الأحد 29 آذار 2026

الأحد 29 آذار 2026

25 آذار 2026

الأحد 29 آذار 2026
العدد 13
الأحد الخامس من الصوم
اللحن الأول، الإيوثينا التاسعة


أعياد الأسبوع:

29: أحد مريم المصريَّة، مرقس أسقُف أريثوسيون، كيرلّلس الشَّماس والَّذين معه، البارّ يوحنَّا السُّلّميّ، النبيّ يوئيل، آففولي والدة القدّيس بندلايمون، 31: الشَّهيد إيباتيوس أسقُف غنغرة، 1: البارَّة مريم المصريَّة، الشُّهداء يارونديوس وباسيليوس، 2: البارّ تيطس العجائبيّ، 3: البارّ نيقيطا، يوسف ناظم التَّسابيح، 4: سبت لعازر، البارّ جرجس (مالاون)، البارّ زوسيماس.

الراهب

يقول القدّيس يوحنّا السلّمي: الراهب هو الذي يبتعد عن العالم لكي يتّحد بالكلّ.
ذلك طبعًا عن طريق صلاته وبخاصّة صلاة يسوع: "أيّها الربّ يسوع يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ".

يقول الإنجيليّ متى: "يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمّهاتهم ويوجد خصيان خصاهم الناس ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات" (متّى 19: 12).
يحاول الراهب أن يعيشَ في اللاظهور aphaneia في إنكار الذات "من أراد أن يتبعني فليُنكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني" (مرقس 8: 34).

في إنكار المشيئة الذاتيّة. 

هكذا يكون اكتساب الحياة الأبديّة، العيش مع الربّ يسوع المسيح. الاعتقاد اليهوديّ كان يقول في القديم إنّ الحياة الأبديّة هي مجرّد قيام بالأعمال الصالحة. 
هذه الحياة الأخيرة لا توصل إلى الكمال "إن أردت أن تكون كاملًا فبعْ كلَّ شيء ووزّعه على الفقراء"، فيكون لك كنزٌ في السماء وتعال اتبعني" (متّى 19: 21).

الوصايا مدخل إلى الحياة لكنّها لا تكفي لنيل الكمال، لنيل الحياة الأبديّة.

"الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنّا 17: 3).
هذا ما فعله الرسل الأوّلون "تركوا كلّ شيء وتبعوه" 

كيف يستطيع الإنسان أن يعيش راهبًا في وسط العالم؟ باختصار عليه أن يتعامل مع كلّ شيء ولا يتعلّق بأيّ شيء، أن يتعامل مع كلّ واحد ولا يتعلّق بأحد. هذا ما يعبَّر عنه باللغة الأجنبيّة detachment أي عدم التعلّق، فكّ الارتباط.

عمل الراهب الأساسيّ هو الصلاة. المهمّ أن يبقى الراهب محبًّا للتفانيDevotion ،Philotimia ولعدم القنية. أن نسلّم أهلنا لله. 

بهذا تنتقل محبّة الراهب الضيّقة لعائلته الصغيرة إلى العائلة الكبيرة التي هي الكنيسة وكلّ العالم. يتجنّب الراهب الرفاهيّات العالميّة، يتخلّى عن كثير من التعزيات البشريّة لكي ينال التعزية الإلهيّة. 

الراهب ينتبه إلى قضيّة الزوّار. يبتعد عن الضيافة بما فيها العالميّات ويلتصق بالعشق الإلهيّ. 

الراهب يحبّ قلّايته cell ويرى فيها، عن طريق الصلاة والقراءة الروحيّة وخلوته مع الله وصلاة يسوع، تعزيته الحقيقيّة Consolation.
يطلب قبل كلّ شيء في صلاته التوبة Repentance Metanoia والتوبة تجلب التواضع humiliation والتواضع يجلب نعمة الله.

