الأحد 22 آذار 2026
18 آذار 2026
الأحد 22 آذار 2026
العدد 12
الأحد الرابع من الصوم
اللحن الثامن، الإيوثينا الثامنة
أعياد الأسبوع:
22: أحد يوحنّا السُّلّميّ، الشَّهيد باسيليوس كاهن كنيسة أنقرة، 23: الشَّهيد نيكن وتلاميذه الـ 199 المستشهدون معه، (القانون الكبير)، 24: تقدمة عيد البشارة، أرتامن أسقُف سَلَفكية، 25: عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة، 26: عيد جامع لرئيس الملائكة جبرائيل، استفانوس المعترف، خميس القانون الكبير، 27: الشَّهيدة مطرونة التَّسالونيكيّة، النبيّ حنانيا، المديح الكبير، 28: البارّ إيلاريون الجديد.
لِمَن تُغنّي الطُيور
حين صام موسى أربعين يومًا في الجبل (خروج ٢٤: ١٨)، نال الوصايا مخطوطةً بيد الله على لوحَي الشريعة لشعبه المختار.
وأمّا الكنيسة فتصوم اليوم في العالم لتشهد على نعمة التبنّي الحاصلة بعمل الربّ الخلاصيّ، ولكي تشارك بالصلاة والصوم غلبة المسيح القائم من بين الأموات.
يأتي الصوم ربيعًا للنفوس، إذ معه ندخل الربيع الطبيعيّ، موسم قيامة بعد شتاءٍ بارد؛ تتفتّح الزهور ونبدأ "بسماع العصافير مع بزوغ النهار، وهذا خلقه الله محبّةً فينا، لنرى أنّه من الضروريّ في هذا الفرح أن نغفر ونسامح، أن نتخطّى هذا الحاجز الذي بيننا وبين الآخر، فنشعر بوجود الله فينا ونفهم معنى الحياة الحقيقيّ، نأخذ قوّة أكبر من قوّتنا الضعيفة لنتحمّل كلّ شيءٍ بفرح" (من كلمة المطران أفرام في صلاة الغفران، دير مار مخايل ٢٠٢٦).
حين يتقبّل المؤمن محبّة الله في صميم نفسه، يتطاير بالعشق الإلهيّ، ويسبّح مُمجّدًا مع الملائكة، مغرّدًا مع العصافير، حتّى في الحزن والألم، وفي حربه الداخليّة اللّامنظورة أو الخارجيّة التي عليه عيش نتائجها القاتلة المريرة بصبرٍ...
تغنّي الطيور فجرًا لتتفتّح خلايا أوراق الشجر، فتتفاعل مع نور الشمس وتحوّله طاقةً للنموّ photosynthèse.
كذلك البشر يسمعون ترداد صوت التغريدfréquence 432Hz، فتترنّم بشمس العدل الشارقة على الأخيار والأشرار، مانحة في الوقت عينه إمكانيّة الغفران والتوبة، المصالحة والعودة إلى حضن الآب.
الملاك بشّر مُتعجّبًا من سرّ التواضع العظيم، كيف يمكن للخالق أن يولَد في خليقته؟ كيف يتنازل العَليّ ليُنهِضَ الساقط، لينقله من التراب إلى الروح.
الشجرة تُثمِر، وكذلك النعمة في النفس القابلة لها والمتفاعلة معها، ثمرها ثمر حياةٍ أبديّة ينقل إلى الملكوت، يضع الإنسان في قلب الله؛ فيصير التغريدُ أنشودةً، والبشارةُ كلمةً مُتجسّدة، والسُلّمُ أداةً ترفع التائب ليدرك عمق محبّة الله حينها "تُلاشي النفسُ في عذوبة الله مرارة الخصام بالكلّيّة" (القدّيس ذياذوخس، ١٥، مائة مقالة في المعرفة الروحيّة)، حينها تتصالح كلّ الخليقة وتُمسي الأرضُ سماءً.
طروباريّة القيامة باللحن الثامن
إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامَتنا، يا ربّ المجد لك.
طروباريّة القدّيس يوحنا السلّميّ باللحن الثامن
للبرَّيّة غَير المُثمرة بمجاري دُموعِك أمْرعتَ، وبالتنهُّداتِ التي منَ الأعماق أثمرْتَ بأتعابِك إلى مئةِ ضِعفٍ، فَصِرتَ كَوكَبًا للمَسْكونةِ مُتلألئًا بالعجائب يا أبانا البارَّ يوحنّا. فتشفَّع إلى المسيح الإله في خلاصِ نفوسِنا.
