الخطايا الداخليّة والخارجيّة
إنّ الخطأ الأوّل الذي يقع فيه الكثيرون هو صورة الخطيئة ومفهومها، ولذلك يميلون إلى الأخلاق الجافّة التي تنهي عن المنكر وحسب، أو إلى المعرفة السطحيّة التي تحدّد التصرّف الخارجيّ الجيّد من السيّئ غير منتبهين إلى مشاركة الإنسان الداخليّة لهذا التصرّف، وهكذا يقعون في المراءاة والفرّيسيّة اللذين هما، للأسف الشديد، صفة إنساننا المعاصر.
الخطيئة هي موقف حياة أمام الله والبشر، وإن كانت تصدر عن ضعف أو جهل، ولها نتائج وخيمة إلّا أنّنا نستطيع التغلّب عليها بمعونة الربّ. لنتسلّح، باستمرار، بالرجاء حتّى ولو فاقت زلّاتنا عدد رمل البحر، لأنّ الله مستعدّ، دائمًا، ليسامحنا عندما نتوب. يعطي القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم صورة جميلة عن محبّة الله، فيقول: "إنّ رحمة الله تشبه محيطًا كبيرًا وخطايانا هي شرارة صغيرة لا تلبث أن تنطفئ عندما تلامس مياه المحيط". لذلك، فخلاصنا هو بيدنا، أوّلًا، ثمّ بين يدي الله، وهذا يعني أنّه من دون إرادتنا لا يخلّصنا الله لمجرّد إرادته هو، فالأمر يتطلّب مشاركة الإرادتين بكلّ حرّيّة ومحبّة.
تبدأ الخطيئة من باب الحرّيّة ثمّ تعبر إلى الإرادة المعجونة بالشهوة لتصل إلى الفعل. وغالبًا ما يقبض المنطق العالميّ على هذه الحرّيّة، فتميل إلى تأليّه المال والشهوات والمجد الباطل والكبرياء. والضلال الأكبر هو اعتبار الخطيئة هي مجرّد فعل خارجيّ وليس فسادًا داخليًّا وخضوعًا لعالم يعاكس الله ويضادّ مشيئته. وهذا الضلال، الذي يحجب الحقيقة، هو ابتكار شيطانيّ، فخّ روحيّ يقود الإنسان إلى الفرّيسيّة التي تزجّه في السطحيّة، وتغلق عيون نفسه فلا تعود ترى نور الخلاص.
وهكذا تصبح الخطيئة بالنسبة إلى هؤلاء ليست سوى تصرّف خارجيّ خاطئ، أو شهوة محدّدة خاطئة، جاهلين الانفعالات الداخليّة للخطيئة. فحركة الخطيئة إنّما تنبع من الداخل، فهي تغلب النفس، أوّلًا، ثمّ ينفّذها الجسد. يبدأ جذر الشرّ من تقبّل القلب والعقل له، وبخاصّة، عندما ينجذب المجاهد نحو العالم حيث تسود قوّة الأهواء الشيطانيّة وعدم الإيمان.
يعلّمنا الآباء القدّيسون أمثال غريغوريوس بالاماس ونيقوديموس الآثوسيّ وغيرهما بأنّ جلّ اهتمامنا يجب أن ينصبّ نحو القلب. إذ بقدر ما نتوغّل داخله، بقدر ما نكتشف عبوديّتنا لشهواتنا وكثرة ضعفاتنا التي تقاومنا بدون هوادة. والأمر السيّئ لدى الكثيرين هو غياب العلاقة مع الله، فينسونه ولا يدعونه لمساعدتهم، وهو لكونه يحترم حرّيّتهم لا يتدخّل.
فالموضوع، إذًا، هو ضرورة إيجاد علاقة وطيدة مع الله مؤسّسة على ركيزة الإيمان الحقيقيّ مع طلب رحمته بثقة لا شكّ فيها. وبكلمة أخرى، فإنّ الألف باء لخلاصنا هو إيماننا الثابت بالمسيح، ومنه تنبع كلّ محاولة صالحة للسير في الطريق الحقيقيّ. وللأسف الشديد، فإنّ هذه الألف باء غائبة غيابًا كلّيًّا ومخيفًا في عصرنا، إذ يحتاج المؤمن، قبل كلّ شيء، إلى الإيمان لكي يثبت في جهاده الروحيّ، ويدرك ماهيّة الحرب ضدّ الخطيئة وكيف تحصل وكيف يفوز عليها.
