الأحد 17 كانون الأوّل 2023

الأحد 17 كانون الأوّل 2023

14 كانون الأول 2023
الأحد 17 كانون الأوّل 2023
العدد 51
أحد الأجداد القدّيسين
اللحن الثالث، الإيوثينا السادسة


أعياد الأسبوع:

17: النبيّ دانيال والفتية الثلاثة القدّيسين، ديونيسيوس أسقُف إيَّنة، 18: الشّهيد سابستيانوس ورفقته، موذستُس أسقُف أورشليم، 19: الشّهيد بونيفاتيوس، أغلائيس الروميَّة، 20: تقدمة عيد الميلاد، إغناطيوس المتوشّح بالله أسقُف إنطاكية مدينة الله العظمى، 21: الشَّهيدة يولياني وثاميستوكلاوس، 22: الشّهيدة أناستاسيَّا، بارامون عيد ميلاد المسيح، ، 23: الشُّهداء العشرة المستشهدون في كريت.

دانيال النبيّ رجل الشهوات

خلال الفترة التي نتهيَّأ فيها للتَّعييد لميلاد المسيح نقيم تذكار العديد من الأنبياء من بينهم النَّبيّ دانيال والفتية الثلاثة حنانيا، ميصائيل وعزريا. 

هؤلاء يتمّ التعييد لهم ثلاث مرّات خلال هذه الفترة في السابع عشر من شهر كانون الأوّل، في أحد الأجداد وفي أحد النِّسْبَة اللذين يسبقان يوم عيد ميلاد السَّيِّد. التركيز على هؤلاء القدّيسين يعود إلى عدَّةِ أسباب: 

فدانيال هو صاحب السِّفْر الرّابع من أسفار الأنبياء الكبار، هذا بحسب ترتيب التَّرجمة السَّبعينيَّة لأسفار العهدِ القديم (مع العلم أنّ اليهود لا يعتبرون دانيال نبيًّا بالنسبةِ إليهم).

النَّبيّ دانيال والفتية الثلاثة هم من سبطِ يهوذا الذي منه خرج المسيح. 

هؤلاء كانوا من جملة الذين تمَّ سبيهم إلى بابل على يد نبوخذ نصَّر وتمّ اختيارهم ليَتَرَبَّوا، وهم في ريع شبابهم، في بلاط الملك وليتعلّموا لغة وحكمة الكلدانيّين.

فسَّر دانيال الحلم الذي رآه الملك نبوخذ نصّر. وهو أن حجرًا ضخمًا اقْتُطِعَ من جبلٍ بغير يدٍ وضرب تمثالاً ضخمًا مصنوعًا من معادن مختلفة فسَحَقَهُ. 

هذا الحلم بحسب تعاليم الكنيسة هو صورة لتجسُّدِ المسيح في بطن العذراء من دون خبرة زواج. 

فالجبل هو صورة لوالدة الإله، والحجر المقتَطَع هو المسيح المتجسّد منها، الذي بما أنّه إلهٌ سحق قوّة الشيطان وسيقيم في مجيئه الثاني للمؤمنين به مُلْكَهُ السماويّ الأبديّ الذي لا يزول.

أمّا بالنسبة إلى الفِتيَة الثلاثة حنانيا، ميصائيل وعزريا، وارتباطهم بعيد ميلاد المسيح. فهم كانوا صورةً لتجسّد الإله الكلمة في بطن العذراء مريم من دون أن تحترق. 

وذلك عندما أمر الملك نبوخذ نصّر بوضعهم في أتُّونِ النّار ليحرقهم لأنّهم رفضوا أن يسجدوا للتمثال الوثنيّ، وبالرغم من أنّه تمّ وضعهم في الأتّون فإنّهم لم يحترقوا لا هم ولا حتّى ثيابهم لأنّ ملاك الربّ انحدر معهم في وسط النار ونَدّاهم.

