الأحد 15 شباط 2026
12 شباط 2026
الأحد 15 شباط 2026
العدد 7
أحد مرفع اللحم
اللحن الثالث، الإيوثينا الثالثة
أعياد الأسوع:
15
: أونيسيموس أحد الرُّسل السَّبعين، البارّ أفسابيوس، 16: الشَّهيد بمفيلس ورفقته، 17: العظيم في الشُّهداء ثاورذورُس التَّيروني، 18: لاون بابا روميّة، أغابيتوس السِّينائي، 19: الرَّسول أرخيبّس، البارّة فيلوثاي الأثينائيَّة، 20: لاون أسقُف قطاني، الأب بيساريون، 21: تذكار جامع للآباء الأبرار، البارّ تيموثاوس، أفستاثيوس الإنطاكيّ
.
أحد الدينونة
الدينونة تحثّنا على التوبة. معنى حياتنا كلّه كامن في ضرورة تهيئتنا للحياة الأبديّة، دون أن نتعلّق بالحياة الأرضيّة في سبيل تأمين سعادة ما
.
هذا المقطع الإنجيليّ (متّى 25: 31-46) يحثّنا بشدّة على أن نهتمّ بالقريب وبخدمته. هذه الخدمة
La Charité، عملُ الإنسان، هما ما يشكّل العنصر الأساسيّ في أوان الدينونة
.
الصوم كلّه لا نفعَ له إن لم يكن مرافقًا بعمل الإحسان وبمحبّة القريب. سوف نُدان على مثل هذه المحبّة الإحسانيّة تجاه القريب المحتاج "كلّ ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتم" (متّى 25: 40)
.
لقد اتّخذ المسيح الطبيعة البشريّة، لذا فهو يتماهى مع كلّ إنسان. لذا أيضًا يجب على كلّ إحسان، على كلّ محبّة أن تُمارس على كلّ إنسان مُعوز مهما كانت صفته الدينيّة
.
من يحسن إلى إنسان مُعوز، فهو يُحسن ويخدم الربّ يسوع نفسَه. في هذا الإنجيل يوضح النصّ أنّ هؤلاء المُحسَنِ إليهم في المسيح هم في الطليعة المُعوزون والفقراء والمرضى
.
يعلّمنا هذا المقطع الإنجيليّ أن نلتقي بالمسيح شخصيًّا عندما نلتقي واحدًا من هؤلاء الفقراء أو المرضى أو المحبوسين أو العريانين
.
أعود وأقول إنّ وجودنا لا ينتهي بالموت على الأرض لأنّنا خُلقنا للأبديّة
L’éternité. الحياة على هذه الأرض ما هي إلاّ اختبار
épreuve، تهيئة لحياة أخرى أبديّة
.
على هذه الأرض يُبنى الحكم على أساس محبّتنا للإخوة. محبّة الله مرتبطة بمحبّة الإخوة
.
يقول القدّيس يوحنّا: الله هو محبّة
Dieu est Amour (1 يو 4: 8
).
علينا أن نرى المسيحَ في كلّ واحد، أن لا نتسرّع في الحكم على أحد. لنا أن نتهيّأ للصوم الذي يقودنا إلى الفصح. الفصح هذا ما هو إلّا تذوّق سابق
Avant Gout لهذا اليوم الأخير الذي فيه يأتي المسيح ظافرًا ويبقى معنا إلى الأبد. آمين
.
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن الثالث
لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزًّا بساعدِه، ووطِئَ الموتَ بالموتِ، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقدنا من جوفِ الجحيم، ومنح العالم الرحمةَ العُظمى
.
قنداق أحد مرفع اللحم باللحن الأوّل
إذا أتيتَ يا الله على الأرضِ بمجدٍ، فترتعدُ منكَ البرايا بأسرها، ونهرُ النارِ يجري أمامَ المِنبر، والكتبُ تفتحُ والأفكار تشَهَّر. فنجِّني من النار التي لا تطفأ، وأهِّلني للوقوف عن يمينِك، أيُّها الدَّيانُ العادِل
.