القنداق باللحن الثامن
إنّي أنا عبدكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُندِيَّة محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقذةٍ مِنَ الشدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّة التي لا تُحارب أعتقيني من صُنوفِ الشَّدائدِ، حتّى أصرُخ إليكِ: إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
الرسالة: عب 6: 13-20
الربُّ يُعطي قوّةً لشَعبِه
قدّموا للربّ يا ابناءَ الله
يا إخوة، إنَّ الله لما وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لم يُمكِن أن يُقسِمَ بما هُوَ أعظَمُ منهُ، أقسَمَ بنفسِهِ قائلًا: لأباركَنَّكَ بركةً وأُكثِّرنَّكَ تكثيرًا. وذاك إذ تَأنّى نالَ الموعد. وإنّما الناسُ يُقسِمونَ بما هُوَ أعظَمُ منهمُ، وتنْقَضي كلُّ مُشاجرَةٍ بينَهم بالقَسَم للتَثْبيتِ. فَلِذلك، لمّا شاءَ اللهُ أنْ يَزيد وَرَثة الموعِد بيانًا لعدم تَحوُّل عزْمِهِ، توسَّط بالقسَم حتّى نَحصُلَ، بأمْرين لا يتحوّلان ولا يُمكِن أن يُخِلف اللهُ فيهما، على تعْزيَةٍ قويّة نحنُ الذين التجأنا إلى التمسُّكِ بالرَجاءِ الموضوع أمامَنا، الذي هو لنا كَمِرساةٍ للنَفْسِ أمينةٍ راسِخة تَدْخُلُ إلى داخلِ الحِجاب حيث دَخَل يسوعُ كسابقٍ لنا، وقَدْ صارَ على رُتبةِ مليكصادَق، رئيسَ كهنةٍ إلى الأبَدِ.
الإنجيل: مر 9: 17-31
في ذلك الزمان، دنا إلى يسوع إنسانٌ وسَجدَ له قائلًا: يا مُعَلِّمُ قد أتيْتُك بابْني بِه روحٌ ْأبْكَم، وحيثما أخذهُ يصرَعُهُ فيُزبْدُ ويصرِفُ بأسنانه وَييبَس. وقد سألتُ تلاميذَكَ أن يُخرجوهُ فلم يَقدِروا. فأجابَهُ قائلًا: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن، إلى متى أكونُ عِندَكُم، حتّى متى أحتْمِلُكُم؟ هَلمَّ بهِ إليَّ. فأتوهُ بهِ. فلما رآهُ للوَقتِ صَرَعَهُ الروحُ فسَقَطَ على الأرض يَتَمَرَّغُ ويُزبدُ. فسأل أباهُ: منذ كَمْ مِنَ الزمان أصابَهُ هذا؟ فقالَ: مُنذُ صِباهُ، وكثيرًا ما ألقاهُ في النار وفي المياهِ ليُهلِكَهُ، لكنْ إنّ استَطَعْتَ شيئًا فَتَحَنَّنْ علينا وأغِثنا. فقال لَهُ يسوعُ: إن استَطَعْتَ أن تُؤمِنَ فكُلُّ شيءٍ مُستطاعٌ للمؤمِن. فصاحَ أبو الصبيّ مِنْ ساعَتِه بدموع وقالَ: إنّي أُومِنُ يا سيِّد، فأغِث عَدَم إيماني.
فلمّا رأى يسوعُ أنَّ الجميعَ يتبادَرون إليهِ انتهَرَ الروحَ النجِسَ قائلًا لَهُ: أَيُّها الروحُ الأبْكمُ الأصَمُّ، أنا آمُرُكَ أن أخرُج مِنهُ ولا تعُدْ تَدخُلُ فيه، فصرَخَ وخبَطهُ كثيرًا وخرجَ مِنهُ فصارَ كالميت، حتّى قال كثيرون إنَّه قدْ ماتَ. فأخذَ يسوعُ بيدِه وأنهضه فقام. ولما دخل بيتًا سأله تلاميذه على انفراد: لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: إنّ هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلّا بالصلاة والصوم. ولمّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يرد أن يدري أحد، فإنّه كان يعلِّم تلاميذه ويقول لهم: إنّ ابن البشر يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث.