+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما


طروباريّة القيامة باللحن الأوّل

إنّ الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدك الطاهر حُفِظَ من الجند، قمت في اليوم الثالث أيّها المخلِّص، مانحًا العالم الحياة. لذلك، قوّات السماوات هتفوا إليك يا واهب الحياة: المجد لقيامتك أيّها المسيح، المجد لملكك، المجد لتدبيرك يا محبّ البشر وحدك.

طروباريّة القدّيسة مريم المصريّة باللحن الثامن

بكِ حُفِظَتِ الصورةُ باحتراسٍ وَثيق أيَّتها الأمُّ مريم، لأنَّكِ حملتِ الصليبَ وتبِعْتِ المسيح، وعَمِلتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسَدِ لأنَّه يزول، ويُهتمَّ بأمورِ النفسِ غير المائتة. لذلك تَبتهِجُ روحُكِ مع الملائكة.

القنداق باللحن الثاني

يا شفيعَةَ المَسيحيِّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِقِ غيْرَ المرْدودة، لا تُعْرِضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمَعونةِ بِما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارِخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ، وأسْرِعي في الطلْبَةِ يا والِدةَ الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بِمكرّميك.

الرسالة: عب 9: 11-14
صَلُّوا وأوفُوا الربَّ إلهَنا
اللهُ معْروفٌ في أرضِ يهوذا


يا إخوة، إنَّ المسيحَ إذ قَدْ جاءَ رَئيسَ كَهَنَةٍ للخيراتِ المستقبلةِ، فبمسكنٍ أعظَمَ وأكملَ غَيْرَ مصنوع بأيدٍ، أي ليس من هذه الخليقة وليسَ بدمِ تيوسٍ وعجولٍ بل بدمِ نفسِهِ دَخَلَ الأقْداسَ مرَّة واحدة فوَجَدَ فِداءً أبَديًّا، لأنَّهُ، إنْ كانَ دَمُ ثيرانٍ وتيوسٍ ورَمادُ عِجلةٍ يُرَشُّ على المُنجَّسينَ فيُقَدِّسُهُمْ لتطهيرِ الجسد، فكَمْ بالأحرى دَمُ المسيح الذي بالروح الأزليّ قَرَّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيْبٍ، يطَهِّرُ ضمائرَكُم منَ الأعْمالِ الميتة لتعْبُدوا اللهَ الحيَّ.

الإنجيل: مر 10: 32-45

في ذلك الزمان، أخَذَ يسوعُ تلاميذَهُ الاثْنَي عَشَرَ وابْتَدَأ يَقولُ لَهُم ما سيَعْرضُ لَهُ: هُوذا نَحْنُ صاعِدونَ إلى أورَشليمَ، وابنُ البَشَرِ سَيُسَلَّمُ إلى رؤساء الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ فَيْحكُمونَ عَلَيْهِ بِالموْتِ وَيُسَلِّمونَهُ إلى الأمَم فَيَهْزَأونَ بِهِ ويَبْصُقونَ عَلَيْهِ وَيَجْلدونَهُ وَيَقْتُلونَهُ وفي اليَوْمِ الثالثِ يَقومُ. فَدَنا إليْهِ يَعْقوبُ ويَوحَنّا ابنا زَبَدى قائلينَ: يا مُعَلِّمُ نريدُ أنْ تَصْنَعَ لَنا مَهْما طَلَبنا. فَقالَ لهُما: ماذا تُريدانِ أنْ أصْنَعَ لَكُما. قالا لَهُ: أعْطِنا أنْ يَجْلِسَ أحَدُنا عَنْ يمينكَ والآخرُ عَنْ يساركَ في مَجدِكَ. فقالَ لَهُما يسوعُ: إنَّكُما لا تَعْلَمان ما تَطْلُبان. أتستطيعانِ أنْ تشرَبا الكأسَ التي أشرَبُها أنا وأنْ تَصْطَبِغا بالصبْغَةِ التي أصْطَبِغ بِها أنا. فقالا لَهُ نَسْتَطيع. فقالَ لَهُما يسوعُ: أمَّا الكأسُ التي أشْرَبُها فَتَشْرَبانِها وبِالصبْغةِ التي أصْطَبِغُ بِها فَتَصْطَبِغان. أمَّا جُلوسُكما عَنْ يميني وَعَن يَساري فَلَيسَ لي أنْ أعْطِيَهُ إلّا للذينَ أُعِدَّ لَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ العَشرَةُ ابْتدَأوا يَغضَبونَ على يعقوبَ ويوحنّا، فدَعاهُم يسوعُ وقالَ لَهُم: قدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الذينَ يُحْسَبونَ رُؤَساءَ الأُمَم يَسودونَهَم وَعُظماءَهُم يَتَسلَّطون عَليْهم وأمَّا أنْتُمْ فَلا يَكونُ فيكمْ هكذا، ولكِنْ مَنْ أرادَ أن يكونَ فيكم كبيرًا فليَكُنْ لَكُمْ خادِمًا وَمَن أراد أن يكونَ فيكمْ أوَّلَ فَلْيَكُنْ للجميع عَبْدًا، فإنّ ابنَ البَشَرِ لَمْ يَأتِ ليُخْدَمَ بَل ليَخْدُمَ وليبذل نفسَهُ فِداءً عَنْ كثيرين.


