ؛ وهو في عمق حروبه ضدّ أعدائه يُصليّ لهم ولأجل سلام العالم؛ يصليّ ألّا تتلوّث يداه بدم محاربيه. 

لا يمكن لذلك الّذي يتناول جسد المسيح ودمه أن يُلوّث جسده ونفسه بدماء أحد حتّى أعدائه. قوانين هيبوليتوس (القرن الرابع-الخامس)، تُشدّد على تجنّب إراقة الدماء في الجنديّة. 

"إذا قتل أحدهم في الجنديّة، عليه أن يمتنع عن الأسرار الإلهيّة إلى أن يتطهّر عبر النوح والدموع، وعليه أن يُكمل هذا القانون من دون غشّ وبخوف الله". 
القدّيس باسيليوس الكبير يمنع من يَقتل في الحروب ثلاث سنوات عن الأسرار.
الحروب والقتل والتدمير تجعل الإنسانَ يفقد إنسانيّته الحقيقيّة، ليصير وحشًا في هيئة إنسان. 

اهتداء البشر إلى المسيح، الوحيد القادر أن يشفي النفس البشريّة ويُعطيها سلامًا حقيقيًّا؛ هذا السلام وحده يبتلع حروب هذا العالم ومآسيه ، ويقضي على فساد الإنسان، الّذي سيزداد شراسة وعنفاً كلّما تقدّمت الأيّام نحو النهاية. 

هذا هو السلام الّذي سعى المسيح لنشره، كان أوّلًا داخل النفس البشريّة، سلامًا يجعل صورة الله متألّقة في هذه النفس، بعد انتصارها على الخطيئة والشياطين والموت نفسه. كلّ أسباب الحروب موجودة داخل الإنسان، في خطايا البشر وأهوائهم. 

لهذا فحروبنا الحقيقيّة لم تعد أبدًا جسديّة؛ كلّ العهد الجديد يتكلّم عن الحروب الروحيّة، وعن المعارك ضدّ قوى الشرّ الموجودة داخل الإنسان وفي محيطه. إنّها معارك النفس ضدّ أهوائها وأعدائها الروحيّين. 

"إذا كان أمرًا عظيمًا للجنود في العالم أن يعودوا منتصرين إلى بيوتهم وأرض موطنهم، بعد هزيمة أعدائهم، فكم تكون مؤثّرة وممجّدة بالأكثر عودة الإنسان منتصرًا إلى الفردوس بعد انتصاره على الشياطين" (Fortunatus 13). 

النزول الى الجحيم

نزول المسيح الى الجحيم للقدّيس أبيفانيوس أسقُف قبرص.

مقاطع مختصرة

مات الإله بالجسد: اليوم خلاص العالم بأسره أبوابُ الجحيم تُفتح، يأتي الإله فيما بين الأموات: نزل المسيحُ إلى الأموات، فلننزلْ معه إلى الجحيم. ماذا أيضًا؟ بنزوله إلى الجحيم هل يخلّص الإله الجميعَ بدون استثناء؟ كلّا، لأنّه كما على الأرض فهناك أيضًا، يخلّص فقط الذين آمنوا به.

اليوم يُقيّد الشيطان بقيودٍ لا تنحل. ينتهي الفصحُ اليهوديّ ويبدأ الفصحُ المسيحيّ.
ولادة المسيح مزدوجةٌ: الأولى من العذراء والثانية في القيامة. يُلَفُّ بالأقمطة في الولادتين. وُلد المسيح من العذراء حافظًا أختام البتوليّة كما لم تُفتح أختامُ القبر عند القيامة...

تُرى من دفن المسيح؟! هو يوسف الراميّ، رجلٌ غنيّ جاء ليأخذ الربَّ الأغنى: قال لبيلاطس أعطني هذا الغريب! 
تُرى ما هو هدف نزوله إلى الجحيم؟ يطلب المجبولَ أوّلاً... ويريد أن يفتقدَ هؤلاء القابعين في الظلام وظلال الموت. يسير من دون شكّ ليحرّرَ آدم المقيّد وحواءَ معه، وهو الإله وابنهما في آنٍ.
يجري ليفكَّ قيودَ المقيّدين منذ الدهر. 

هناك نجد آدم المقيّد... وهابيل الراعي ونوح وإبراهيم جّد المسيح ذابح ابنَه ويعقوب ويوسف المسجون في مصر، وفي أسفل الظلمات نجد موسى والنبيَّ دانيال وإرميا النبيّ والنبيّ يونان وداود جدَّ الإله وغيرهم من الأبرار...

ما إن ظهر الربُّ بحضوره الإلهيّ أمام أبواب الجحيم والسجون المظلمة حتّى تقدّمه جبرائيل رئيسُ الجنود وهتف "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم" ويصرخ معه ميخائيل: "لتسقط الأبواب الدهريّة". ارفعوا الأبواب ارفعوا! واقتلِعوها من أساسها...

ما إن صعد هتافُ الملائكة حتّى انفتحت الأبوابُ في اللحظة نفسها. 

وتزعزعت القوّاتُ المعادية وأخذوا يتساءلون "من هو هذا ملك المجد!" من هو هذا الذي به انحلّت سلطتنا وجسارتُنا غير المقهورتين حتّى الآن وقضي عليهما؟ وقوّات الربّ تجيبُها: إنّه الربّ العزيز القويّ في القتال" الكليّ القدرة وغير المنهزم والسبح لله دائماً!