الأحد 14 حزيران 2026
11 حزيران 2026
الأحد 14 حزيران 2026
العدد 24
الأحد الثاني بعد العنصرة
اللحن الأوّل، الإيوثينا الثانية
أعياد الأسبوع:
14: النبيّ أليشع، مثوديوس رئيس أساقفة القسطنطينيّة، تذكار جامع للآباء الأنطاكيّين والآثوسيّين، * 15: النبيّ عاموص، البارّ إيرونيمس، * 16: تيخن أسقُف أماثوس، * 17: الشُّهداء إيسفروس ورفقته، الشُّهداء مانوئيل وصابل وإسمعيل، * 18: الشُّهداء لاونديوس ورفقته، * 19: الرَّسول يهوذا نسيب الربِّ، باييسيوس الكبير، * 20: مثوديوس أسقُف بتارُن، نيقولاوس كباسيلاس.
قداسة متجذّرة في تاريخ الكنيسة الحيّ
في الأحد الثاني بعد عيد العنصرة المقدّسة، تحتفل كنيستنا الروميّة الأرثوذكسيّة بتذكارٍ عزيز على قلبها، هو تذكار جميع القدّيسين الأنطاكيّين.
هذا العيد ليس مجرّد استعادة لأسماء من الماضي، بل هو إعلان حيّ عن ثمرة حلول الروح القدس في أرض أنطاكية، وعن إستمراريّة القداسة في حياة الكنيسة عبر الأجيال.
فأنطاكية، بحسب سفر أعمال الرسل، هي الموضع الذي «دُعي فيه التلاميذ مسيحيّين أوّلًا» (أع 11: 26). منها انطلقت الكرازة الرسوليّة إلى أقاصي المسكونة، وعلى أرضها تجذّرت بشارة الخلاص، وتشكّلت هويّة الكنيسة الجامعة. لذلك صارت أنطاكية أمًّا للكنائس، ومهدًا للشهادة، ومنارةً للاهوت والعبادة والحياة الليتورجيّة.
ويجمع هذا التذكار طيفًا واسعًا من الشهود: الرسل والتلاميذ، الشهداء والمعترفين، الآباء والمعلمين، الرعاة والرهبان، والمؤمنين البسطاء الذين عاشوا الإنجيل بأمانة في حياتهم اليوميّة.
من القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ حامل الله، إلى القدّيس يوحنّا فم الذهب، إلى القدّيس رومانوس المرنّم، وصولًا إلى قدّيسين معاصرين شهدوا للإيمان وسط المحن، جميعهم يشكّلون جسدًا واحدًا في المسيح.
ويذكّرنا هذا العيد بأنّ القداسة ليست امتيازًا لفئة أو زمن مضى، بل هي دعوة موجّهة إلى كلّ مؤمن نال نعمة الروح القدس في المعموديّة والميرون.
فالقدّيسون لم يكونوا أناسًا خارقين، بل بشرًا أحبّوا الله من كلّ قلوبهم، وحوّلوا ضعفهم إلى قوّة باتّحادهم بالمسيح.
وفي هذا الأحد، تضعنا الكنيسة أمام إنجيل التطويبات، لتؤكّد أنّ طريق القداسة عمليّ وواضح: فقر الروح، الطهارة، الرحمة، صنع السلام، واحتمال الاضطهاد من أجل الحقّ.
هكذا عاش قدّيسونا، وهكذا نُدعى نحن أيضًا إلى أن نعيش، لنكون امتدادًا حيًّا لكنيسة أنطاكية، لا بالانتماء التاريخيّ فقط، بل بالشهادة اليوميّة.
نسأل الربّ، بشفاعة جميع قدّيسيه الأنطاكيّين، أن يحفظ كنيستنا، ويقوّي أبناءها، ويجعلنا أهلًا لأن نُحسب مع الذين أرضوه بسيرتهم.