في الإنجيل

في الأحد الخامس من الصوم الكبير، تقرأ الكنيسة مقطعًا من إنجيل مرقس، وتضع أمام المؤمنين أيضًا مثال توبة القدّيسة مريم المصريّة. يأتي هذا الأحد قبل بداية الأسبوع العظيم مباشرةً، 

وكأنّ الكنيسة تريد أن تهيّئ المؤمنين للدخول في سرّ الصليب من خلال فهم الطريق الحقيقيّ إلى المجد في حياة الإيمان.

يروي الإنجيل أنّ الربّ كان صاعدًا مع تلاميذه إلى أورشليم، وكان يعلم جيّدًا أنّ هذه المسيرة ستقوده إلى الآلام والصلب. وفي الطريق أخذ تلاميذه وأخبرهم بما سيحدث له: إنّه سيسلَّم ويُحكم عليه ويُصلب، لكنّه سيقوم في اليوم الثالث. 

وفي هذا الجوّ المملوء بالحديث عن الألم والتضحية، تقدّم التلميذان يعقوب وأخوه يوحنّا ابنا زبدى وطلبا من المسيح أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده. يكشف هذا الطلب أنّ التلاميذ، رغم قربهم من المسيح، كانوا ما زالوا يفكّرون بطريقة بشريّة، إذ كانوا يتخيّلون الملكوت كمملكة أرضيّة فيها مراكز ومراتب.

أجابهم المسيح بلطف ولكنّه وجّه فكرهم إلى الحقيقة الأعمق. 

فسألهم إن كانوا يستطيعون أن يشربا الكأس التي سيشربها هو، أي كأس الآلام والصليب. أراد الربّ أن يوضح أنّ الطريق إلى المجد الإلهيّ لا يمرّ عبر الكرامة أو السلطة، بل عبر الألم والتضحية والطاعة لمشيئة الله. 

وهكذا تحوّل الحوار إلى درس روحيّ عظيم للتلاميذ جميعًا. فعندما غضب بقيّة التلاميذ من طلب يعقوب ويوحنّا، جمعهم المسيح وقال لهم إنّ رؤساء العالم يسودون على الناس، أمّا في ملكوت الله فالأمر مختلف تمامًا: «من أراد أن يكون عظيمًا بينكم فليكن خادمًا لكم، ومن أراد أن يكون أوّلًا فليكن عبدًا للجميع». 

ثمّ ختم تعليمه بكلمات أساسيّة في الإيمان المسيحيّ عندما قال إنّ ابن الإنسان لم يأتِ ليُخْدَمَ بل لِيَخْدُمَ ويبذل نفسه فدية عن كثيرين.
بهذا التعليم يقدّم المسيح مقياسًا جديدًا للعظمة. ففي منطق العالم، العظمة ترتبط بالقوّة والسلطة والمكانة. أمّا في منطق الإنجيل، فالعظمة الحقيقيّة هي في التواضع والخدمة. 

