الأحد 19 نيسان 2026

الأحد 19 نيسان 2026

15 نيسان 2026
الأحد 19 نيسان 2026
العدد 16
أحد توما
الإيوثينا الأولى


أعياد الأسبوع:

19: الشَّهيد في الكهنة بفنوتيوس، 20: البارّ ثاوذوروس الشعريّ، أنستاسيوس بطريرك إنطاكيّة، المعترف زكّا العشّار، 21: الشَّهيد في الكهنة ينواريوس ورفقته، أنستاسيوس السينائيّ، 22: ثاوذوروس السِّيقيّ، الرَّسول نثنائيل، 23: العظيم في الشُّهداء جاورجيوس اللاَّبس الظّفر، 24: البارَّة أليصابات العجائبيَّة، الشَّهيد سابا، 25: الرَّسول مرقس الإنجيليّ.

أحد توما
(يو 20: 19- 31)

"فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ، لَمَّا أَبْصَرُوا الرَّبَّ"

أطلق اليهود لفظة سبت كتسمية للأسبوع كلّه إنطلاقًا من أقدس أيّامه. في عشيّة اليوم الأوّل من السبوت، أو من الأسبوع، وتعني عشيّة يوم الأحد. يأتي المسيح ليلًا وليس في النهار، حتّى يكون التلاميذ متواجدين ومجتمعين، وباعتبار أنَّ الخوف يملؤهم بسبب اليهود، يدخل المسيح إليهم والأبواب مغلقة، من دون أن يقرع الأبواب، ومن دون أن يثير مخاوفهم. 

يقف في الوسط بحيث يراه الجميع بوضوح ويقول لهم: "السلام لكم"، ويريهم يديه وجنبه، يفهم التلاميذ كلماته ويسمعون نبرة صوته العذبة ويرون جراحاته، ما نلحظه هو ردّة الفعل الأولى للتلاميذ، وهي: الفرح. لا بدّ من أنَّهم تذكّروا خطابه الوداعيّ لهم قبل أن يخونه يهوذا في بستان الزيتون، لَمّا قال لهم: "بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل" (مت 26: 32). 

لا بدَّ من أنَّهم على الفور تيقَّنوا من كلمات مريم المجدليّة وما طلبه الربّ منها عندما رأته هي ومريم الأخرى، وقال لهما: "لا تخافا، اذهبا وقولا لإخوتي ليذهبوا إلى الجليل، وهناك يرونني" (مت 28: 10). 

ولا بدّ من أنَّها أخبرتهم عن الملاكين وحدَّثتهم عن لقائها يسوع ورسالته لهم. ولا بدّ من أنَّهم تذكّروا كيف أنَّه مشى على سطح المياه، وكيف أقام لعازر من بين الأموات. 
لهذا لم يضطربوا ولم يظنّوه خيالًا، بل على الفور اعتراهم الفرح. كحال العاشق الذي ينتظر بقلق وتوتّر أن يرى معشوقه. 
هذا الفرح يكشف أيضًا أنَّهم كانوا في حالة ترقّب وقلق، بانتظار ربّهم وسيّدهم المسيح.
هذا الفرح، فرح لقاء يسوع، كيف لنا أن نعيشه، أن نختبره، وأن نتذوّقه نحن الذين نعيش في العالم وفي كلّ همومه واهتماماته واضطراباته؟ 

لا بدَّ لنا من علّيّة على غرار الرسل، نجتمع فيها ونوصد الأبواب بإحكام أمام الكثير من مغريات هذا الدهر، التي تُلهينا عن المسيح، أو تُبعدنا عنه. 

لا بُدَّ من مبادرة الجرأة والشجاعة في أن نقول: "لا"، لكلّ ما يُطفئ حرارة المسيح في داخلنا. ثانيًا، علينا أن نثق وأن نؤمن بأنَّ المسيح، ولو لم نَرَهُ، فهو يرانا، وهو حاضر في حياتنا، ليس المطلوب من المسيح أن يظهر بـأمّ العين حتَّى نراه ونهدأ، بل المطلوب أن نكون نحن دومًا في حضرته أينما كُنَّا: في البيت أو في العمل أو الغرفة...إلخ. 