يُلَقَّب النبيّ دانيال بلقب "رجل الرغبات" أو "رجل الشهوات" مع العِلْمِ أنّ النبيّ والفتية الثلاثة عُرِفوا بعيشةِ النُّسك والصلاة والصوم، ورفضوا شهوات العالم ومآكل الملك، وشرب الخمر وهدايا الذهب والحرير.

هذا اللّقب أُطلِق على النّبيّ دانيال لأنّه اشتهى ورغِبَ بقوّةٍ في أن يعلم إن كان سيحصل هو وأبناءُ جنسه، أي اليهود، على الحرّيّةِ من يد الكلدانيّين لكي يعودوا إلى أورشليم التي دُمِّرَتْ، ويُعيدوا بناءها.

الإيمان القويم والقويّ للنّبيّ دانيال والفتية الثلاثة والأفعال التي عملوها والتي كانت متوازية مع إيمانهم، جعلتهم منتصرين أمام أعدائهم، وأبرارًا أمام عيون الله، فحفظتهم من كلّ شدّةٍ فأقامهم الله رؤساء على المتسلّطين عليهم.

أما نحن اليوم، وبعد ظهور ابن الله لنا بالجسد، لم يعد خلاصنا ظلالًا لأنّنا أبصرنا النّور المتجسّد وغلبنا بواسطته، على مدى عصور، سلاطينَ العالم وطُغَاتَه المنظورين وغير المنظورين، فالمسيح يسوع هو الغالب إلى الأبد.

طروباريّة القيامة باللحن الثالث

لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزًّا بساعدِه، ووطِئَ الموتَ بالموتِ، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقدنا من جوفِ الجحيم، ومنح العالم الرحمةَ العُظمى.

طروباريّة الأجداد باللحن الثاني

لقد زكّيت بالإيمان الآباءَ القدماءَ، وبهم سبقتَ فخطبتَ البيعة التي من الأمم. فليفتخر القدّيسون بالمجد، لأنّ مِن زَرْعِهم أينع ثمرٌ حسيب، وهو التي ولدَتْك بغير زرعٍ. فبتوسّلاتهم أيّها المسيح الإله ارحمنا.

قنداق تقدمة الميلاد باللحن الثالث

أليوم العذراء تأتي إلى المغارة لتلد الكلمة الذي قبل الدهور، ولادة لا تُفسَّر ولا يُنطقُ بها. فافرحي، أيّتها المسكونةُ إذا سمعتِ، ومَجّدِي مع الملائكةِ والرُّعاة الذي سيَظهرُ بمشيئتِه طفلًا جديدًا. الإلهَ الذي قبلَ الدهور.


الرسالة: كول 3: 4-11
ما أعظمَ أعمالَكَ يا ربُّ. كلَّها بحكمةٍ صنعت        
باركي يا نفسي الربَّ


يا إخوةُ متى ظهرَ المسيحُ الذي هو حياتُنا فأنتم أيضًا تَظْهرون حينئذٍ معهُ في المجد. فأمِيتوا أعضاءَكم التي على الأرض: 
الزِنَى والنجاسةَ والهوى والشهوةَ الرديئةَ والطمعَ الذي هو عبادةُ وثَن، لأنَّهُ لأجلِ هذه يأتي غضبُ الله على أبناءِ العِصيان، وفي هذه أنتم أيضًا سلَكْتم حينًا إذ كنتم عائشينَ فيها. أمَّا الآن فأنتم أيضًا اطرَحوا الكُلَّ: الغضبَ والسُخْطَ والخُبثَ والتجديفَ والكلامَ القبيحَ من أفواهِكم. ولا يكذِبَنَّ بعضُكم بعضًا، بل اخلَعوا الإنسانَ العتيقَ معَ أعمالِه، والبَسوا الإنسانَ الجديد الذي يتجدَّدُ للمعرفةِ على صورةِ خالقِه، حيثُ ليس يونانيٌ ولا يهوديٌّ، لا خِتانٌ ولا قَلَفٌ، لا بَربريٌّ ولا اسكِيثيٌ، لا عبدٌ ولا حرٌ، بلِ المسيحُ هو كلُّ شيءٍ وفي الجميع.