الرسالة: 1 كو 8: 8-13، 9: 1-2
قُوَّتي وتَسْبِحَتي الربُّ
أدبًا أدَّبَني الربُّ، وإلى المَوْتِ لَمْ يُسلمني
يا إخوة، إنّ الطعامَ لا يقرِّبُنا إلى الله، فإنّنا إن أكلنا لا نزيدُ، وإن لم نأكل لا ننقُص. ولكنْ انظروا ألّا يكونَ سلطانُكم هذا مَعثرةً للضعفاء. لأنّه إن رآك أحدٌ يا من له العِلمُ، مُتَّكِئًا في بيتِ الأوثان، أفلا يتقوّى ضميرُه، وهو ضعيفٌ، على أكلِ ذبائح الأوثان، فيهلكُ بسببِ عِلْمك الأخُ الضعيفُ الذي مات المسيحُ لأجلِه. وهكذا، إذ تخطِئون إلى الإخوةِ وتجرحون ضمائرَهم وهي ضعيفة، إنما تُخطئِون إلى المسيح. فلذلك، إن كان الطعامُ يُشَكِّكُ أخي فلا آكلُ لحمًا إلى الأبد لئلّا أُشكِّكَ أخي. ألستُ أنا رسولًا. ألستُ أنا حُرًّا. أما رأيتُ يسوعَ المسيحَ ربَّنا؟ ألستم أنتم عملي في الربّ. وإن لم أكن رسولًا إلى الآخرين فإنّي رسولٌ إليكم، لأنّ خاتَمَ رسالتي هو أنتم في الربّ
.
الإنجيل: متّى 25: 31-46
قال الربُّ: متى جاءَ ابنُ البشر في مجده وجميعُ الملائكةِ القدّيسين معه، فحينئذٍ يجلس على عرش مجدِه، وتُجمَعُ إليه كلُّ الأمم، فيميِّزُ بعضَهم من بعضٍ كما يميِّزُ الراعي الخرافَ من الجِداء. ويقيمُ الخرافَ عن يمينه والجِداءَ عن يسارِه. حينئذٍ يقول الملكُ للذين عن يمينه: تعالوا يا مبارَكي أبي، رِثوا المُلكَ المُعَدَّ لكم منذ إنشاء العالم، لأنّي جُعتُ فأطعمتموني، وعطِشتُ فسقيتموني، وكنتُ غريبًا فآوَيتموني، وعريانًا فكسَوتموني، ومريضًا فعُدتموني، ومحبوسًا فأتيتم إليّ. يُجيبه الصدّيقون قائلين يا ربُّ متى رأيناك جائعًا فأطعَمناك، أو عطشانًا فسقيناك، ومتى رأيناكَ غريبًا فآوَيناك، أو عُريانًا فكسَوناك، ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتينا إليك. فيُجيبُ الملكُ ويقولُ لهم: الحقَّ أقولُ لكم، بما أنَّكم فعلتم ذلك بأحدِ إخوتي هؤلاء الصِّغار فبي فعلتُموه. حينئذٍ يقولُ أيضًا للذين عن يسارِه، اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديّة المُعدَّةِ لإبليسَ وملائكتِه، لأنّي جُعتُ فلم تطعِموني، وعطِشتُ فلم تسقوني، وكنتُ غريبًا فلم تؤووني وعُريانًا فلم تكسوني، ومريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني. حينئذٍ يُجيبونَه هم أيضًا قائلين: يا ربُّ متى رأيناكَ جائعًا أو غريبًا أو عُريانًا أو مَريضًا أو مَحبوسًا ولم نخدُمْك. حينئذٍ يُجيبُهم قائلًا: الحقَّ أقولُ لكم، بما أنَّكم لم تفعلوا ذلك بأحدِ هؤلاء الصِّغار فبي لم تفعلوه. فيذهبُ هؤلاءِ إلى العَذابِ الأبديّ، والصِدّيقونَ إلى الحياةِ الأبديّة
.
في الإنجيل
يسمّى هذا الأحد "أحد مرفع اللحم" لأنّ بعده يبدأ صوم محدود هو الامتناع عن أكل اللحم. وهذا المنع الذي وضعته الكنيسة يجب أن يُفهم في ضوء التهيئة للصوم. لقد بدأت الكنيسة تعدّنا للجهد الكبير الذي تنتظره منّا بعد سبعة أيّام. إنّها تدخلنا تدريجيًّا إلى هذا المجهود مدركة ضعفنا وهزالنا الروحيّ
.