الأسقف ققسطنطين +
رئيس دير مار الياس شويّا البطريركيّ
طروباريّة القيامة باللحن الأول
إنّ الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدك الطاهر حُفظ من الجند، قمتَ في اليوم الثالثِ أيّها المخلّص مانحًا العالم الحياة. لذلك، قوّاتُ السماوات هتفوا إليك يا واهب الحياة: المجدُ لقيامتك أيّها المسيح، المجدُ لمُلككَ، المجدُ لتدبيرك يا مُحبَّ البشر وحدك.
القنداق باللحن الثاني
يا شفيعة المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأسرَعي في الطلبةِ يا والدةَ الإلهِ المتَشفعةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة رو 2: 10-16
لتكُن يا ربُّ رحمتُكَ علينا
ابتهجوا أيُّها الصدّيقون بالربّ
يا إخوةُ، المجدُ والكرامَةُ والسلامُ لكلِّ مَن يفعَلُ الخيرَ من اليهودِ أوّلًا ثمَّ من اليونانيّين، لأنَّ ليسَ عندَ اللهِ محاباةٌ للوجوه. فكلُّ الذين أخطأُوا بدونِ الناموسِ فبدون الناموس يهلِكُون وكلُّ الذين أخطأُوا في الناموسِ فبالناموسِ يُدانون، لأنَّهُ ليسَ السامِعونَ للناموسِ هم أبرارًا عندَ الله بل العامِلونَ بالناموسِ هم يُبرَّرون. فإنَّ الأممَ الذينَ ليسَ عندهم الناموس إذا عملوا بالطبيعة بما هو في الناموس فهؤلاء وإن لم يكن عندهم الناموس فهم ناموسٌ لأنفسهم الذين يُظهرونَ عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم وضميرُهم شاهدٌ وأفكارُهم تشكو أو تحتَجُّ فيما بينها، يومَ يدينُ الله سرائرَ النّاس بحسَبِ إنجيلي بيسوعَ المسيح.
الإنجيل: متّى 4: 18-23 (متى 2)
في ذلك الزمان، فيما كان يسوع ماشيًا على شاطئ بحرِ الجليل رأى أخَوَين وهما سمعانُ المدعوُّ بطرس وأندَراوسُ أخوهُ يُلقيانِ شبكةً في البحر (لأنَّهما كانا صيَّادَين). فقال لهما هلمَّ ورائي فأجعلَكما صيَّادي الناس. فللوقتِ تركا الشباكَ وتبعاهُ. وجاز من هناك فرأى أخَوَينِ آخرَينِ وهما يعقوبُ بنُ زبَدَى ويوحنَّا أخوهُ في سفينةٍ معَ أبيهما زبَدَى يُصلِحانِ شباكَهما فدعاهما. وللوقتِ تركا السفينَةَ وأباهُما وتبعاهُ. وكانَ يسوع يطوف الجليلَ كلَّه يعلّم في مجامعهم ويكرزُ ببشارةِ الملكوتِ ويَشفي كلَّ مرضٍ وكلَّ ضَعفٍ في الشعب.
في الإنجيل
يُظهر لنا هذا المقطع الإنجيليّ بداية دعوة التلاميذ الأوائل، وهي دعوة تحمل في طيّاتها رسالةً لكلِّ مؤمن في كلِّ زمان. فالمسيح لم يختر تلاميذه من بين أصحاب النفوذ أو العلماء، بل دعا صيّادين بسطاء كانوا يمارسون عملهم اليوميّ بأمانة. وهكذا يكشف لنا أنّ الله يلتقي الإنسان في واقع حياته العاديّة، ويحوّل أعماله البسيطة إلى طريقٍ للخدمة والشهادة.
إنّ استجابة بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنّا كانت فوريّة وحاسمة. فقد تركوا الشِّباك والسفينة،
بل ترك بعضهم أباه أيضًا، وتبعوا الربّ دون تردّد. لا يعني هذا أنّ المسيحيّ مدعوّ دائمًا إلى ترك عمله أو عائلته، بل إلى أن يجعل المسيح في المقام الأوّل من حياته، وأن يكون مستعدًّا للتخلّي عن كلّ ما يعيقه عن السير في طريق الملكوت.