الإنجيل: لو 14: 16-24 (لوقا 11)

قال الربُّ هذا المثل: إنسانٌ صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين. فأرسل عبدَهُ في ساعة العشاءِ يقول للمَدعوّين: تعالوا فإنَّ كلَّ شيءٍ قد أُعِدَّ. فطفِق كلُّهم واحدًا فواحدًا يستَعفون. فقال لهُ الأوّل: قد اشتريتُ حقلًا ولا بدَّ لي أن أخرجَ وأنظرَهُ فأسألك أن تُعفِيَني. وقال الآخرُ: قدِ اشتريتُ خمسةَ فدادين بقرٍ وأنا ماضٍ لأجَرِّبَها فاسألك أن تُعفِيَني. وقال الآخر: قد تزوَّجتُ امرأةً فلذلك لا أستطيع أن أجيء. فأتى العبدُ وأخبر سيّدَهُ بذلك، فحينئذٍ غضِبَ ربُّ البيتِ وقال لعبدِه: أخرُجْ سريعًا إلى شوارع المدينةِ وأزقَّتِها وأدخِلِ المساكينَ والجُدْعَ والعميانَ والعُرجَ إلى ههنا. فقال العبدُ: يا سيّدُ، قد قُضي ما أمرتَ بهِ ويبقى أيضًا محلٌّ. فقال السيّد للعبد: أخرُج إلى الطُّرق والأسيِجَةِ واضطَرِرْهم إلى الدخول حتّى يمتلئَ بيتي. فإنّي أقول لكم إنَّه لا يذوقُ عشائي أحدٌ من أولئك الرجال المدعوّين، لأنَّ المدعُوّين كثيرون والمختارين قليلون.

في الإنجيل

رتّب آباء الكنيسة القدّيسون قراءة مَثَل الوليمة الكبرى في زمن التجسّد قبل أحدين من عيد ميلاد ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، بوحي إلهيّ. 
في المثل، السيّد هو الله، والضيوف المدعوّون أصلًا هم اليهود الذين كانوا طوال تاريخهم ينتظرون اليوم الذي سيستدعيهم فيه الله. 

ولكن عندما أرسل الله في طلبهم، رفضوا دعوته لأسباب سطحيّة. 

في ذلك الزمان، كانت العادة عندما ينوي أحدهم إقامة وليمة في فلسطين، أن يُعلن عن الحدث قبل ذلك بوقت طويل. 

فيرسل الدعوات، واستلامُها كان يعني قبولها. وعندما يصبح كلّ شيء جاهزًا، يرسل الخَدَم لاستدعاء الضيوف. لهذا، قبول الدعوة بدايةً ثمّ رفضها في الوقت المحدّد كان يُعتبر إهانة.

في المنظور اليهوديّ، الفقراء الذين تمّ جمعهم من شوارع وأراضي المدينة، والمقعدون والعميان والعرج هم الخطأة. 

ومع ذلك هم الذين خرجوا ورحّبوا بربّنا كما لم يفعل اليهود. أمّا الذين اجتمعوا من الطرق والسياجات فهم الأمم الذين قبلوا الدعوة في حين رفض اليهود دعوته وتركوا مائدته.

ينظر البعض إلى أمر السيّد خدّامه "ألزموهم على الدخول حتّى يمتلئ بيتي" وكأنّه إكراه،  لكنّه في الحقيقة لا يشير إلّا إلى المحبّة العظيمة التي يكنّها الله لنا جميعًا، وأنّه بذلك يظهر استعداده لفعل كلّ شيء لإنقاذ خليقته. 

يظهِر هذا المثل خسارة الذين يرفضون دعوة الله، كما يحكي عن الفرح الذي يتمتّع به الذين ينالون هذه الهبة. ويكشف عن حقائقَ عظيمة كانت وما تزال ثابتةً وجديدةً وحيويّةً حتّى في عصرنا هذا. 

في المثل، قدّم الضيوف المدعوّون أعذارهم، وحتّى اليوم لا تزال البشريّة تُقدّم الأعذار، مع اختلاف بسيط في الشكل وحسب.

