الأحد 8 آذار 2026

الأحد 8 آذار 2026

04 آذار 2026

الأحد 8 آذار 2026
العدد 10

الأحد الثاني من الصوم
اللحن السادس، الإيوثينا السادسة

 
أعياد الأسبوع:

8: القدّيس غريغوريوس بالاماس، ثاوفيلكتس أسقُف نيقوميذيَّة، 9: القدِّيسون الأربعون المستشهدون في سبسطية، 10: الشَّهيد كدراتُس ورفقته، 11: صفرونيوس بطريرك أورشليم، 12: ثاوفانس المعترف، غريغوريوس الذيالوغوس بابا رومية، سمعان اللاهوتيّ الحديث، 13: نقل عظام نيكيفورس بطريرك القسطنطينيَّة، المديح الثالث، 14: البارّ بنادكتُس، البار ألكسندروس.
 
الأحد الثاني من الصوم الكبير
 وتذكار القدّيس غريغوريوس بالاماس

في هذا الأحد نقيم تذكار القدّيس غريغوريوس بالاماس رئيس أساقفة مدينة تسالونيك، لقد كان القدّيس بالاماس من الآباء المدافعين عن روحانيّة الكنيسة الأرثوذكسيّة الأصيلة وعن الطريقة الهدوئيّة.

لقد تكلّم على النور الإلهيّ، النور غير المخلوق الذي عاينه التلاميذ على جبل ثابور كما علَّم عن دور النعمة الإلهيّة غير المخلوقة وأهمّيّة الصلاة القلبيّة للاتّحاد مع الله وبلوغ التألّه الذي هو غاية حياتنا المسيحيّة، فكلّ ما نُمارسه من صلوات وأصوام ونسك ما هي إلّا أدوات ووسائل لبلوغ هذه الغاية ألا وهي تألّهنا بالنعمة الإلهيّة غير المخلوقة.

المقطع الإنجيليّ يتحدّث عن شفاء مخلّع كفرناحوم. تبدأ قراءة اليوم بأنّ يسوع "دخل كفرناحوم أيضًا بعد أيّام فسُمِعَ أنّه في البيت". لا يُذكر هنا بيت مَن كان ولكن يبدو أنّه كان بيتًا معروفًا. على الأرجح هو بيت سمعان وأندراوس الذي سبق يسوع وزاره عندما شفى حماة بطرس المريضة (مرقس 1: 29).

وعندما سمِع الجمهور أنّ يسوع "في البيت" يقول: "للوقت اجتمع كثيرون حتّى إنّه لم يَعُد موضِعٌ ولا ما حول الباب يسَع". لقد التفَّت الجموع حول الربّ يسوع والتي قد شاهدت المُعجزات التي اجترحها في كفرناحوم أمّا هو "فكان يُخاطبهم بالكلمة". لم يكتفِ يسوع بالمُعجزات بل كان يُبشرِّهم "بالكلمة"، كلمة الله المُحيّية التي يقول عنها الرسول بولس: "كلمة الله حيّة وفعّالة وأمضى من كلّ سيف ذي حدّين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميّزة أفكار القلب ونيَّاته (عبرانيّين 4: 12). يستعمل مرقس الإنجيليّ لفظة "الكلمة" ليُشير فيها إلى بشارة الإنجيل (مثل الزارع – مرقس 14: 14).

وبينما هو يُبشّرهم بالكلمة "أتوا إليه بمخلَّعٍ يحمله أربعة وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه كشفوا السقف حيث كان". لقد سمع هذا المخلّع وأصدقاؤه عن وجود يسوع في البيت وظنّوا أنّه من السهل الوصول إليه فاصطدموا بجموع كثيرة تُعيق وصولهم إلى السيّد، هذا لم يمنعهم من تحقيق ما أتوا لأجله فصعِدوا وفتحوا السقف ودلّوا السرير الذي كان المخلّع مضطجعًا عليه ووضعوه أمامه تمامًا.

