الأحد 5 تشرين الثاني 2023 

الأحد 5 تشرين الثاني 2023 

02 تشرين الثاني 2023
الأحد 5 تشرين الثاني 2023 
العدد 45
الأحد 22 بعد العنصرة
 اللحن الخامس، الإيوثينا الحادية عشرة


أعياد الأسبوع:

5: الشّهيدان غالكتيون وزوجته أبيستيمي، أرماس ورفقته، 6: بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيّة، 7: الشُّهداء الـ 33 المستشهدون في ملطية، لعازر العجائبيّ، 8: عيد جامع لرئيسَي الملائكة ميخائيل وغفرئيل، 9: الشّهيدان أونيسيفورس وبورفيريوس، البارَّة مطرونة، 9: القدّيس نكتاريوس أسقُف المدن الخمس، يوحنَّا القصير، البارَّة ثاوكتيستي، 10: الرُّسل كوارتوس وأولمباس ورفقتهما، الشَّهيد أوريستس، القدّيس أرسانيوس الكبادوكيّ، 11: 11: الشُّهداء ميناس ورفقته، استفاني، ثاوذورس الإسطوذيتيّ.

الأرض تئنّ

هل فكّرتم في كلّ ما يحصل في عالمنا منذ سنوات، ولماذا كلّ هذه الاضطرابات التي تحصل؟ لماذا الأرض ما عادت تُطيق ساكنيها وهذا العالم الجميل أضحى كتلةً لاهبة تُحرقنا؟! 

بالحقيقة إنّ عالمنا يحتضر بسبب جشع الإنسان واستهلاكه لموارد الأرض كلّها نتيجة الطمع، أضف إلى ذلك كثرة مآثمنا التي جعلت قلوبنا حجريّة لا إحساس فيها ولا شفقة.

بسبب خطيئتنا جعلنا الأرض التي ندوسها تهتزّ كأنّها رافضةٌ إثمنا، حتّى الشمس ترفض بشدّةٍ أن تبعث لنا نورها وكأنّها تريد حرقنا طالبةً منّا أن نتوب عمّا اقترفت أيدينا.

نعم إنّ الأرضَ تئنُّ بسبب الإنسان المخلوق على صورة الله الذي شوّه تلك الصورة وعبد المخلوق دون الخالق وأصبح لديه آلهة أخرى تسوسه. 

نعم ما عادت الأرض تُطيق إثم البشر فالهواء والقمر وحتّى البحر كلُّهم ثاروا علينا فأضحى الإنسان رهينة خطيئته يحفر قبره وأضحت هذه الأرض جحيمه ما لم يَتُبْ ويعترفْ أنّ إلهًا خلق السماوات والأرض وكلّ ما فيها كان ولا يزال حسنًا وحسنًا جدًّا (تك ٣١:١).

يقول سفر الحكمة (٣:١٢ -٤) «إِنَّكَ أَبْغَضْتَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِيمًا سُكَّانَ أَرْضِكَ الْمُقَدَّسَةِ، لأَجْلِ أَعْمَالِهِمِ الْمَمْقُوتَةِ لَدَيْكَ مِنَ السِّحْرِ وَذَبَائِحِ الْفُجُورِ»، نعم يا ربّ لقد فاقت أعمالنا أعمال صدوم فلا تُرسل ملاكك لكي يُهلكنا (تك ٢٠:١٨) واغضِ عن صراخ الفجور في هذه الأرض ولا تُهلك البارّ مع الأثيم (تك ٢٣:١٨)، ما زالت هنالك ركبة يا ربّ لم تسجد لبعل. 

نعم لعلّ السنوات التي نعيشها هي الأصعب وسوف تتفاقم الأمور بسبب فجورنا وكبريائنا. إنّ الشيطان مستفحلةٌ أعمالهُ اليوم فهو يزرع الشقاقات والخصومات ونحن أرضٌ قابلة له. الربّ يُنادي ونحن لا نسمع. عالمنا في إعصار واضطراب ولا نريد أن نعترف أنّه بسبب قِصَرِ نظرنا، وقلّة إيماننا، وعدم اتّكالنا على الربّ تأتي علينا هذه المصائب كلّها!