الإنسان العظيم في نظر الله هو الذي يضع نفسه في خدمة الآخرين، والذي يقدّم المحبّة والتضحية بدل السعي إلى المجد الشخصيّ. لذلك يظهر المسيح نفسه المثال الكامل، لأنّه خدم البشريّة كلّها حتّى بذل حياته على الصليب من أجل خلاصها.

وترتبط قراءة هذا الإنجيل في الأحد الخامس من الصوم بذكرى القدّيسة مريم المصريّة، لأنّ حياتها تقدّم مثالًا حيًّا لما يعلّمه الإنجيل. فقد عاشت في بداية حياتها بعيدًا عن الله، لكنّ نعمة التوبة غيّرت قلبها تغييرًا جذريًّا. تركت حياتها السابقة، وعاشت سنوات طويلة في البرّيّة في جهاد وصلاة ونسك عميق. 

بهذه التوبة الصادقة أصبحت مثالًا لقدرة نعمة الله على تجديد الإنسان، وبرهانًا على أنّ المجد الحقيقيّ لا يأتي من المراكز أو الكرامة بل من القلب التائب والمتواضع.

في هذا الأحد تريد الكنيسة أن تهيّئ المؤمنين للدخول في الأسبوع العظيم بفكرٍ روحيٍّ صحيح. فهي تذكّرنا أنّ طريق المسيح هو طريق الصليب، وأنّ القيامة لا تأتي إلّا بعد الألم والجهاد. 

كما تدعونا إلى ترك روح الكبرياء وطلب المجد الباطل، والتعلّم من المسيح روح التواضع والخدمة. وأخيرًا، تضع أمامنا مثال القدّيسة مريم المصريّة لتؤكّد أنّ باب التوبة يبقى مفتوحًا دائمًا، وأنّ الإنسان يستطيع بنعمة الله أن يبدأ حياة جديدة مهما كان ماضيه.

وهكذا يصبح الأحد الخامس من الصوم دعوة عميقة لكلّ مؤمن: أن يسير مع المسيح في طريق الصليب، وأن يطلب المجد الحقيقيّ الذي يقوم على التوبة والمحبّة وخدمة الآخرين.

توبة القدّيسة مريم المصريّة

قال الربّ يسوع المسيح: "أنا أريد أن جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون". (1 تيموثاوس 4:2).

إنّ الكنيسة توّجت القدّيسة مريم المصريّة بإكليل الظفر على الخطيئة بتوبتها، وكرّمتها قمّة روحيّة كبيرة جدًّا، ومثالاً للحبّ الإلهيّ الّذي أخرجها من بؤرة الفساد مُعليًا إيّاها إلى مصافّ القدّيسين، بل رتّبت الكنيسة مكانتها أيضًا في الأحد الخامس من الصّوم وذلك قبل دخول السيّد يسوع المسيح إلى أورشليم ليحمل صليبه طوعًا وفداءً لجميع الّذين يؤمنون باسمه.
     
كيف لُمِسَ قلب مريم الزّانية لتتوب، فتصبح سيّدة العفّة؟!
يقول الرّسول بولس:"حيث كثرت الخطيئة هناك أيضًا ازدادت النّعمة" (رومية 20:5).

الخطيئة هي اشتعال الكيان بنار التوق إلى العيش بوجدٍ وحرارة وحسّ مادّيّ. الخطيئة تجرف وتطيش العقل السّليم فترمي به في ألوان الفحشاء لتهدأ، ومتى هدأ استعار شهوتها في الملذّات، تعود إليها مرّة وأخرى لإتمام حرارة ما يتفجّر في كيانها وإسكات صراخ الجسد المشرئبّ إلى التهتّك والزنى... في فحشائها، تختنق بذاتها ورحيق ما تتلوّن به انفعالاتها، فتعود عندما تصحو من سقوطها، إلى ما عاشته في تفلّتها مرّة وعشرين ومائة، بل أكثر.
     