في صباح السبت (سبت مرفع اللحم) تدعونا الكنيسة إلى الذكرى العامّة لجميع الذين "رقدوا على رجاء القيامة والحياة الأبديّة". إنّه في الواقع يوم الكنيسة العظيم للصلاة من أجل أعضائها الراقدين. كي نفهم معنى هذا الربط بين الصوم والصلاة من أجل الراقدين، علينا أن نتذكّر أنّ المسيحيّة هي ديانة المحبّة. فالمسيح لم يترك لتلاميذه عقيدة خلاص فرديّ ولكن وصيّة جديدة "أن يحبّوا بعضهم بعضًا"، وقد أضاف "بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعض لبعض". وهكذا فالمحبّة هي الأساس، الحياة الجوهريّة للكنيسة التي هي حسب القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ "وحدة الإيمان والمحبّة". والخطيئة هي دائمًا غياب المحبّة
وبالتالي إنفصال وإنعزال. والحياة الجديدة التي أعطانا إيّاها المسيح والتي أوصلتها إلينا الكنيسة هي قبل كلّ شيء حياة مصالحة، "الجمع إلى واحد جميع المشتّتين"، وإعادة المحبّة التي حطّمتها الخطيئة. فكيف نستطيع أن نعود إلى الله ونبدأ مصالحتنا معه إذا كنّا لم نعد، في أنفسنا، إلى وصيّة المحبّة الفريدة؟ فالصلاة من أجل الراقدين هي تعبير جوهريّ عن الكنيسة كمحبّة. إنّنا نطلب من الله أن يذكر الذين نذكرهم، ونحن نذكرهم لأنّنا نحبّهم. وإذ نصلّي من أجلهم فنحن نلقاهم في المسيح الذي هو محبّة، والذي بما أنّه محبّة يغلب الموت الذي هو ذروة الانفصال واللامحبّة. في المسيح لا فرق بين الأحياء والأموات لأنّ الجميع هم أحياء فيه. إنّه الحياة وهذه الحياة هي نور الإنسان. وإذ نحبّ المسيح، نحبّ جميع الذين فيه، وإذ نحبّ الذين فيه فنحن نحبّ المسيح. هذا هو قانون الكنيسة وهذا هو الأساس المنطقيّ الواضح لصلاتها من أجل الراقدين. لأنّه بالحقيقة حبّنا للمسيح الذي يبقيهم أحياء ويحفظهم فيه
.
المحبّة أيضًا هي موضوع أحد مرفع اللحم، وإنجيل هذا الأحد هو مثل المسيح عن الدينونة الأخيرة (متّى 25: 31-46). عندما يأتي المسيح ليديننا، ما هو مقياس دينونته؟ الإنجيل يجيب: المحبّة ليست محض اهتمام إنسانيّ بعدالة مجرّدة و"فقير" مجهول، بل محبّة شخصيّة وملموسة لأشخاص حقيقيّين، أي لأشخاص يضعهم الله في طريقي. وهذا التمييز مهمّ جدًّا في أيّامنا لأنّه يتكاثر عدد المسيحيّين الذين يميلون إلى مطابقة المحبّة المسيحيّة مع الاهتمامات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وبكلمة أخرى، إنّهم ينتقلون من الشخص الفريد ومصيره الشخصيّ الفريد إلى مقولات بلا هويّة مثل الطبقة والجنس و... هذا لا يعني أنّ هذه الاهتمامات خاطئة. إنّه واضح أنّ المسيحيّين كمواطنين مدعوّون إلى الاهتمام بأقصى طاقاتهم بإقامة مجتمع عادل تسوده الأخوّة والمساواة. كلّ هذا ينبع من المسيحيّة وقد توحي به المحبّة المسيحيّة. ولكنّ المحبّة المسيحيّة بحدّ ذاتها هي شيء مختلف. ويجب علينا أن نفهم هذا الاختلاف وأن نبقيه إذا أردنا أن نحافظ على الكنيسة وعلى فرادة رسالتها وليس أن تصبح مجرّد مؤسّسة اجتماعيّة، الأمر الذي يخالف الجوهر بالكلّيّة
.
بين الموتِ والتَّعزية!
إلى من فقدوا أحبّاءَ لهم!