لم يسأل الربّ إذا كانوا يؤمنون بل رأى إيمانهم بالفعل. لقد رأى بعينيه جهدهم وتعبهم للتغلّب على العوائق من أجل إحضار هذا المريض إلى الربّ. لقد رأى الربّ يسوع إيمانهم وإيمان المخلّع أيضًا لأنّه لم يكن ليسمح لهم بإحضاره إلى السيّد إلّا إن كان لديه إيمان بالشفاء.
لقد حدث أن شفى الربّ يسوع العديد من المرضى إمّا بسبب إيمان من تضرّع لأجلهم أو بسبب إيمان من أتت الطلبة على لسانه كحادثة شفاء عبد قائد المئة (متّى 8: 5- 13) وشفاء ابنة يائيرس رئيس المجمع (مرقس 5: 22- 24) وغيرها.

لقد بادر يسوع أوّلًا وقال للمخلّع: "يا بنيّ مغفورة لك خطاياك". أوّلًا غفر خطايا المريض ومن ثمّ شفاه معظم الأمراض تحدث في الغالب نتيجة الخطايا، وهنا يعود موضوع ارتباط المرض بالخطيئة. يغفر للنفس خطيئتها جاعلًا إيّاها سليمة ونقيّة من مصدر مرضها وضعفها.
يأتي هذا المخلّع محمولًا بأربعة من أصدقائه أو أقربائه. العدد أربعة مهمّ وله رمزيّة في الكتاب المقدّس فهو يرمز إلى الإنجيليّين الأربعة الذين يُمثّلون الكون بأقطاره الأربعة. هؤلاء يحملون هذا الرجل الكسيح ويحضرونه إلى حضرة الربّ يسوع ليشفيه ويغفر له خطاياه.

لقد اتّهم الكتبة الربّ يسوع بالتجديف قائلين: "من يَقدِر أن يغفر الخطايا إلّا الله وحده". ولكنّ الربّ أعطاهم دليلًا آخر على أنّه هو الله من خلال كشف ما في قلوبهم إذ يقول الكتاب إنّهم كانوا يُفكّرون في قلوبهم، فللوقت علم يسوع بروحه أنّهم يُفكِّرون هذا في أنفسهم فقال لهم: "لما تفكّرون بهذا في قلوبكم". الله وحده يعلم مكنونات القلوب كما يقول الكتاب "لأنّك أنت وحدك تعرِف قلوب بني البشر" (أخبار الأيّام الثاني 6: 30) (أشعياء 43: 25) و"هو وحده الذي يغفر الخطايا" (هوشع 14: 3). لقد كشف الربّ لهم أفكارهم العميقة ولكنّ الفريسيّين ظلّوا بلا أيّ حسّ روحيّ، ولم يُقِرّوا بأنّ مَن يعرف قلوبهم ويكشف أفكارهم يُمكنه أن يغفر الخطايا أيضًا.

يسأل القدّيس إيرينيوس: "كيف يُمكن أن تُغفَر الذنوب إلا إذا منح هذا الغفران من قد أخطأنا إليه".
لقد شفى الربّ يسوع أوّلًا ما هو أصعب ألا وهو شفاء النفس من الخطيئة، ومن ثَمَّ أعطى شفاء الجسد الذي هو أسهل. لقد برهن على أنّه بشفاء الأصعب يؤكّد سهولة شفاء الأسهل أي شفاء الجسد ويثبّته من خلال مغفرة الخطايا وشفاء النفس.

من بعد أن غفر يسوع الخطايا وشفى الجسد قال للمخلّع: "لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك فقام للوقت وحمل سريره وخرج أمام الجميع". إن استعمال كلمة "للوقت" مُميّزة عند مرقس الإنجيليّ ليُظهر قوّة وفعّاليّة كلمة الله الذي يأمر فيُطاع ويَطلب فيتمّ الأمر. أمر يسوع بأن يحمل سريره حتّى يُبرهن لهم حقيقة المعجزة وأنّها ليست مجرّد وهم وحتّى يُريهم أنّه لم يشفِ فقط المخلّع بل أعطاه قوّة ليحمِل سريره، السرير الذي كان يحمِله لسنوات الآن أصبح هو محمولًا بواسطة المخلّع الذي شفاه يسوع. ما كان دليلًا على المرض أصبح الآن شهادة للشفاء. سرير الآلام أصبح علامة للشفاء، وحمله هو دلالة على القوّة التي نالها من الربّ يسوع من بعد الشفاء.