كلّنا مسؤولون، وفي خضمّ هذه الزّوبعة التي نعيش فيها نحن بحاجة إلى الصمت وذرف دموع التوبة صارخين من عمق اليأس: سريعًا تعالَ وأنقذنا من حمأة أعمالنا. نعم سوف نُدان على تقاعسنا، سوف نُدان لأنّنا أنكرنا وجود الخالق وجدّفنا على اسمه القدّوس (مت ٣١:١٢)، سوف نُدان لأنّنا جعلنا من لاشيء إلهًا فتركنا الحقّ وتبعنا الباطل. «لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْارًا، أَبْارًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً» (إرميا ١٣:٢).

مهما تطوّر الإنسان وكَبُرَ شأنُهُ فإنّه لا يُساوي شيئًا في عمق هذا الكون سوى ذرّة من غبار تتطاير في هذا الفضاء الواسع. الدّواء والعلاج الوحيدان هما الاحتكام إلى الصلاة والصوم لإعادة تصويب الأمور. «فدُوَارَ الشَّهْوَةِ يُطِيشُ الْعَقْلَ السَّلِيمَ» (سفر الحكمة ١٢:٤) 

طروباريّة القيامة باللحن الخامس

لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والروح في الأزليّة وعدمِ الابتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهِضَ الموتى بقيامته المجيدة.

القنداق باللحن الثاني

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودِة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة، نَحْنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلبَة، يا والدةَ الإلهِ، المتَشَفّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرسالة: غلا 6: 11-18
خلّص يا ربُّ شعبَك وبارك ميراثَك
إليكَ يا ربُّ أصرخ: إلهي


يا إخوة، انظُروا ما أعظمَ الكتاباتِ التي كتبتُها إليكم بيدي، إنَّ كُلَّ الذينَ يُريدون أن يُرضُوا بحسَبِ الجسَدِ يُلزِمونكم أن تخَتتِنوا، وإنَّما ذلكَ لئلّا يُضطَهدوا من أجلِ صليب المسيح، لأنَّ الذينَ يختَتِنون هُم أنفسُهم لا يحفَظون الناموسَ، بل إنَّما يُريدون أن تَختَتِنوا ليفتَخِروا بأجسادِكم. أمّا أنا فحاشا لي أن افتَخِرَ إلاَّ بصليبِ ربنا يسوعَ المسيحِ الذي بهِ صُلِبَ العالمُ لي وأنا صُلبتُ للعالم. لأنَّه في المسيح يسوعَ ليسَ الخِتانُ بشيء ولا القَلَف بل الخليقةُ الجديدة. وكلُّ الذين يسلُكُون بحسَبِ هذا القانونِ فعليهم سَلامٌ ورَحمةٌ وعلى اسرائيل الله. فلا يجلِبْ عليَّ أحدٌ أتعابًا فيما بعدُ، فإنّي حامِلٌ في جسدي سماتِ الربِّ يسوع. نعمةُ ربِّنا يسوعَ المسيحِ مع روحِكم أيُّها الإخوة. آمين.

الإنجيل: لو 16: 19-31 (لوقا 5)