حول الرسالة
مِرساة حياتنا
يَأتينا اليومَ رسولُ الأمم في رسالته، بالدعوة لنَتَمَسّك بالرجاء، أقوياء ثابتين فالربّ بتجسّده أصبح مِرساةً لنفوسنا. إنّها صورة رائعة، المرساة تُلقى إلى أعماق المياه لتثبّت السفينة فيشعر المبحرون بالطمأنينة والأمان.
إنّها طمأنينة وَليدَةُ الثقة بقوّةِ مرساة مادّيّة يُعلّق عليها البحارة آمالهم وأمانيهم ورجاءهم بثباتها وعدم انفلاتها مهما اشتدّت الأنواء والعواصف، فيرجعون إلى ديارهم سالمين.
مرساة أرضيّة، غرض مادّيّ يبعث كلّ هذا الأمل والرجاء، فكيف الحال بمرساة تفوق الطبيعة، غير مادّيّة ثابتة لا تهتزّ ولا تتزعزع؟
نحن أبناء ملك السلام منبع الأمان والراحة، نسلك في هذه الحياة، وأجسادنا هي السفينة التي تضربها الرياح وتحرّكها يمينًا وشمالًا. إنّها رياح التجارب تعصِفُ بالإنسان في كلّ لحظة ولا شيء يُثبّتنا في وجهها إلّا مرساتنا القويّة المثبّتة في أعالي السماوات، لترفعنا من أعماق الخطيئة وتنجينا من أهوال التجارب والمحن.
إنّها مرساة إلهيّة، إنّها الربّ يسوع المسيح الذي لبس جِبلتنا البشريّة ومنحنا الأمل والرجاء بإمكانيّة ظفرنا بالحياة الأبديّة وكَسبِ الملكوت.
إنّه ظَفَرٌ مرهونٌ بإرادتنا، مرهون بمدى تشبّثنا بهذا الرجاء وهذا الأمل، ومدى إيماننا بصلابة مرساتنا، فنواجه تجارب العمر الحاضر براحة وأمان ويقين بأنّ لنا أبًا في السماء يهتمّ بنا.
أمّا إذا شَكَكنا وتراخَينا فسنسقط ونهلك أمام أبسط التجارب والضيقات، حينئذٍ تسحبنا أهواؤنا وشرورنا بعيدًا جدًّا في أعماق الضياع والضلال.
الإنسان العاقل يبني بيته على الصخر، ونحن يجب أن نبني نفوسنا وأجسادنا على صخرة عظيمة. هذه الصخرة هي الربّ يسوع الذي دخل إلى الحجاب بالجسد كسابق لنا، ليُدخلنا من بعده. جاء وأرانا الطريق "أنا هو الطريق والحقّ والحياة" كما قال لفيلبّس.
طريقنا واضح رسمه لنا ملك المجد، إنّه طريق الرحمة والتسامح، طريق المحبّة والتواضع والسلام، طريق العفّة والنقاوة.
طريقٌ لا يُمكِنُنا سلوكه إلّا متى ألقَينا رجاءَنا على الربّ وعلى مسيحه.
فمتى تمسّكنا بمرساتنا الإلهيّة، عندها فقط نتعالى عن كلّ الشهوات والأهواء الدنيويّة، مُحرِقينَ ذواتنا كذبيحةٍ عطرة ٍلنكون مِثلَ سيّدنا الذي قدّم ذاته على الصليب من أجلنا ليمنحنا الحياة الأبديّة، فلا نحترق بنار الخطيئة ولا تُغرقنا تجارب الدهر الحاضر.
لِنَتَمسّك ونحن نجتاز هذا الصوم المبارك، بمرساتنا وكلّنا يقين بأنّ ربّان حياتنا لن يتخلّى عنّا أبدًا، وبأنّه سيقود سفينتنا الى برِّ الأمان فَنعبرَ هذه الحياة بكلّ ما فيها من هموم ومتاعب بنجاح ونعود بعد إبحارٍ طويل إلى مينائنا الأبديّ ونسجد أمام عرش الربّ الذي له وحده المجد والإكرام والسجود إلى أبد الدهور، آمين.
الإمساك في الروحانيّة الأرثوذكسيّة
نقيم اليومَ في الأحد الرابع من الصوم تذكار القدّيس يوحنّا السلّميّ، الذي ترك لنا كتاب "السلّم إلى الله".