نحن الآن في فترة استعداد للتجسّد الإلهيّ. إنّه وقت الترقّب والتحضير الذي يقدّم فيه الله لنا جميعًا الفرصة المبهجة لكي نتجدّد. لكنّنا قد نميل جميعًا إلى تقديم الأعذار، فنخسر الوليمة التي أسرع إليها الفقراء عند دعوتهم. 

سيولد ربّنا من جديد فينا وسنُدعى لنتبع النجم مع المجوس، ولنؤوي مريم العذراء والطفل المسيح، ولنأخذ مكاننا مع الرعاة والحيوانات، فنشارك في عشائه السريّ. إنّه يدعونا، علينا أن نقبل الدعوة ونلبّيها وألّا تكون هناك أعذار.

في عالمنا، تجسَّدَ الله.

ترمز المغارة إلى قلب الإنسان الثابت في الله أمام الصعوبات والتجارب كلّها.

ونتأمّل في نصٍّ للقدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ، يتكلّم فيه على بيت لحم: 

"كرّموا بيت لحم، هذه القرية المتواضعة، التي رفعت حقارتكم إلى مجد السّماء. 

مجّدوا من وُلدَ في المغارة، لأنّ المغارة أصبحت باب عدن (أي باب الجنّة).

لم تعد بيت لحم قرية حقيرة بين مدن يهوذا، بل أصبحت قلب كلّ إنسان يولدُ فيه الله.

لم تعد مجهولة في الزمان والمكان، بل أصبحت في كلّ مكان وزمان، وفي حياة كلّ إنسان قَبِلَ الله. نعم لقد أصبحت بيت لحم كبيرة، واتّسعت المغارة للكون كلّه، إذ وسعت ربّ الكون، فصارت تشبه قلب كلّ محبّ.

واكتملت بذلك النبوءة، إذ قدّمت بيت لحم (أي بيت الخبز) المسيح خبزًا حيًّا لكلّ النّاس، من يأكل منه يحيا إلى الأبد.

يرمز النجم إلى النور: "أنتم نور العالم" (متّى 5:14)، والمسيح نورٌ.

وقد جاء النّور إلى العالم ليضيء الظلمة: "ما دمت في العالم، فأنا نور العالم" (يو9:5).

ويرمز النجم أيضًا إلى يسوع الذي يقودنا إلى الآب. وإلى المسيحيّين الذين يقودوننا إلى الله. لذلك نحن أبناء النّور وأبناء النّهار.

ويرمز أيضًا إلى المبشِّرين الذين يبشِّرون بالنّور في عالم الظلمة.

ويرمز إلى الكاهن الواقف أمام الهيكل، فهو نجمٌ يضيء الكنيسة كلّها، ويوجّهنا نحو الله الموجود في الهيكل، لذلك على المؤمنين أن يتمسّكوا بالمسيح "كما بمصباحٍ يضيء في مكانٍ مظلم، إلى أن ينفجر النّهار ويشرق كوكب الصّبح في قلوبكم" (2بط 1: 19).

فالنّجم إذًا، دعوة لنا لنكون النّور على المنارة، وليس تحت المكيال (متّى 5: 14-16).

قدّم المجوس للمسيح الذهب دلالةً على أنّه ملك، ومُلكُهُ أبديّ وسلطانه لا يبلى؛ ودلالةً على أنّ مجد البشر لا يدوم بدون مجد الله.

وقدّموا له البخور، دلالةً على أنّه إلهٌ أزليّ، وأنّ كلّ من لا يرتبط به لا يثبت.

وقدّموا له المرّ دلالة على أنّه كإنسانٍ، سيتحمّل آلام الإنسانيّة، الذي بطل مفهومها كعقاب.

وطالما أنّ هناك إنسانًا يتألّم فالله لا يزال يتألّم.

فالمغارة إذًا، هي مكان التقاء الإنسان مع الله بالتواضع، المرشد إلى الآب.

تجسَّدَ الله في عالم الإنسان، وبسط سلطانه على الأرض.