قال الربّ: كان إنسانٌ غنيٌّ يلبس الأرجوان والبزَّ ويتنعَّم كلَّ يوم تنعُّمًا فاخرًا. وكان مسكينٌ اسمه لعازر مطروحًا عند بابه مصابًا بالقروح، وكان يشتهي أن يشبع من الفتات الذي يسقط من مائدة الغنيّ، فكانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه. ثمّ مات المسكين فنقلَتْهُ الملائكةُ إلى حضن إبراهيم. ومات الغنيّ أيضًا فدُفِن. فرفع عينيه في الجحيم، وهو في العذاب، فرأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى قائلًا: يا أبتِ إبراهيم ارحمني وأرسِلْ لعازر ليغمِّسَ طَرَف إصبعِهِ في الماء ويبرِّدَ لساني لأنّي معذَّب في هذا اللهيب. فقال إبراهيم: تذكَّر يا ابني أنّك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بلاياه. والآن فهو يتعزّى وأنت تتعذَّب. وعلاوة على هذا كلِّه فبيننا وبينكم هوَّةٌ عظيمةٌ قد أُثبِتَت، حتّى أنَّ الذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون، ولا الذين هناك أن يعبروا إلينا. فقال: أسألك إذن يا أبتِ أن ترسله إلى بيت أبي، فإنَّ لي خمسةَ إخوةٍ حتّى يشهد لهم فلا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا. فقال له إبراهيم: إنَّ عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم. قال : لا يا أبتِ إبراهيم، بل إذا مضى إليهم واحدٌ من الأموات يتوبون. فقال له: إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء فإنَّهم ولا إن قام واحدٌ من الأموات يصدّقونه.

في الإنجيل

يطلعنا الربّ يسوع عبر هذا المثل:

- على مصير الإنسان الذي يستغني عن الله، بعد الموت، والذي يعيش لنفسه ولأهوائه، ولا ينظر ولا يعطف على مَن هم حوله، الذي لم توجد رحمة في قلبه، ذلك أنّ انغماسه في قضاء شهواته بفعل أنانيّته، قد أعماه ولم يعد باستطاعته أن يرى المساكين الذين حوله، ولا أن يسمع تعاليم موسى والأنبياء. لا يذكر الربّ اسم هذا الغنيّ، ولكنّه يسمّي المكان الذي سيذهب إليه "الجحيم" حيث ينال العذاب الأبديّ.

- على مصير الإنسان الذي يضع رجاءه واتّكاله على الله، وعدالته تجاه من كان الله معينه، وقد سمّاه يسوع في هذا المثل "لعازر" أي الله معيني"، والذي بفضل تحمّله و"صبره إلى المنتهى" نال الخلاص الأبديّ في حضن إبراهيم. 

- على "هوّة عظيمة قد أثبتت" بين المكانين المتناقضين: مكان الجحيم حيث العذاب، ومكان الراحة في أحضان إبراهيم. والمرعب في أمر هذه الهوّة أن لا أحد يمكنه العبور من جهة إلى أخرى، ولا يمكن للإنسان المنتقل إلى الآخرة اختيار المكان أو تغييره بعد الموت.

وهذا مخيفٌ جدًّا وبخاصّة للذين سيذهبون إلى الجحيم، وهم قد لا يعلمون. لذلك نرى الغنيّ ينصدم لمصيره غير المتوقّع، ويخشى على مصير إخوته الخمسة المحتوم. 

ما هي الحقيقة الأبديّة؟

يشير الربّ يسوع في هذا المثل إلى حقيقة أبديّة وهي: أنّ عدم توجّه الإنسان إلى الله نبعِ الحياة ومانحِها، لا يؤمّن له الحياة والخلاص حتّى ولو كان غنيًّا، "ما أعسر أن يدخل الغنيّ إلى ملكوت السماوات، إنّه أسهل على الجمل أن يدخل من ثقب الإبرة من أن يدخل الغنيّ الملكوت"....
هل يعكس سلوك الإنسان إيمان قلبه؟

سلوك الإنسان على الأرض ينبع ممّا يؤمن به في قلبه، ويحدّد له المصير والمكان الأبديّ الذي سيرحل إليه بعد الموت، فإذا كان القلب يؤمن بالله ويلتهب في محبّته واضعًا رجاءه فيه، فطوبى له لأنّ الله سيخلّصه ويعطيه الحياة الأبديّة. أمّا القلب الفارغ من محبّة الله، فقد حصل على العدم وحكم على نفسه بالموت والعذاب الأبديّين.