وقد وضعت الكنيسة تلاوة فصل من الإنجيل المقدّس ينتهي بهذه الجملة المهمّة والعميقة: "هذا الجنس (الشيطان) لا يخرج إلّا بالصلاة والصوم" (مرقس 9، 17-39).
بيّن لنا الآباء ناظمو كتاب التريوديّ (الذي نستخدمه في الصوم الأربعينيّ) في بداية الصوم الأربعينيّ كيف نُترجم هذه الآية بما كتبه السلّميّ، كما يلي:
"هلّم نبادر إلى تذليل البشرة بالإمساك، إذ نحن مُقبلون نحو مشهد الصيام الإلهيّ" (البروصوميا الأولى في غروب أحد الغفران). إذًا كلّ العمل النسكيّ الذي نقوم به في الصوم، والذي هو أساس السلّم نحو الله كما أشار إليه القدّيس يوحنّا السلّميّ هو "الإمساك"، engkrateia، أيّ الانضباط،maitrise de soi.
ماذا يعني الإمساك؟ ما هو الإمساك في الروحانيّة الأرثوذكسيّة؟
بدءًا، الإمساك هو الإمساك عن الأهواء. والهوى هو تعلّق غير عاقل، شهوانيّ بالجسد وراحته ولذّاته ورغباته. لا يعتبر الآباء أنَّ الجسد غير صالح، بل هدفه هو خدمة الروح بانضباط.
أمّا أن يتغلّب الجسد على الروح فهو "عدم الانضباط"، أيّ عدم انضباط هوى الجسد (انفلات الأهواء)، الذي هو مخالف لهدف طبيعتنا البشريّة كما خُلقت أصلًا. لذلك لكي نعود إلى طبيعة آدم في الفردوس، علينا أن نُخضِع الجسد للروح عبر الإمساك أو الإنضباط. وهذا هو هدف التدريب النسكيّ askisis في الصوم: أن يتواضع الجسد لكي يتحرّر من عبوديّة الأهواء، "أن نضبط حركات الجسد" (تيبيكون دير القدّيس سابا).
يقول القدّيس مكسيموس المعترف إنّه "من دون النسك ومن دون إمساك دقيق stricte، من المستحيل أن تخضع أهواء البشرة عند الذي يَبغي العيش بتقوى" (تفسير المزمور 59). من أقوال الآباء الشيوخ إنّ "الجسد يقوى عندما تضعف النفس، أمّا النفس فتنتعش وتنمو عندما يضعف الجسد" (الأنبا دانيال).
أيضًا، إنَّ التعب هو قانون البشريّة الساقطة (عرق الجبين)، فكلّ من يريد أن يأكل عليه أن يعمل بجهدٍ وتعب. الأمر ينطبق على العمل الروحيّ أيضًا، الذي يحتاج إلى تعب روحيّ وجسديّ، "عرقٌ في النسك"، كما يقول القدّيس غريغوريوس السينائيّ "كلّ عمل جسديّ أو روحيّ لا يتضمّن التعب والجهاد لا يُمكن أن يُثمر... والعمل الروحيّ يحتاج إلى عرقٍ لكي نحصل على راحة في العالم الآخر" (الفيلوكاليا).
لذلك في الصوم الكبير بخاصّة، علينا أن "نصلب" روحيًّا الجسد وأهواءه، لكي نَغلِب مع المسيح شريعة الموت الموجودة في الجسد:
"هلمّ لنصلب أعضاءنا بالإمساك ونتيقّظ في الصلوات، ونتصرّف مقتفين آثار المتألّم والمُميت الآلام" (الأودية الثالثة من القانون الأوّل من سحر الأربعاء من الأسبوع الأوّل).
إنّ النسك الأرثوذكسيّ هو خريستولوجيّ بعمق (يتعلّق بشخص المسيح)، لأنّ هدفه هو الدخول في "حياة المسيح".
فالمسيح وحده بتجسّده، بحسب القدّيس مكسيموس المعترف، عكس الألم والشهوة التي كان الإنسان مقيَّدًا بها منذ سقطة آدم.
بالقيامة لم يعد الألم وليد الخطيئة، بل بالعكس أصبح مبدأ النسك والأتعاب التي يختارها الإنسان ويفعلها بحرّيّته، لأنّه في هذا الألم الطوعيّ (الإمساك) يصل إلى القيامة.