لقد سبّب هذا الحدث الدهشة في قلوب الحاضرين وكان سببًا لتمجيد الله. لقد كانت حادثة الشفاء هذه معجزة مزدوجة فلم تتمّ فقط على الجسد بل أيضًا على النفس، لم تغيِّر فقط ما هو منظور ولكن أيضًا ما هو غير منظور.
 
آميــــــــــن

+ باسيليوس
متروبوليت أوستراليا، نيوزيلندا والفيلبييّن

طروباريّة القيامة باللحن السادس

إنَّ القوّاتِ الملائكيّةَ ظهروا على قبرك الموَقَّر، والحرّاس صاروا كالأموات، ومريمَ وقفت عندَ القبر طالبةً جسدَك الطاهر، فسَبيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّب منها، وصادفتَ البتول مانحًا الحياة، فيا من قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.

طروباريَّة القدَّيس غريغوريوس بالاماس باللَّحن الثَّامِن

يا كوكبَ الرأيِ المستقيم، وسَنَدَ الكنيسةِ ومعلِّمَها. يا جمالَ المتوحِّدينَ، ونصيرًا لا يُحارَب للمتكلِّمينَ باللّاهوت، غريغوريوسَ العجائبيَّ، فخرَ تسالونيكية وكاروزَ النِّعمة، ابْتَهِلْ على الدَّوامِ في خلاصِ نفوسِنا.

القنداق باللَّحن الثَّامن

إِنّي أَنا عبدَكِ يا والدةَ الإله، أَكتُبُ لكِ راياتِ الغَلَبَة يا جُنديَّة محامِيَة، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكْرَ كَمُنْقِذَةٍ مِنَ الشَّدائِد. لكنْ، بما أَنَّ لكِ العِزَّةَ الَّتي لا تُحارَب، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدِائِد، حتَّى أَصرُخَ إِليكِ: افرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
 
الرسالة: عب 1: 10-14، 2: 1-3
أنتَ يا رَبُّ تَحْفَظُنَا وتَسْتُرُنا في هذا الجيلِ

خَلِّصْنِي يا رَبُّ فإِنَّ البارَّ قَد فَنِيَ

أنتَ يا ربُّ في البَدءِ أسَّستَ الأرضَ والسَّماواتُ هي صُنْعُ يديْكَ. وهي تزولُ وأنتَ تبقى، وكُلُّها تَبْلى كالثَّوب، وتطويها كالرِّداء فتتغيَّر، وأنتَ أنتَ وسِنُوك لنْ تَفْنَى. ولِمَنْ من الملائِكَةِ قالَ قَطُّ اجْلِسْ عن يميني حتَّى أَجْعَلَ أَعداءَكَ مَوْطِئًا لقَدَمَيْكَ. أَليسوا جميعُهُم أَرواحًا خادِمَة تُرْسَلُ للخِدمةِ من أجلِ الَّذين سَيَرِثون الخلاص. فلذلك، يجبُ علينا أَنْ نُصْغِيَ إلى ما سمعناهُ إِصغاءً أَشَدَّ لِئَلّا يَسْرَبُ مِنْ أَذْهَانِنا. فإِنَّه إِنْ كانَتِ الكلمةُ الَّتي نُطِقَ بها على ألسنةِ ملائِكةٍ قَدْ ثَبُتَتْ وكلُّ تَعدٍّ ومعَصِيَةِ نالَ جَزاءً عَدْلًا، فكيفَ نُفْلِتُ نحنُ إِنْ أَهْمَلنا خلاصًا عظيمًا كهذا، قد ابَتَدَأَ النُّطْقُ بِهِ على لسانِ الرَّبِّ، ثمَّ ثبَّتَهُ لنا الَّذين سمعوهُ؟!.