من يؤمن بالمسيح، يؤمن بأنَّ المسيح يراه أينما كان، وواجبي أن أكون لائقًا أمام عينيه، اللتين تتبعانني كيفما تحرّكت، إن تمكَّنّا من أن نقف في حضرة المسيح، سيحضر المسيح إلينا. 
من هنا كان إيليَّا النبيّ يقول: "حيُّ هو الربُّ الذي أنا واقفٌ أمامه" (2 مل 3: 14). كانت وقفة إيليا النبيّ في كلّ مكان هي ذاتها، كما لو كان في حضرة الربّ.

وهكذا نحن علينا أن نكون في كلّ مكان، كما لو كنّا نقف في الكنيسة أمام أيقونة الربّ يسوع. بانتظاره نتشوّق إليه، آنذاك سيخترق كلّ الجدران وسيكّلمنا، سيحضر إلينا، طالما أصبح لديه مكان رصين مُهيّأ له في قلوبنا. 

الربّ يسوع ليس بعيدًا على الإطلاق، ويشتاق إلى أن يجالسنا أكثر بكثير ممّا نشتاق نحن إلى مجالسته، ولكنّنا نحن من لا نساعده، ولا نهيِّئ له مكانًا حتّى يجلس فيه. 
من يترقَّب الربّ بلهفة، يلقاه الربّ ويمنحه سلامه وفرحه، له المجد إلى أبد الدهور، آمين.

+ يعقوب
متروبوليت بوينس آيرس وسائر الأرجنتين

طروباريّة الأحد الجديد باللحن السابع

إذ كان القبرُ مختومًا أشرقتَ منه أيّها الحياة، ولما كانتِ الأبوابُ مغلقة، وافيتَ التلاميذَ أيّها المسيحُ الإلهُ قيامةُ الكلّ. وجدّدتَ لنا بهم روحًا مستقيمًا، بحسب عظيم رحمتك.

القنداق باللحن الثامن

ولئن كنتَ نزلتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إلّا أنَّك درستَ قوّةَ الجحيم، وقُمتَ غالبًا أيُّها المسيحُ الإله، وللنسوةِ حاملاتِ الطيب قُلتَ افرحنَ، ولِرسلِكَ وَهبتَ السلام، يا مانح الواقعينَ القيام.

الرسالة: أع 5: 12-20
عظيم هو ربُّنا وعظيمة هي قوّته

سبِّحوا الربَّ فإنَّه صالِحٌ

في تلكَ الأيّام جَرَتْ على أيدي الرُّسُل آياتٌ وعَجائبُ كثيرةٌ في الشَّعب. (وكانوا كلُّهُم بِنَفْسٍ واحِدَةِ في رِواقِ سُليمان، ولم يكُنْ أحَدٌ من الآخَرينَ يَجترِئُ أنْ يُخالِطَهُمْ. لكنْ كانَ الشَّعبُ يُعظِّمُهمُ. وكانَ جماعاتٌ مِنْ رجال ونِساء ينضَمُّونَ بِكَثَرَة مُؤمِنينَ بالربِّ) حتّى إنَّ الناسَ كانوا يَخرُجونَ بالمرضى إلى الشَّوارِع ويضعونهُم على فرُشٍ وأَسِرَّةِ ليَقَعَ ولَوْ ظِلُّ بطرسَ عنِدَ اجتيازِهِ على بعْضٍ منهم. وكانِ يجْتمِعُ أيضًا إلى أورَشَليمَ جُمهورُ المدُنِ التي حوْلها يَحمِلون مرضًى ومعذَّبينَ مِنْ أرواح نَجِسة. فكانوا يشفونَ جَميعُهُم. فقامَ رئيسُ الكهَنةِ وكلُّ الذينَ معهُ وهُمْ مِن شيعَةِ الصدُّوقِيّينَ، وامتلأوا غَيرةً، فألقوا أيدِيَهُم على الرسُلِ وجَعَلوهُم في الحبسِ العامّ، ففَتَحَ ملاكُ الربِّ أبوابَ السِّجنِ ليلًا وأخرَجَهُم وقالَ امْضُوا وَقفِوا في الهيكلِ وكَلِّموا الشَّعبَ بِجميع كلِماتِ هذه الحياة.