لكن يبقى حول ذاك الإنسان، في عائلته أو أقربائه أو محبّيه مَنْ لمسه الربّ ليصلّي له. هكذا كتب القدّيس صفرونيوس بطريرك أورشليم الّذي سجّل قصّة مريم المصريّة وتوبتها. إنّ مريم تركها الربّ تحيا ملء شهوتها الّتي صيّرتها زانية فاجرة، تشدّ الرّجال إلى الفحشاء لتؤذيهم وكأنّها تنتقم منهم لنفسها. ممّ؟! لا أحد يعرف لكنّنا نعرف أنّ شيطان الزنى هو أعنف شيطان يضرب قلب الإنسان وعقله وكيانه، لأنّ الزنى هو حسّ في الجسد الّذي هو الإنسان ذاته بوجوده الكيانيّ على الأرض. وهمّ هذا الشيطان إماتة الإنسان بإبعاده عن يسوع وعن التوبة.
     
سافرت مريم إلى أورشليم في سفينة حجّاج ذاهبين من الإسكندريّة في مصر، إلى أرض الميعاد ليَسجدوا لصليب الربّ يسوع، وإذ اقتربت من عود الصّليب المنتصب على مدخل كنيسة والدة الإله، صدّتها قوّة عجزت مريم عن دفعها جانبًا. حاولت مرّة، مثنًى وثلاثًا، لكنّها عرفت بعد الإقدام والطرد من تحت عود الصليب، أنّ والدة الإله غير راضية عنها ولن تسمح لها، لا بالسجود تحت خشبة الصليب ولا بالدخول إلى الكنيسة للتّبرُّك.

سقطت مريم على وجهها. انتحبت، سُمِعَ عويلها في برّيّة فلسطين وعبر نهر الأردن صارخة لوالدة الإله: ”أعينيني في سعيي إلى التوبة وتشفّعي إلى ابنك، ربّ الكون، أن يُعتقني من خطيئتي ويسامحني“. ثمّ قامت، قبّلت عود الصليب واشترت بعض الأرغفة وماء وغادرت الدنيا إلى الصحراء القاسية البعيدة.
     
هكذا تغرّبت مريم عن نفسها، عن ماضيها، عن جسدها وشهوته، في صمت الموت عن الذات المحيي في الربّ يسوع. وعاشت عارية بعد تمزّق ردائها، في الحرّ والبرد والصّقيع والجوع، تأكل عشب الأرض وتشرب مياه نهر الأردن، الّتي قدّسها الربّ بنزوله فيها، باكية ونائحة على خطيئتها. دفعت كلّ السنين ثمن ابتعادها عن إلهها وناحت ناحت حتّى صار جسدها عظامًا مكسوّة بسواد الشمس والجلد الميت.
 
عند انتهاء زمن توبتها، التقت بالرّاهب زوسيما مصليًّا في البرّيّة ففرّت من وجهه. ناداها: "من أنتِ؟!". "أنا امرأة، أنا مريم الخاطئة. إرمِ لي جبّتك ألتحف بها لتراني". والتقيا. من أنتِ يا مريم؟! فأخبرته قصّتها. وقفا في الصلاة فارتفعت عن الأرض وهي تتمتم المزامير الّتي لم تتعلّمها إلّا من الملائكة بالرّوح القدس. طلبت المناولة المقدّسة فأعطاها الحياة. قالت له تأتيني السّنة القادمة في الصّوم لأتناول.
     
ذهب زوسيما بعد السجود لها، لأنّه عرفها قدّيسة وهي وقفت شاكرة العليّ على كلّ ما أعطاها. مدّت يديها إليه فالتقاها وأخذها بيده إليه. لم يسألها توبة. لم يَدِنْها. فقط استقبلها ابنة له، عروسًا.
     
وعاد زوسيما السّنة التالية كما طلبت منه مريم فوجدها ميتة. الجسد على الأرض وصديقها الأسد جالسٌ قربها يحرس جسدها. دفناها.
تبقى مريم المصريّة سيّدة التوبة على الأرض، كما مريم والدة الإله سيّدة وأمّ الخلاص بابنها يسوع في السّماوات.