رسالة إلى راهب ليعقوب السروجي
أيّها المحبّ لله، جدير بك أن تعمل أعمال البرّ، وحريّ بنفسك المفروزة بالمحبّة لخدمة الله أن تزرع الصلاح أبدًا، فالزمن الذي تحصد فيه الفرح آتٍ قريب.
إيّاك والضجر، واحذر الملل والقنوط. ازرع كثيرًا، ولا تحزن على ما تزرعه، لأنّ ضميرك سيفرح بالغلال التي ستمور بها بيادرُك. وعندما يغزو الفرح الروحيّ النفس، الفرح بالعالم الجديد، يستولي عليها الشعور ببطلان العالم الزائل وتسرع في توزيع ما تقتنيه على الفقراء والمحتاجين لازدياد الفرح والسرور، ولكنز ثرواتها في المكان النيّر المضيء، حيث تعطى الخيرات لصانعي البرّ والإحسان.
إنّ هذا العالم المضطرب عشب وحشيش وزهر: إنّه ظلّ الفيء المسرع بالزوال، إنّه زهر جميل سريع الذبول والاضمحلال. الغنى فيه حلم والتملّك وهم كاذب يخدع... فاستيظي أيّتها النفس واستندي إلى ذراع الربّ واعتصمي بحماه الإلهيّ. اهربي من المناظر الباطلة، وتعالي وانعمي بالنور الحسن الضياء.
... لقد ماتت الضلالة وأشرق العالم الجديد. إنّ الضلالة التي أدخلتها الحيّة تبدّدت ظلماتها أمام نور الصليب، وشهوة المجد والغنى والسلطان الذي أوجدته شجرةُ المعرفة ذابت أمام حرارة الحياة التي أشرقت من مريم. لقد انفتحت طريق الفردوس، ومعلّمٌ عظيم نزل من السماء وصار يعلّم العالم فاستضاءت الخليقة بتعليمه. لقد علّم احتقار الملكيّة وحارب الشهوات الزائلة.
لا تقتنوا لكم لا ذهبًا ولا فضّة ولا نحاسًا ولا ثوبين ولا عصا ولا مزودًا، لأنّ الطريق مخيفة واجتيازها ممتلئ غشًّا. دع عنك الغنى وكن غريبًا عن العالم، فلا بلد لك ولا مسكن ولا جنس. فالجنّة بلدك، وأهلك هم الأبرار القدّيسون. لا تكنز لك كنوزًا في الأرض لأنّك مدعوّ إلى السماء. إنّ الله وَلَدَكَ بالماء والروح، وربّاك بدم ابنه، ورعاك لتكون له وارثًا. فاخدم الآب بمحبّة الابن، لأنّ كلّ الكمال في هذا. أبغض الشرور، لتخلص من النار. لأنّه باجتيازك النار تصير لك الحسنات والصدقات جسرًا تعبر عليه من الزائل الفاني إلى الخالد الأزليّ.
كنت جوعانًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني، وعريانًا فكسوتموني، ومن هذا ورثتم الملكوت السماوي. أين هو الإنسان الذي لا يشتاق لسماع هذا الصوت المقدّس؟ وأين الإنسان الذي لا يوزّع ما يمكله على المحتاجين عندما يسمع هذا الصوت الحسن: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعدّ لكم، لأنّكم صنعتم الصدقات وزرعتم الحسنات وعملتم جميع إرادتي. فاعمل الخير وعش بالقداسة.
البس سلاح البرّ والصلاة والصوم والتقشّف والنسك. عذّب نفسك بالجوع، وأتعب نفسك بالعطش. نم متقشّفًا لتستضيء بالقداسة وتثمر بالطهارة. جاهد من أجل إكليل القداسة، وهذا الجهاد يفرض عليك جهادًا قاسيًا مريرًا، جهادًا مع شهوة الجسد ونواح الجسم وسكون النفس ونظر العين وأفكار القلب وسماع الأذن، جهادًا داخليًّا وقتالًا خارجيًّا، قتالًا مع النظر بالنهار ومع النوم في الليل. فلا إكليل بدون جهاد، ولا غلبة بدون قتال، ولا أجرة من غير أعمال، ولا نواح بدون تعب، ولا اتّساع بدون ضيق.
كلّ من ترك العالم من أجل المسيح يمضي ليرث العالم المزمع الموعود للقدّيسين. من ترك مملكة الأرض، ورثَ الملكوت المساويّ، وكلّ من ترك أبًا أو أمًّا أو إخوة، يصير أمينًا للروح القدس وأخًا للمسيح وصديقًا وحبيبًا للآب السماويّ. من ترك الغنى الأرضيّ، ورث الغنى السماويّ. من ترك زينة الصبا لبس النور إكليلًا، واتّشح حلّة الكرامة والمجد وتتوّج بتاج الملكوت.
إيّاك أن تحتقر هؤلاء الصغار، إيّاك أن تحتقر فقرهم وبؤسهم، فلكلّ من هؤلاء ملاك ينقل أخبارهم. سينقلون أخبارك إن واسيتهم أو أطعمتهم. وسيكون نصيبك طعامًا خالدًا وفرحًا عظيمًا. وستلبس لباس الابتهاج. لذلك أوصيتك، وقد اخترت الحياة الرهبانيّة منذ صباك، أن تجلس في وحدتك هادئًا مطمئنًّا بعيدًا عن كلّ الاهتمامات التي تمنعك من مخاطبة الله بصفاء.
كن بتواضعك ترابًا تحت أقدام الناس، ولتستحمّ عيناك بالدموع على الدوام. اجعل مسكنك الحقيقيّ أقنومك الإلهيّ، وتصوّر الملكوت والجحيم، دائمًا، أمام عينيك، وكذلك الموت والحياة والنار التي لا تنطفئ والظلام وصرير الأسنان والنور والحياة ومجد الأبرار والفرح بالروح القدس. تصوّر أولئك الذين قدّموا أجسادهم وأرواحهم قربانًا على هيكل الربّ، وأولئك الذي تضوع عطرهم أكثر من كلّ عطور الأرض لصيامهم وصلواتهم. كن مداومًا للصلاة وعلى الأخص في الليالي، لأنّ هذا هو الزمان المقبول كما كُتب. تشبّه بسيّدك عندما تنحني إلى الصلاة، وليكن اهتمامك لكلّ الصالحات. ومتى فعلت ذلك، فالرحيم الفيّاض بالمواهب يسرع إليك ويعينك ويلطم الشرّير ويقضي على أحابيله وصنائعه، ويقف مع ضميرك ملقيًا فيه أفكارًا ونيّات حسنة، فتتقوّى وتتمّ إرادته فيك.
ويل لنا، لأنّنا لم نعرف إلى أين دعينا ولأنّنا مهمِلون في حياتنا. لقد تركنا العالم يُسيّرنا على هواه، فطغانا وضللنا وأبعدنا عن أعمال الله، ورضينا أن نسير في رِكاب إبليس بدلًا من أن نسهر مع الملائكة السماويّين أمام العرش الإلهيّ للتمتّع بجمال النور الحقيقيّ.
لقد كتبتُ لك كلّ شيء وعرّفتك بالطريق التي بواسطتها تستطيع أن تتخلّص من مكائد الشرّير، فاخترْ لك ما تريد، والله يعطيك لتختار ما ينفعك لتربح الحياة الحقيقيّة.
[1] نقلها إلى العربيّة سيادة المتروبوليت الياس (معوّض). عن مجلّة النور لعام 1959. ص 201.