كلّنا اختبرنا ألمَ رحيلِ من نحبُّهم، سيَّما في الموت الفجائيّ، عندها يأتي الأصدقاءُ والمعارف والمحبُّونَ لتخفيفِ الـمُصابِ وللتَّعزية، لكنْ سريعًا نكتشفُ أنْ لا تعزية بشريّة أمام الموت، مهما كثُرَ المعزُّونِ ومهما كثُرَت تعزياتهم، وأنْ وحدَها التعزية الإلهيّة المنسكبة من لدنِ الآب، بالرُّوح القدس المعزِّي، تعزِّي النفسَ الحزينة، وتداوي جرحها وألمها
.
ولأنَّ المحبّة هي صفةُ مسيحيَّتِنا، ونعمةُ المسيحِ المعطاةُ لنا، فبهذه المحبّة نسند بعضنا بعضًا، وفيها تكمُنُ التعزية الحقيقيّة في لحظةِ التَّجربةِ القاسية، شرط أن نقدِّمَها بحكمةٍ، منتبهين إلى النَّواحي التالية
:
في الأيّام الأولى، عندما نفقدُ أحبّاءَ لنا، يكون الشعور بالحزنِ والصدمةِ قويًّا جدًّا، إلى درجةِ عدمِ التَّصديق أنَّ من نحبُّه قد رحل! وتكون هذه المرحلة من أصعبِ المراحل علينا وليس سهلًا تجاوزها واجتيازها
.
الأمر الآخر هو أنّه صعبٌ جدًّا أن ندركَ حكمةَ اللهِ فيما حصل! وقد نُدركها بعد زمن! لذلك نشعرُ أحيانًا بأنّنا نريد أن نعاتب الربّ! فليَكُنْ ولنفعَل، ولنسكب دموعَنا عند أقدامه ولدى العذراء دون خوفٍ، ولنا مثال في ذلك، ما فعلته مرتا أخت لعازر عندما عاتَبَت الربّ قائلةً له: "لو كنت ههنا لم يمت أخي!" (يو11: 21)، والربّ لم ينزعج منها، ولن ينزعج منَّا، بل بمحبّته لنا سينحني على ألمنا، ويقول لنا ما قاله لمرتا: "أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا" (يو11: 25). نعم، في قسوة الموت نختبر شخصيًّا حنان الله ومحبّته! فعند قبر لعازر "بكى يسوع" (يو11: 35)
.
قليلون جدًّا هم الأشخاص الذين سيفهمون حزننا! لأنَّ معظمهم، وبسبب طيبِ نيَّتهم، يريدون أن ينتزعونا من حزننا بكلماتٍ كهذه: المؤمن لا يحزن... يجب أن تقبلوا إرادة الله... قريبكم الراقد لا يريد أن يراكم حزانى... وغير ذلك من الكلام الذي لا يريح النفس بل يزيد من ألمها
.
إنَّ التصرُّف الحكيم الذي يريح النفس، هو أن نعطي الحزنَ وقتًا، كما نعطي الفرحَ وقتًا، فالذين رحلوا عنَّا يستحقّون أن نحزن عليهم ونبكي لخسارتهم، فَهُمْ لحمُنا ودُمنا وجزءٌ من حياتنا
.
مع تقبُّلِ مفهومِ الحزنِ هذا، يكون مفيدًا جدًّا، بل ولازمًا لنا، أن لا نكبتَ مشاعرَنا، وأن نجد من يُصغي إلينا بصمتٍ وتفهُّمٍ عميقين، فنكشفَ مشاعرَنا ونتكلَّم عليها أمام من عنده المحبّة والصبر والحكمة
.
ونحن بدورنا إذا أردنا أن نواسي أحدًا، فلنكُن مُصغينَ، وإذا تكلَّمنا فلنتكلَّم بكلامٍ روحيّ من الإنجيل المقدَّس، ومن الآباء القدِّيسين، لأنَّ مقاطع الإنجيل التي تتحدَّث عن قيامة الأموات، كقيامة لعازر وابنة يايرس وابن أرملة نائين، وقيامة الربّ، تكشف لنا حقيقةَ أنَّ الموت هو مجرَّد نوم ورقاد طويل ليس إلّا، وتمنحنا يقينيَّةَ استمرارِ حياة من رقد، رغم خلعه لباس الجسد، وأنّه حيٌّ عند الربّ مع العذراء والقدّيسين
.