وعندما قال الربّ: «أجعلكما صيّادي النّاس»، لم يُلغِ خبرتهم السابقة، بل أعطاها معنًى جديدًا.
فكما كان الصيّاد يجتهد ليلتقط السمك من البحر، هكذا صار التلميذ مدعوًّا إلى اجتذاب البشر إلى نور الإنجيل، لا بالقوّة أو الإكراه، بل بالمحبّة والشهادة الصالحة والكلمة المملوءة نعمةً.
ويختتم الإنجيليّ المشهد بوصف خدمة يسوع في الجليل: يعلِّم ويكرز ويشفي. فالمسيح لا يكتفي بإعلان الحقيقة، بل يلمس جراح الإنسان ويشفي ضعفه. وهنا تتجلّى رسالة الكنيسة أيضًا: أن تحمل كلمة الإنجيل إلى العالم، وأن ترافق الإنسان في آلامه واحتياجاته، شاهدةً لحضور الله المحبّ والخلاصيّ.
إنّ هذا الإنجيل يدعونا إلى الإصغاء لصوت المسيح عندما يمرّ في حياتنا، وإلى الثقة به كما وثق التلاميذ الأوائل، فنترك ما يقيّدنا وننطلق معه في مسيرة الإيمان، لنصبح نحن أيضًا شهودًا لملكوته في عالمنا.
إنجيل متّى إنجيل الوصايا بامتياز
1. تدوينات عديدة لأقوال ليسوع ولأعمال له
لدينا عدّة شهادات تؤكّد وجود تدوينات عديدة لأقوال ليسوع ولأعمال له، أوّلها فاتحة إنجيل لوقا: " 1 إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ."، وثانيها شهادة لبابياس أسقف هيرابوليس على تدوينة لـ "أقوال" (Logia) يسوع بالآراميّة قام بها متّى الرسول (وقد يكون ماتيا الذي اختير بدلًا من يهوذا، برأي البعض). كما وصلتنا تجميعة متأخّرة من 114 مقطعًا، منفسدة بالتعاليم الغنوصيّة وهي ما يُسمّى بـ "إنجيل توما". هذا بالإضافة إلى ما يُعرف بـ "إنجيل العبرانيّين" الذي كان معتمَدًا عند مسيحيّين من أصل يهوديّ.
2. إنجيل مرقس الإنجيل الأوّل
إنجيل مرقس هو المدوّنة الأولى التي قبلتها الكنيسة كـ "إنجيل".
و"الإنجيل" (أي "البُشرى") يتميّز عن مجرّد تجميعة لأقوال يسوع بأمرين: أ. إنّه يتضمّن مسرى رسالة يسوع الخلاصيّة منذ بدايتها بمعموديّته وحتّى ختامها بموته وقيامته؛ ب. إنّه "بُشرى" بالخلاص الذي أتمّه الله بالمسيح يسوع، خلاصًا للجميع يهودًا وأمميّين. هذا الخلاص الذي سبق أن أعلن عنه الله في ناموس موسى والأنبياء والمزامير.
والإطار الذي وضعه مرقس لمسرى خدمة يسوع التبشيريّة هو: 1. الرسالة في الجليل، مع جولات في المناطق الأمميّة المجاورة (نواحي صور وصيدا، الضفّة الشرقيّة لبحيرة طبريّا ولنهر الأردن)، 2. طريق الصعود إلى أورشليم عبر أريحا، 3. دخول احتفاليّ ورسالة قصيرة في أورشليم، 4. العشاء الفصحيّ وموته وقيامته.
وهذا الإطار سيعتمده لوقا ومتّى؛ فيما سيعتمد يوحنّا إطارًا مختلفًا.