ما يزال الكثيرون حتّى يومنا هذا يسلكون مثلما سلك إخوة الغنيّ الخمسة، وبالرغم من قيامة المسيح لم يؤمنوا به ولم يغيّروا حياتهم، كما أوضح إبراهيم للغنيّ: " إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء، فإنّهم ولا إن قام واحد من الأموات يصدّقونه". فلنحرص يا إخوة على أن نغيّر سلوكنا بالتوبة. 

هل من توبة بعد الموت؟

لقد فهمت الكنيسة من خلال هذا المثل أن لا توبة بعد الموت، لذلك نادت بما نادى به الربّ منذ بداية بشارته: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات". والآباء القدّيسون في تعاليمهم يحثّوننا على التوبة قبل فوات الأوان، وعلى جعل التوبة منهجًا أساسيًّا نسلكه في حياتنا اليوميّة. لأنّنا بالتوبة نستطيع العبور من الموت إلى الحياة.

فلننتبه على أنفسنا ولنجاهد تائبين وواضعين رجاءنا على الربّ القائم من بين الأموات الذي بصليبه ردم الهوّة العظيمة لأجل محبّته للبشر.
الأسقف الحقيقيّ بين روح الحقّ وروح العالم

لم يُعطِ الله الكهنوت لشعبه ليكون علّة للافتخار إنّما للشهادة؛ وعلى هذه الشهادة يقوم تعليم العهد الجديد: الموت عن المشيئة الذاتيّة والتوبة، وقمع الأهواء والخطيئة، وحفظ الإيمان المقدّس والتقليد، هي جهادات لكلّ أسقف وكاهن لكي يستحقّ أن يكون كاهنًا ومدبّرًا لأسرار الله. 

فالكاهن يتمّم عملًا أنجزه الله نفسه، وأسلمه لكنيسته لكي تتاجر به وتربح تلك النفوس التي تريد أن تخلص. أوّل عمل للكاهن هو أن يُعرّف العالم بالإله الحقيقيّ وبكنيسته الحقيقيّة، ويفصلهما عن الآلهة الكاذبة والكنائس المزيّفة. 

لأنّ كلّ شيء يعمل اليوم لمزج الإله الحقيقيّ مع الآلهة المزيّفة، والكنيسة الحقيقيّة مع البدع الكاذبة. عمل الخلاص يبدأ بالإيمان، والإيمان يكتمل بالأعمال، والأعمال تتغذّى من التعب النسكيّ ومن أسرار الكنيسة. هذه هي الطريق التي يتقدّس بها الكاهن ويُقدّس شعبه. 

يكذب أولئك الّذين يفصلون الإيمان عن الأعمال؛ الّذين يُشدّدون على الأعمال الصالحة ويهمّشون الإيمان. الله نعاينه بالإيمان، والإيمان الأرثوذكسيّ هو مصدر كلّ الأعمال الصالحة، لأنّه مصدر النعمة الإلهيّة التي تكمّل كلّ عمل حقّ. 

الأسقف الّذي استلم عمل المسيح، يُمارس وظيفته الكهنوتيّة كأبٍ وليس كسيّد. الأسقف هو الأب الروحيّ لكلّ رعيّته، يُعلّمها الإيمان ويرعاها بالمحبّة وإنكار الذات. 

الأسقف المستنير، يعلم يقينًا أنّ خلاص نفسه مرتبط بقوّة بجهاده لخلاص شعبه. لا يمكن أن يخلص من دونهم. عن خلاصهم سيقدّم حسابًا كاملًا لا عن عدد العظات والنشاطات والمؤسّسات التي تعب فيها. 

عمله الأوّل زرع الإيمان الحقيقيّ في نفوسهم، لأنّ بهذا الإيمان يتصوّر المسيح فيهم. أمّا الأسقف أو الكاهن الّذي يُهمل العمل الروحيّ، ويتغذّى من تعداد إنجازاته وأفعاله الفاضلة فإنّه يغرق في أهواء المجد الباطل وحبّ العظمة. وكلّ عمله يُصبح سعيًا ليتصوّر هو في رعيّته لا المسيح.