يعلّمنا القدّيس مكسيموس المعترف أنّه "عندما عصى آدم وصيّة الله، صارت اللذّة مبدأ ولادة البشر والألم هو المنتهى، لأنّ باللذّة تأتي بذرة الولادة وبالألم الموت.
أمّا المسيح بسبب طاعته وهب البشر ولادة أخرى روحيّة، تبتدئ بالألم في التعب من أجل الفضيلة، وتنتهي بالفرح والراحة.
لهذا السبب لم يتجسّد المسيح من بذرة لأنّه لا يجوز عليه الموت الذي سببه الألم المتأتّي من اللذّة.
ولكن تجسّد المسيح لأجلنا نحن المُدانين، حتّى يكون موته هو موت موتنا وسبب عدم فسادنا" (عن التجسّد الإلهيّ).
يؤكّد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم أنّه "بالإمساك، أيّ بضبط الجسد، تصبح النفس خفيفة، تتحرّر، ويصبح لها أجنحة تصعد بها إلى السماء بالصلاة" (تفسير إنجيل متّى).
فعمل الإمساك praxis هو باب معاينة الله theoria: "يا نفس إنّ السلّم التي رآها قديمًا المعظّم في رؤساء الآباء (يعقوب) هي رمز الصعود العمليّ praxis والارتقاء العلميّ theoria، فإنْ شئت أن تستسيري بالعمل والعلم فتتجدّدي" (الأودية الرابعة من القنون الكبير للقديس أندراوس الكريتي).
ميّز الآباء بحكمةٍ أنّ النسك يُتعب الجسد ولكن لا يقتله، كما يقول الأنبا بيمين "ليس علينا أن نقتل الجسد بل أهواءنا"، ولكن يحوِّل النسك قدرة الشهوة الملتصقة بالجسد والأرض إلى شهوة ورغبة وشوق إلى الله وإلى السماء.
فيصبح لنا من خلال النسك والإمساك قوّة أن نحبّ الجمال غير المخلوق، ونتخطّى محبّة الأمور المخلوقة الجسديّة.
إنّ الإمساك، بحسب القدّيسين مكاريوس الكبير ويوحنّا السلّميّ وغريغوريوس بالاماس، يجمع الروح والقلب حيث هي النفس، وهكذا يتوحّد الإنسان فيتأمّل الله في قلبه ويصعد نحوه ويحصل على النعمة المُحيِيَة بحسب طبيعته ويقوم قبل القيامة.
يشرح ذلك القدّيس مكسيموس المعترف في كتابه عن المحبّة قائلًا: "عبر المحبّة نكبح القوّة الغضبيّة للنفس، عبر الإمساك نُميت القوّة الشهوانيّة، وعبر الصلاة ننمّي القوّة العقلانيّة، وبهؤلاء الثلاثة يستنير العقل" (400 قول عن المحبة).
يشدّد القديس مكاريوس الكبير على أنّ دلائل الإنسان المسيحيّ الأصيل هي حربه ضدّ القوّات الشيطانيّة وضدّ أهوائه (المقالات الخمسين)، لذلك الصوم الأربعينيّ هو الوقت المحدّد بشكل خاصّ في السنة حين تحتدّ وتقوى هذه الحرب الروحيّة، "قد وافى الآن أوان الجهادات وميدان الصيام، فلنبتدئ به جميعنا بنشاط، مقدّمين للربّ الفضائل كهدايا" (الأودية الأولى من قانون سحر الأسبوع الأوّل)، وأيضًا "لنبتدئنَّ أوان الصوم بحبور باذلين ذواتنا للجهادات الروحانيّة، وننقِّ النفس، ونطهّر الجسد صائمين عن الآلام (الأهواء) كصومنا عن الأغذية،
متنعّمين بفضائل الروح، التي إذا تمّمناها بشوقٍ نستحقّ مشاهدة آلام المسيح الإله الكلّيّة الوقار، ونعاين الفصح المقّدس مبتهجين ابتهاجًا روحيًّا" (بروصوميا غروب أحد الغفران).
فَلْنسعَ يا أحبّة إلى ذلك، فالوقت ليس متأخّرًا، لأنّ الإمساك هو السلاح الأساسيّ الذي يسمح للمؤمن أن يحرز الغلبة على الشياطين والأهواء، فيشترك في الأسبوع العظيم ويقوم مع المسيح غالباً، آمين.