وقد ضمّن مرقس إنجيله مجموعة قليلة من "التجميعات التعليميّة" (أو "الخطب") تُشكّل حوالي 16 % من إنجيله (109 آيات من أصل 661).
3. إنجيل متّى إنجيل الوصايا بامتياز
إنجيل متّى آخر الأناجيل الإزائيّة، وهو يعتمد في الجزء الذي يتناول إتمام يسوع لرسالته المسيحانيّة (الإصحاحات 3 ـ 28) على إنجيل مرقس كأحد مصادره الرئيسيّة. فيما أضاف في البداية إصحاحين يتناولان "بطاقة هويّة يسوع"، كما أضاف في النهاية ظهورات المسيح القائم.
جاء في وصيّة يسوع الختاميّة لتلاميذه: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ».
إنّ متّى إذ اهتمّ بجمع قدر كبير من وصايا يسوع، أورد إضافات عديدة على التجميعات التي أوردها مرقس. فمجموعة الأمثال الـ 39 آية أصبحت 53 آية؛ وتوجيهات الرسالة الـ 7 آيات أصبحت 39؛ وتعليمات السلوك في الجماعة الـ 18 أصبحت 35؛ والخطبة ضد الكتبة الـ 3 آيات أصبحت 36 وأتبعها بتقريع أورشليم؛ والخطاب في دمار أورشليم والمجيء الثاني الـ 36 أصبحت 51 وأتبعها بـ 3 أمثال. وأضاف مثل ربّ الكرم والأجراء. وبدل مثل واحد ضدّ رؤساء اليهود (مثل الكرّامين القتلة) أورد 3 أمثال.
وتبقى أخيرًا "الموعظة على الجبل" لؤلؤة إنجيل متّى (الإصحاحات 3 ـ 5)، التي لا مقابل لها في إنجيل مرقس.
وهكذا فعّل محرّر إنجيل متّى وزنته، وأتمّ مهمّته كـ " كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقًا" (متّى 13: 52).
أقوال الآباء القديسين حول المناولة المتواصلة
إن آباء الكنيسة المشهورين بالفضيلة والحكمة يوصون هم أيضاً بالمناولة المتكررة. فالقديس باسيليوس الكبير يقول مثلاً: "إنه لحسن جداً ومفيد أن يتناول الإنسان كل يوم جسد المسيح ودمه المقدسين، فالسيد قد قال لنا بوضوح: "من يأكلجسدي ويشرب دمي له الحياة الأبدية".
فمن يشك بعد ذلك أن من يشترك بصورة دائمة في الحياة لهو يحيا بصورة متنوعة؟ ونحن (أي المسيحيين القاطنين في منطقة القديس باسيليوس) نتناول الأسرار الطاهرة أربع مرات في الأسبوع، الأحد والأربعاء والجمعة والسبت، وأيام الأعياد".
أما بخصوص الرهبان والعوام في الإسكندرية ومصر، فإن القديس باسيليوس يشهد في نفس الرسالة (93) بأن "الرهبان المقيمين في الصحراء حيث لا يوجد كهنة يحفظون القرابين الطاهرة عندهم ويتناولونها بأنفسهم".
والقديس يوحنا الذهبي الفم في القسم الثالث من رسالته إلى أهل افسس، يندد بالذين يحضرون القداس الإلهي ولا يشتركون في المناولة.
وقد أجاب القديس إيرونيموس عندما سئل عما إذا كان من الضروري أن يتناول المسيحيون كل يوم، بأنه يجب علينا أن نأخذ الأسرار المقدسة دون إنقطاع. كما أن المغبوط أوغسطينوس يقول مخاطباً المسيحيين بأنه واجب عليهم أن يتناولوا كل يوم.
وهكذا فإن كل مسيحي يستطيع أن يستخلص من كلمات معلّمي الكنيسة القديسين التي أوردناها كل الأهمية التي كان يعلقها هؤلاء الآباء والمسيحيون الأولون قاطبة على المناولة المقدسة المتواصلة.