هل توجد أزمة أسقفيّة في كنيسة هذا الزمن الحاضر حيث يتحوّل دور الأسقف من معلّم في الكنيسة يدعو إلى التوبة وحفظ الإيمان، إيمان القدّيسين الشهداء والمعترفين، إلى أسقف غارق في روح هذا العصر؛ يصنع تلاميذ لهذا الزمن المليء بالارتداد؟ 

روح العصر هي روح المراءاة، لا تطلب عدم الإيمان من أتباعها، إنّما أن يقبلوا كلَّ ما يُنتجه روح العالم؛ بهذه الروح يتفتّت الإيمان الشخصيّ وتثور الأهواء. روح العصر هي روح الزنى والتجديف على الله؛ التفلّت والغرق في الأهواء والشهوات المختلفة وتشريعها؛ الترويج لكلّ أنواع نجاسات الجسد والشذوذ الجنسيّ. 

إعطاء المرأة دورًا يُخالف الدور الّذي حدّده لها الله في نظام الخليقة، والمطالبة الشاذّة بكهنوتها. تعدّي القوانين الكنسيّة، والأهمّ ما يختصّ بالإيمان والعولمة الدينيّة؛ وأخطرها هذا الرضوخ لهذه الروح المسكونيّة، وتشريع كل ما يُسمّى كنائس وطوائف وأديانًا. 

قبول هذا الشرّ، أو جزء منه فقط، يُسقط الكنيسة حتمًا في الروح الدهريّة والعولمة، ويُحوّلها إلى مؤسّسة دينيّة، ويحوّل النعمة التي فيها إلى سلطة حقوقيّة. 

الكنيسة هي كنيسة، جسد المسيح، لأنّها تشهد للحقّ وتكمّل عمل المسيح. حين تبطل هذه الشهادة تفقد سبب وجودها الأصليّ؛ لا بل تُصبح كلّها عاملة لضدّ المسيح وتهيّئ لظهوره.

الأسقف أُعطي مكانة الرأس في جسد المسيح، لكنّه يبقى عضوًا في هذا الجسد وليس فوقه. إنّه يستمدّ كلّ سلطته الكهنوتيّة من هذا الجسد وليس من مكان آخر فوق هذا الجسد. لهذا لا ينبغي أن يقول فكره الخاصّ، لكن عليه أن يخضع بأمانة لتقليد الكنيسة وتعليم آبائها. 

البابويّة سقطت لأنّها أخضعت الكنيسة، جسد المسيح، لإنسان من أهواء لحم ودم، ففرض فكره وأهواءه على الكنيسة عوض الخضوع لفكرها ودقّة عقائدها. 

البابويّة قبل سقوطها العقائديّ سقطت في حبّ السلطة وحبّ العظمة. السقوط في هذه الأهواء هو الّذي جعلها تخضع بسهولة لروح العصر، وتتغيّر في الإيمان والروحانيّة بحسب تغيّرات العصر الّذي تعيش فيه. 

الأسقف المأخوذ بحبّ السلطة والمجد الباطل هو الّذي يستسلم بسهولة لروح العصر، ويبيع بالسهولة ذاتها الحقيقة التي عشقها في البدء وكرّس نفسه لعيشها والدفاع عنها. 

الأسقف الأمين لكلّ الوديعة التي استلمها من كنيسة المسيح، وديعة الإيمان الواحد والتقليد الواحد، لا يتحوّل سريعًا عن فكر المسيح إلى فكر يفرضه روح العصر الّذي يحيا فيه. 

بروح الطاعة لعقائد الإيمان يصير الأسقف هو الكنيسة، متّحدًا برأسها المسيح ومن خلاله بكلّ الجسد. إذا عمل الأسقف بغير هذه الروح فهو يسلّم الكنيسة وشعبها لروح شيطانيّة دهريّة، تطرد كلّ حركة الروح القدس منها. 

كلّ تعليم غير أمين للإيمان الأرثوذكسيّ ينعكس فتورًا، لا بل موتًا على إيمان شعب الله، إنّه يُبعثر قوّة إيمانهم بالله وثباتهم فيه، ويُحوّله إلى إيمان شكليّ فارغ لا نعمة فيه ولا خلاص. 