الإنجيل: مر 2: 1-12

في ذلك الزَّمان، دخلَ يسوعُ كَفَرْناحومَ وسُمِعَ أَنَّهُ في بَيتٍ، فَلِلْوَقْتِ اجتَمَعَ كثيرونَ حتَّى إنَّهُ لم يَعُدْ مَوْضِعٌ ولا ما حَولَ البابِ يَسَعُ. وكان يخاطِبُهُم بالكلمة، فَأَتَوْا إليْهِ بِمُخلَّعٍ يَحمِلُهُ أَربعَة. وإِذْ لم يقْدِرُوا أَنْ يقترِبُوا إليهِ لِسَببِ الجمعِ كَشَفوا السَّقْفَ حيث كانَ. وَبعْدَ ما نَقَبوهُ دَلُّوا السَّرِيرَ الَّذي كانَ الـمُخَلَّعُ مُضْطجِعًا عليه. فلمّا رأى يسوعُ إيمانَهم، قالَ للمُخلَّع يا بُنَيَّ، مغفورةٌ لكَ خطاياك. وكانَ قومٌ مِنَ الكتبةِ جالِسينَ هُناكَ يُفكِّرون في قُلوبِهِم: ما بالُ هذا يتكلَّمُ هكذا بالتَّجْديف؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغفِرَ الخطايا إِلّا اللهُ وَحْدَهُ؟!! فَلِلْوقْتِ عَلِمَ يَسوعُ برِوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرونَ هكذا في أَنْفُسِهِم، فقالَ لهُم: لِماذا تفَكِّرُون بهذا في قلوبِكُم؟ ما الأَيْسَرُ أَنْ يُقالَ مَغفورةٌ لكَ خطاياكَ أمْ أَنْ يُقالَ قُمْ واحمِلْ سريرَكَ وامشِ؟ ولكِنْ لِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ ابنَ البشرِ لَهُ سُلطانٌ على الأرضِ أَنْ يَغفِرَ الخطايا قالَ للمُخَلَّع: لكَ أَقولُ قُمْ واحمِلْ سَريرَكَ واذْهَبْ إلى بَيتِكَ، فقامَ للوَقتِ وحَمَلَ سَريرَهُ، وخرَج أَمامَ الجميع، حتّى دَهِشَ كُلُّهُم ومجَّدوا اللهَ قائلينَ: ما رَأينا قَطُّ مِثْلَ هذا.
 
في الإنجيل
 
سمع البعض أنّ يسوع في البيت، وأغلب الظنّ أنّه بيت بطرس، حيث تمّ شفاء حماته وعجائب أخرى. ولهذا تهافت الناس طالبين الشفاء من أمراض مستعصية وهي كثيرة؛ بحيث لم يعد ولا مكان يسع عند الباب. فما كان من الرجال الأربعة إلّا أن صعدوا بمريضهم، وهو مخلّع، إلى السطح ونقبوه ودلّوه إلى داخل البيت حيث يسوع. يقول الإنجيليّ: "ولمّا رأى يسوع إيمانهم." إنّه إيمان هؤلاء الرجال الذين لم يستسلموا، لم ييأسوا. هذا هو الإيمان الحقيقيّ الذي يحوي كلّ الرّجاء والثقة بالله؛ وعلى هذا الإيمان تمّ الشفاء. ولكن قبل الشفاء غفر الربّ يسوع للمخلّع خطاياه مبيّنًا أنّه الإله أو بالأحرى يريد أن يشير للجميع إلى أنّه ليس بنبيٍّ كبقيّةِ الأنبياء. ولكنّ الكتبة كانوا يقولون في سرّهم مَن يقدر أن يغفر الخطايا إلّا الله وحده. يسوع يريد شفاء النَّفس قبل الجسد؛ لأنّه الطريق إلى الملكوت. ألم يقل لمخلّع البركة: "اذهب ولا تخطئ لئلّا يصيبك أشرّ".