الإنجيل: يو 20: 19-31

لمّا كانت عَشيَّة ذلِكَ اليومِ، وَهُوَ أوَّلُ الأُسبوع والأَبوابُ مُغلَقةٌ حيثُ كانَ التلاميذُ مجتمِعينَ خوفًا مِنَ اليهودِ، جاءَ يسوعُ ووقفَ في الوَسْط وقالَ لَهم: السلامُ لكم. فلمَّا قالَ هذا أراهم يَدَيهِ وجَنبَهُ. ففرِحَ التلاميذُ حينَ أبصَروا الربَّ وقال لهم ثانية: السلامُ لكم. كما أرسَلني الآبُ كذلكَ أنَا أرسِلُكم. ولما قالَ هذا نَفَخَ فيهم وقالَ لهم خذوا الروحَ القُدُسَ، مَن غفرتُم خطاياهم تُغْفَرْ لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَتْ. أمَّا توما أحَدُ الاثنيَ عشرَ الذي يقالُ لهُ التوأَمُ فلم يكنْ معَهم حينَ جاءَ يسوع. فقالَ لهُ التلاميذُ الآخرونَ إنَّنا قد رأيْنا الربَّ. فقالَ لهُم إنْ لم أُعايِنْ أثرَ المساميرِ في يدَيْهِ وأضَعْ إصبَعي في أثرِ المساميرِ وأضَعْ يدي في جَنبِهِ لا أُومنِ، وبعدَ ثمانيةِ أيّامٍ كانَ تلاميذهُ أيضًا داخِلًا وتوما معَهم، فأتى يسوعُ والأبوابُ مُغلقَة، ووقفَ في الوَسْطِ وقالَ السلامُ لكم. ثمَّ قالَ لتوما: هاتِ إصبَعَكَ إلى ههنا وعَاينْ يَدَيَّ. وهاتِ يَدَكَ وضَعها في جَنبي ولا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمنًا.
أجابَ توما وقالَ لهُ رَبّي وإلهي. قالَ لهُ يسوعُ لأنَّكَ رأيتني آمنت. طوبى للذينَ لَمْ يَرَوا وآمنَوا. وآياتٍ أُخرَ كثيرة صَنَعَ يسوعُ أمامَ تلاميذِهِ لم تكتَبْ في هذا الكتاب، وأمَّا هذهِ فقد كتبَتْ لتُؤمِنوا بأنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله. ولكي تكونَ لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمِهِ.

في الإنجيل

نقرأ في إنجيلِ اليومِ عن لِقاءَينِ لِلرَّبِّ يسوعَ القائمِ مِن بينِ الأموات معَ تلاميذِهِ الأقربِين. 
كانَ اللِّقاءُ الأوّلُ عشيّةَ يومِ القيامة (الأحد)، واللِّقاءُ الثّاني عشيّةَ الأحدِ الّذي يَلِيه (بعدَ ثمانيةِ أيّام).
في ظُهُورِهِ الأوّل، كان التّلاميذُ مجتمعِينَ خَوفًا مِنَ اليَهود؛ لأنّ ما جرى في الأيّامِ السّابقة لم يَكن سَهلًا عليهم: 

تسليمُ الربّ ومحاكمتُه وجلدُه وجرّه إلى الصّليب وصَلبُه... رغمَ إطلاعِهِ إيّاهُم مُسبَقًا على أنّ هذه سوفَ تحدث، لم يَكُن الأمرُ سَهلًا عليهم، فهربوا، ثُمّ عادوا وتَلاقَوا، فاختبأوا خوفًا مُغلِقينَ الأبواب.

أوّلُ عَجَبٍ تَمَّ في هذا اللِّقاءِ هو دُخولُ الرَّبِّ النّاهضِ من الأموات والأبوابُ مُغلَقة. هذه أوّلُ إشارةٍ إلى أنّ جسدَهُ لم يَعُدْ محدودًا، بل صارَ "مُمَجَّدًا". 
إنّه جسدُنا القيامِيّ. فالمسيحُ باكورَةٌ، ونحنُ سنكونُ على صُورَتِهِ بعدَ أن نَدخُلَ القبرَ ويَنحَلَّ جسدُنا التُّرابِيّ. 

سننهضُ بجسدٍ كهذا الجسدِ الّذي ظهرَ الرّبُّ فيه بعدَ القيامة: جسدٍ رُوحانيٍّ يتغلّبُ على محدوديّةِ المادّة، كاملٍ، بَهِيِّ الجَمال، لا يحتاجُ إلى طعامٍ وَشَراب، وَلَئنِ احتفظَ بآثارِ الجِراح.
ليسَ غريبًا على الّذي حَلّ في رَحِمِ العذراءِ وَوُلِدَ منها وأبقاها عذراء مختومة، أن يَخرُجَ من القبرِ وهوَ مختوم، وأن يدخُلَ إلى المنزلِ والأبوابُ مُغلَقة.