هذا كلُّه متوَّجًا بحقيقةِ قيامة الربّ يسوع المسيح، الذي غلبَ الموت، والغالبَ كلَّ موتٍ فينا، ينقلنا رويدًا رويدًا إلى أن نعاين نورَ القيامة في نفوسنا، ونتأكد أنَّ أحبّاءنا الراقدين هم قائمون في المسيح حقًّا، فيسكن السلامُ والتَّعزيةُ والفرحُ في قلوبنا، ونعاين روحيًّا أورشليمَ السماويّة حيث "سيمسح الله كلَّ دمعةٍ من عيونهم، والموتُ لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزنٌ ولا صراخٌ ولا وجعٌ في ما بعد، لأنَّ الأمور الأولى قد مضت" (رؤ21: 4)، آمين
.
العرس السماويّ
السَّهْرانيّة هي من عمق الإيمان المسيحيّ يتوافد إليها المؤمنون عِطاشًا إلى مياه الحياة، ويُبدع المرتّلون في أدائهم، ويصطفّون في جوقتين يرتّلون ويُسبّحون، فتصدح حناجرهم بألحان مهيبة، ويرتفعون إلى عالم سماويّ متجسّد، ويرتفع معهم المؤمنون، فنخال للحظة أنّ السماء قد فُتِحَت، ولا نعود ندري إن كنّا على الأرض أم في السموات، كأنّنا بذلك نقرأ ما كتبه بولس الرسول: «فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ» (أفسس 2: 19)
.
السَّهْرانيّة تذوّقٌ مسبق للملكوت، يذكّرنا بهويّتنا الأولى، وموطننا الأوّل، ومقصد وجودنا في هذه الحياة العابرة
.
هي بضع ساعات نجتازها خلال يومٍ ونبدأ يومًا جديدًا: إنّها عبورٌ إلى النور الإلهيّ غير المخلوق
.
قد يغفو المرء لبرهة على لحنٍ ويستفيق على لحنٍ آخر، كأنّه في رحلةٍ ملكوتيّة. وبقدر ما يتمعّن الإنسان بالكلمات وبكلّ ما يجري، يكتشف أنّ كلّ ما هو أرضيّ فانٍ وزائل، ولا قيمة له أمام الجمال الإلهيّ. ويبقى أن نكون جميلين على مستوى الحدث المنشود، فنرجع إلى ذواتنا، ونبكي على خطايانا، ونتوب، ونسعى إلى ولادة جديدة بالربّ يسوع المسيح لأنّ هذا هو هدف السهرانيّة، الاجتماع معًا لنرتفع معًا مع إلهنا الذي انحدر نحونا ليقيمنا معه من قبر خطايانا
.
لا نور في السهرانيّة إلّا من بعض الشموع، فتبدو الوجوه كظلالٍ متراصّة لأشخاصٍ يجلسون ويقفون ويسجدون جنبًا إلى جنب. هنا يموت التمييز بين شخصٍ وآخر، فالموجودون هم واحد، لأنّهم أصلًا واحد، خلقهم الربّ ليكونوا واحدًا فيه
.
طعم السهرانيّة يبقى في النفوس، ويترك سلامًا ليس من هذا العالم. وعندما تنتهي ليتورجيًّا، تبقى حاضرة في القلوب، لتذكّرها أنّ خفقانها ليس لتعداد أيّام وأشهر وسنين كأرقام، بل لتجعلنا عاملين لحياةٍ أبديّة
.
إنّ الانتقال في السهرانيّة من لحنٍ إلى آخر، ومن صلاةٍ إلى أخرى، ومن ترتيبٍ إلى ترتيب، ما هو إلّا صورة مسبقة للانتقال من مجدٍ إلى مجد، إذا ذهبنا فعلًا إلى العمق اللاهوتيّ، ينمو عشقنا ليسوع الذي عشقنا أوّلًا، وتجسّد وصُلِب وفدانا بدمه ليحرّرنا ويعيد إلينا الصورة الإلهيّة التي أُظلِمَت بالخطيئة
.
السهرانيّة هي عُرسٌ إلهيّ مع العريس، لأنّنا أبناء العريس السماويّ
.
إلى الربّ نطلب