في نهاية المقطع الإنجيليّ نسمع الجمع يقول: "ما رأينا مثل هذا قطّ."

الكنيسة تعلّمنا أنَّ هذه الأعجوبة ناجمة عن القوى الإلهيّة الصادرة عن الجوهر الإلهيّ؛ والتي تسمح للبشر بأن يشاركوا في الله، بالطبع دون أن يكونوا قادرين على المشاركة في الجوهر الإلهيّ، كما أوضح قدّيسُ اليوم (غريغوريوس بالاماس) والذي دافع أيضًا عن النّور غير المخلوق مستشهدًا بنور التجلّي؛ تجلّي الربّ يسوع على جبل ثابور. حيث لو أنّه كان نورًا عاديًّا، مخلوقًا لما خاف الرسل الثلاثة ووقعوا على وجوههم من شدّة خوفهم. فالنور والعجائب؛ كلّها أفعال صادرة عن القوى الإلهيّة وليس عن الجوهر الإلهيّ، فالله بحسب بالاماس حاضر وفاعل في كلِّ قوّةٍ وبشكلٍ موحّدٍ، بسيط وغير منقسم. فبشفاعته أللّهمّ ارحمنا وخلّصنا. آمين
 
أينَ غابَ جمالُك؟

وجدانيَّات على عتبةِ الصوم الكبير في ضوءِ لاهوتِ القدّيس مرقس الناسك
"يا ربيعي الحلو، يا ولدي الحلو، أين غابَ جمالُك؟"
من تقاريظ يوم الجمعة العظيمة

I. الربيعُ المدفونُ فينا

وقفَت والدة الإله تحملُ جسدَ ابنِها وتسأل: أينَ غابَ جمالُك؟ سؤالٌ طرحَتْه الأمُّ على ابنِها بدموعٍ لا تُطاق، لكنَّ القدّيسَ مرقس الناسك يُعيدُ طرحَه علينا بلغةٍ أخرى، أكثرَ هدوءًا وأشدَّ إيلامًا: أينَ غابَ جمالُ المعموديَّةِ فيك؟

المعموديَّةُ- في قلبِ لاهوتِ مرقس الناسك- ليستْ مجرَّدَ بدايةٍ دينيَّة، بل هي وديعةٌ كاملة: إيداعُ النعمةِ بتمامِها في أعماقِ الإنسان. غيرَ أنَّ هذه النعمةَ لا تُلغي الإرادةَ البشريَّة، بل تستدعيها وتنتظرُها. هي ربيعٌ حقيقيٌّ زُرِعَ فينا، لكنَّ فينا أيضًا قدرةَ تجميدِه بالإهمال، أو إحيائِه بالتوبة.
الصومُ الكبير إذًا ليس اختراعَ ربيعٍ من العدم، وليسَ محاولةً لإقناعِ اللهِ بعطفٍ لم يُقرِّرْه، بل هو الحفرُ نحوَ الربيعِ المطمور. هو العودةُ إلى ما أُعطيَ لنا يومَ نزلَ الماءُ المقدَّسُ على رؤوسِنا، ونُسيَ في ركامِ السنين.

II. النعمةُ المخبوءةُ والإرادةُ المدعوَّة

يُميِّزُ القدّيسُ مرقس الناسك بين أمرَين يخلطُهما الكثيرون: النعمةُ الموهوبة، وهي سابقةٌ لكلِّ جهدٍ بشريّ، كاملةٌ في ذاتِها، مودَعةٌ بالمعموديَّة؛ ثمَّ النعمةُ المُفعَّلة، وهي ثمرةُ التعاونِ الحرِّ بين إرادةِ الإنسانِ وفعلِ روحِ الله.