كان اللِّقاءُ الأوّلُ يومَ الأحد، وهوَ اليومُ الثّامِنُ، عِلمًا أنّ الأُسبوعَ سبعةُ أيّام. القيامةُ تتخطّى الزَّمَن، لِذلكَ صنعَ لنا الرَّبُّ سَبتًا جديدًا، لا يومَ سَبتٍ، بَل يومًا يتخطّى السّبتَ الناموسيّ، يَومًا أُخرَوِيًّا، نتعلّمُ منه أن نَرنُوَ دائمًا إلى ما بعدَ هذه الأرض، إلى ما بعدَ هذهِ الحياة الوقتيّة. 

يومُ الأحدِ هو اليومُ الجديدُ الّذي صنعَهُ الرَّبُّ بِمُعجِزَةِ قيامتِهِ المجيدة.
أوّلُ ما تفوّهَ بهِ الرَّبُّ في هذا اللِّقاء: "السَّلامُ لَكُم". 

ليسَ هذا الكلامُ مجرّدَ تحيّةٍ عاديّة، بل هو بَرَكَةٌ إلهيّةٌ تحملُ قُوّةَ القيامة. اللهُ يعطينا السّلامَ الدّاخليّ. 

سلامُ المسيحِ ليسَ كسَلامِ العالَمِ الباطل. لذلكَ يقولُ النّصُّ إنَّ التّلاميذَ فَرِحوا بِهذا اللِّقاء وهذا السَّلام. فَرِحوا بِحُضُورِ الرَّبِّ في وسطِهم، كما سبقَ أن قالَ لَهُم: "سأراكُم فتفرحُ قلوبُكُم، ولا يَنزِعُ أحدٌ فرحَكُم منكُم" (يو 22:16).
أراهُم يدَيهِ وَجَنبَهُ لِيَطمئنّوا أنّه هو يَسُوعُ المصلوبُ نفسُه.. هذا هو جسدُهُ.. 
هذه آثارُ الجراح في يدَيهِ وجنبِه. ستبقى هذه الجراحُ إلى الأبدِ شهادةً حيّةً على قيامتِه، وعلامةً لِحُبِّهِ الإلهيِّ العجيب.

في اللِّقاءِ الأوّل لم يَكُن توما مع رفاقِه، وقد كان هذا بتدبيرٍ مِنَ الرَّبّ. لذلكَ تشوّقَ توما إلى اللِّقاءِ الثّاني، لأنّه هو أيضًا يحتاجُ إلى لِقاءِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ القائمِ بِمَجد، لِيَنالَ سلامَهُ ويَفرَحَ كَزُمَلائِه. 

لا يستطيعُ أن يستغنيَ عن بَرَكتِهِ الإلهيّة، وعن نفختِهِ الّتي ستجعلُ مِنهُ رَسُولًا حقًّا. توما أيضًا إنسانٌ ضعيفٌ تُساوِرُهُ الشُّكُوك، ويحتاجُ إلى قُوّةٍ يستمدُّها مِنَ الرَّبِّ الإله. 

لذلكَ لم يَعُدْ بِحاجةٍ إلى وضعِ يدِهِ في آثارِ المسامير، ولا إلى نقاشٍ وإقناع، بل آمنَ بمجرَّدِ رؤيتِهِ المصلوبَ القائمَ من الموت، وصرخَ بِتَوبةٍ وإيمانٍ عميقَين: رَبّي وإلهي، أي أنتَ هو رَبِّي وإلهي، ولا شيءَ في الدّنيا سيفصلُني عنكَ وعن الإيمانِ بكَ، وعن الشَّهادةِ لكَ حتّى الموت.

موضوعُ هذه التّلاوةِ إذًا هوَ الإيمان "وآياتٍ أُخَرَ كثيرةً صنعَ يسوعُ قدّامَ تلاميذِهِ لَم تُكتَبْ في هذا الكتاب، وأمّا هذه فقد كُتِبَتْ لِتُؤمِنُوا بأنَّ يَسوعَ هُوَ المسيحُ ابنُ الله، ولكي تَكُونَ لَكُم إذا آمَنتُمْ حياةٌ بِاسمِه".