الشيطان وذكر الله
هل يستطيع الشيطان أن يدخل إلى القلب الذي سبق له أن حلّت فيه نعمة الله بواسطة المعموديّة المقدّسة؟ يجيبنا الآباء القدّيسون بأنّ الشياطين عاجزون عن الدخول إلى قلب الإنسان المسيحيّ، بل يقفون على بابه لكي يدنّسوا ما يدخل وما يخرج منه. ويشرح القدّيس ذياذوخوس فوتيكي هذا قائلًا: "قبل المعموديّة المقدّسة توجّه النعمةُ النفس نحو الخير بينما يكون الشيطان معشّشًا في أعماق النفس، محاولًا منع كلّ ميل نحو الصلاح. ولكن، ومنذ لحظة العماد يُطرد الشيطان خارجًا وتدخل النعمة إلى داخل النفس، لتسود الحقيقة الإلهيّة مكان الضلالة. غير أنّ الشيطان، حتّى بعد العماد، يعمل جاهدًا، كما كان قبلًا، بل وأسوأ، ليعكّر الذهن بحلاوة الشهوات يدعمه في ذلك تراخي الجسد وكسله. لا يمكن للشيطان وأعوانه أن يلجوا إلى داخلنا إلّا إذا ابتعدنا اختياريًّا عن النعمة الإلهيّة ووضعنا أنفسنا تحت سلطة الشيطان. لا يمكن أن يتذوّق أحد الصلاح الإلهيّ أو أن يكتسب خبرة شرّ الشيطان إن لم يدرك أنّ النعمة ساكنة حقيقة في أعماق ذهنه. لهذا يسعى الشيطان، قبل كلّ شيء، إلى زرع البلادة وعدم الإحساس بالنعمة ونسيان الصلاة لكي لا يسلّح المجاهد ذهنه بذكر الله.
ليس للشياطين القوّة والسلطة لكي يتغلغلوا في أعماق قلب المؤمن المعتمد، بل يدورون كلصوص ساهرين مراقبين كلّ حركة في الذهن ليحوّلوها نحو الشرّ. إنّهم لا يقتربون، أبدًا، بطريقة وحشيّة، ولا يكشفون وجههم الشيطانيّ الحقيقيّ، بل يتقنّعون بقناع الصلاح والودّ، مستخدمين المنطق، مقدّمين للذهن حلولًا مضلّلة ليمنعوه من التقدّم في عزمه الصالح. فمثلًا إن أراد أحدهم أن يطيل صلاته القلبيّة لا يوحي له الشياطين بألّا يصلّي، بل يدعمون عزمه هذا مؤكّدين له قداسة المحادثة مع الله. ولكنّهم يوشوشون له بأنّه بحاجة إلى لحظات أخرى إضافيّة من الوحدة تكون أكثر ملاءمة للصلاة الحقيقيّة، وهذا، فقط، لكي يعطّلوا له حلاوة لحظة المحادثة مع الله التي شرع فيها. فيبدأ ذهنه يفتّش عن أوقات أو أماكن أكثر هدوءًا يتمكّن فيها من الصلاة بحرّيّة أوفر، فتضيع منه الصلاة".
يوضّح لنا القدّيس ذياذوخوس، كما كلّ الآباء اليقظويّين، بأنّ النفس البشريّة تتسلّح ضدّ الشياطين بصلاة الربّ يسوع ذي القوّة التي لا تقهر والتي تختصر الصلوات كلّها. لأنّ ذكر الله ليس هو، فقط، تذكّر بسيط بأنّ الله موجود وخالق الكلّ، بل هو قوّة روحيّة تولد من الإيمان الحيّ بأنّ الله الحاضر في كلّ مكان وزمان، هو أمامي يتابعني بمحبّة فائقة، وحاضر لمساعدتي حال استدعائه. ذكر اسم الربّ يسوع هو حياة القلب والذهن، هو الذي يُتحدنا بطريقة مباشرة مع الله الضابط الكلّ والجزيل الرحمة، هو الذي يذكّي موهبة التوبة والصلاة، وقبل كلّ شيء يذكّرنا بدعوة الله لنا "تعالوا إليّ"، فأنا هو الطريق والحقّ والحياة، لأنّكم بدوني لا تستطيعون فعل شيء. ذكر اسم الربّ يسوع سلاح يرتعد منه الشياطين، هو نور إلهيّ ولذلك يختبئون في ظلامهم لكي لا يقع عليهم هذا النور الإلهيّ فيحرقهم ويسحقهم، هو نار يبيد الخطيئة ويهب النفوس النقيّة الفرح واللباس المقدّس الأبديّ. وبنور ذكر هذا الاسم غير المنقطع يمكن للمؤمن أن يحارب الخطايا الداخليّة والخارجيّة، وأن يحمي نفسه من فخاخ الشياطين الكثيرة. وهذه الحقيقة ليست نتاج فكرنا إنّما هي قول الربّ "أنا هو نور العالم" (يوحنّا 8: 12). فمن يتبع هذا النور لا يسقط في الظلام، ظلام فخاخ الشايطين، بل يكون له نور الحياة الذي هو المسيح نفسه.