هذا التمييزُ هو مفتاحُ فهمِ الصوم: حين تصومُ، لا تكسبُ نعمةً غائبة، بل تفتحُ أبوابًا أمامَ نعمةٍ حاضرة. حين تصلِّي وتسجد، لا تستدعي ربًّا بعيدًا، بل تُزيلُ الصخورَ عن عينِ الماءِ الجارية في أعماقِك منذُ عمادِك.

وأيقونة إنزال المصلوب عن الخشبة بحضور أمّه وبعض النسوة مع يوسف ونيقوديموس تقولُ ذلك بصمتٍ أبلغَ من كلِّ كلام: الجسدُ المائتُ في حضنِ الأمِّ لم يُفقَد. هو يرقد، والقيامةُ تتخمَّرُ في أعماقِه. كذلك نعمةُ المعموديَّةِ في أعماقِنا تبدو مطمورةً تحتَ ركامِ الغفلة والعادات والبرود، لكنَّها لا تموت.

III. إيقاعُ الخلاص: الموتُ، الرجوعُ، الربيع

في نصوصِ مرقس الناسك، المسارُ نحوَ الخلاصِ ليس خطًّا مستقيمًا صاعدًا في هدوء. هو إيقاعٌ حيٌّ ومتكرِّر: سقوطٌ فتوبةٌ فاستعادة. وهذا الإيقاعُ ذاتُه هو إيقاعُ الليتورجيَّا الصوميَّة في كلِّ تفاصيلِها: المطانياتُ الكبرى سقوطٌ وقيامةٌ في حركةٍ واحدة، وصلاةُ القدّيس أفرام رثاءٌ وطلبٌ معًا، وأناشيدُ الأسابيعِ الأربعينَ جميعُها مزيجٌ من الألمِ والاشتياق.

يُعلِّمُنا مرقس أنَّ الإنسانَ يُعيدُ اكتشافَ معموديَّتِه من خلالِ ألمِ الرجوع. ليسَ الرجوعُ إذلالًا للنفس، بل هو أشبهُ بعودةِ ابنِ الضالَّةِ الذي ذاقَ مرارةَ بعدِه فأدركَ عظمةَ ما تركَ. التوبةُ عندَ مرقس ليستْ عقوبةً ذاتيَّة، بل هي استيقاظُ الإرادةِ الحرَّةِ وانعطافُها نحوَ الحقيقة.

IV. «ἔαρ» — الربيعُ الذي لا يُقتَل

الكلمةُ اليونانيَّةُ التي يُكتَبُ بها النشيدُ على الأيقونة: «ἔαρ»  ربيع. القدّيسةُ مريمُ والدة الإله تُسمِي ابنَها "ربيعي"، ليسَ مجازًا رومانسيًّا فارغًا بل لاهوتٌ مكثَّفٌ: هو ربيعُ الخليقةِ المجدَّدة، هو آدمُ الثاني الذي جاءَ يستعيدُ ما أضاعَه آدم الأوَّل.

والسرُّ اللاهوتيُّ الأعمقُ في هذه الأيقونة: أنَّ الفعلَ اليونانيَّ«ἔδυ»  غاب هو فعلُ الغروب، لا فعلُ الفناء. ما غَرَبَ سيُشرق. الموتُ هنا ليسَ نهايةً بل خميرة. الجسدُ الراقدُ في حضنِ أمِّه يحملُ في صمتِه بذرةَ القيامة.

لهذا يكونُ الصومُ ربيعًا حقيقيًّا: لا لأنَّه فصلٌ في التقويم، بل لأنَّه مسارُ موتٍ وقيامةٍ في داخلِ الإنسان، يُوازي مسارَ الربِّ ذاته. نحنُ في الصومِ لا نبكي على ميِّتٍ بل نشتاقُ إلى قائم. نحملُ فيه جمالَنا المائتَ إلى يدَي الأمِّ، لتردَّه إلى حضنِ الابنِ القائمِ من بين الأموات.

وها نحنُ ندخل...
بأيدٍ فارغة، وقلبٍ يحاولُ أن يتذكَّرَ ما نسيَه منذُ معموديَّته.