ليتذكّر الأسقف هذه الحقيقة أنّه يُفرّغ شعبه من إيمانهم الحقيقيّ متى خضع لروح العصر وقَبِل التغيّرات المتعلّقة بالإيمان. إنّها روح يخلقها الشيطان في كلّ زمن، ويسعى لفرضها على الكنيسة.

لقد خلق في الزمن المعاصر الحركة المسكونيّة، كما خلق قديمًا الآريوسيّة والنسطوريّة وغيرها الكثير من الهرطقات القديمة، ويسعى بشراسة أكبر لفرضها على الكنيسة. الحركة المسكونيّة المعاصرة تدّعي أنّها للمسيح، لكنّها في الحقيقة ليست سوى إنسانويّة جديدة؛ في كلّ نشاطاتها وتعليمها الحاليّ هدفها تحطيم الإيمان المقدّس، عبر بعثرة هذا الإيمان الواحد وتجزئته. 

الحركة المسكونيّة تدّعي أنّها تسعى لوحدة الكنيسة، لكنّها لا تبحث عن الحقّ لتوحّد الكلّ به، كما دعانا المسيح. إنّها بعدم اعترافها بأنّ هناك إيمانًا واحدًا محفوظًا في مكان واحد، تُحطّم كلّ وجود للكنيسة الواحدة. 

مقاومة روح العالم لن تكون سهلة بالنسب إلى أسقف يخاف الله ويخشى دينونة الله. لأنّه في الخطّ الأماميّ للمعركة ضدّ قوى الظلمة. 

هدف روح العالم أن يفصلنا عن الله بكلّ الوسائل، وينجح بقوّة كبيرة بزرعه فينا روح المساومة على الإيمان. لهذا، حربنا الممدوحة حين نقاتل ضدّ الكذب والإيمان الكاذب والخطيئة. 

العالم في حرب ضدّ الكنيسة والكنيسة في حرب ضدّ العالم. الأسقف الضعيف الإيمان يستسلم لروح العالم لينجو من تعب الحرب ويحافظ على مجده الباطل. أمّا الأسقف المستقيم الإيمان هو وكهنته، بروح لا تخشى الاضطهاد والموت، يُقاومون روح العالم وإلحاده وتجديفه. 

نعمة الروح القدس تعمل في الكاهن الّذي يُفرغ ذاته من كلّ مشيئة ذاتيّة، ويُطيع حتّى الموت، على مثال مسيحه، الحقيقة التي تسلّمها. إنّه لا يطلب شيئًا لذاته إلّا حفظ الإيمان مع رحمة وتوبة، ومغفرة لخطاياه واستنارة لظلمته.

إذا خسر الأسقف النعمة الإلهيّة، ماذا يبقى له ليقدّمه إلى كنيسة المسيح؟

لقد وعدنا رسول المسيح، يوحنّا الإنجيليّ أنّ "الغلبة التي تغلب العالم هي إيماننا" (1يو4:5). لهذا، على الأسقف والكاهن أن يمتلكا همّ الإيمان الأرثوذكسيّ قبل كلّ همّ رعائيّ آخر. 

همّ تثبيت شعبه في إيمانهم الأرثوذكسيّ بالله، لئلّا يتحوّل العمل الرعائيّ إلى نشاط اجتماعيّ بحت، لا مسيح فيه ولا روح. ومتى تثبّت هذا الشعب في إيمانه حينها لا خوف عليه إطلاقًا لا من الأبالسة ولا من أصحاب البدع. 

"احْتَرزوا اذًا لأنفُسِكم ولجميع الرّعيّة الّتي أقامَكم الرّوح القدس فيها أساقفة" (أع28:20). من دون الأساقفة والكهنة الممتلئين من نعمة الروح القدس والأرثوذكسيّة، لن يجد أحد طريق الصليب والقيامة ونعمة العنصرة.