الرَّسُولُ تُوما إذًا هُوَ نموذَجٌ لِكُلِّ واحدٍ مِنّا. فمهما ساورَتْنا الشُّكوكُ وحارَبَتنا التّجارب، فَلْنتمسَّكْ بالإيمانِ بِيَسوعَ المسيحِ الّذي قامَ حقًّا لِيَمنحَنا الحياةَ الأبديّة.
ليس كُلُّ إيمانٍ يُعطي الحياةَ الأبديّة، بل الإيمانُ بِمَن هُوَ الحياةُ الأبديّة، يُعطيها. لَهُ المجدُ معَ أبيهِ وَرُوحِهِ الكُلِّيّ قُدسُه إلى الأبد. آمين.


"كلمة الله لا تُقيّد"

نقرأ في رسالة اليوم أنَّ رئيس الكهنة والذين معه ألقوا أيديهم على الرسل وجعلوهم في الحبس، ففتح ملاك الرّب أبواب السجن ليلا وأخرجهم وقال امضوا وقفوا في الهيكل وكلّموا الشعب بكلمات هذه الحياة" 

من الأسس التي امتاز بها الرسل في بشارتهم عن المسيح القائم من بين الأموات أنّهم كانوا ينطقون بالكلمة الإلهيّة وبهذا كانت الكلمة المنطوق بها فاعلة ومجدّدة، مدركين أنَّ الدين إذا انقلب إلى شريعةٍ تقتل وصايا الله، تموت بشارة الملكوت الحاصل. فهم لم يأتوا بدينٍ وإنّما بشّروا بقوّة الحياة التي في المسيح يسوع.

لقد أدرك الرسل أنّ الكلمة المتجسّد والقائم من بين الأموات الذي ينادون به هو يحفظهم لذا تفانَوا في اتّباعه وقبلوا أن يحتملوا الضيقات من أجلنا، كانوا مسيحيّين بالفعل والقول، فكانت هويّتهم أن أصبحوا فم الله بين الأمم، وكان تفانيهم وتكريس ذواتهم للخدمة وتواضعهم هو السهم الذي يصيب قلوب الآخرين.

لقد أدرك الرسل القدّيسون أنَّ كلمة الله لا تقيَّد فهي فاعلة دومًا وأبدًا، وهي تحمل الحقّ الذي يحرّر تابعيه، ألم يقل الربّ يسوع عن نفسه "أنا هو الطريق والحقّ والحياة؟" لذا واجهوا التحدّيات دون خوف أو تقاعس لينقلوا حبًّا وبذلًا كلمات الحياة إلى الناس، كانوا فرحين "لأنّهم وُجدوا أهلاً لأن يلقوا الهوان من أجل اسمه، مستعدّين للموت لينقلوا كلمة الحياة على غرار معلّمهم وسيّدهم.

إنَّ الأمانة للإيمان الذي حمله الرسل ونقلوه لنا تطّلبت شهادة منهم فتحمّلوا الاضطهادات والضرب والجلد والسجن والموت دون أن تؤثّر كلّ هذه على محبّتهم لمضطهديهم، بل بالعكس تألموا أكثر من أجلهم فحملوهم بصلواتهم وقلوبهم.

اليوم العالم يشدّنا أكثر فأكثر إلى الانغلاق على ذواتنا بمقياس الطوائف والديانات، وتتجلّى هزالة الإيمان بالخوف من الآخر، وبالتالي أصبح الآخر موضع رفضٍ وعداوةٍ، وبهذا سقطت كلّ أقنعة زيف الكثير من المدعوّين مسيحيّين.

القدّيس مكسيموس المعترف يذكّرنا بتعاليمه بما يجب أن نكون عليه فيقول:
"كما أنّك إن تذكّرت النار أو كتبتَ فقط كلمة النار لا تشعر بالدفء، هكذا لا يكفي أن تحمل اسم مسيحيّ كي تخلص، وإنّما إن عملت أعمال المحبّة المسيحيّة".

لك أن تفكّر كما تشاء، وتتصرّف كما تشاء ولك مطلق الحرّيّة في ما تشاء، لكن حذارِ أن تسعى لتقييد كلمة الله للتوافق مع أهوائك وآرائك ورغباتك فبدلًا من أن تتحوّل أنت إليها فإنّك بذلك تطفئ الروح الذي فيك وتخسر نفسك وتقبع في سجنٍ لا يدخله سلامٌ ولا ملاك.