الأحد 22 أذار 2020

الأحد 22 أذار 2020

22 آذار 2020

الأحد 22 أذار 2020            
العدد 12
 
الأحد الثالث من الصوم
 
اللَّحن السابع الإيوثينا السابعة
 
 
22: السجود للصليب المقدَّس،ـ الشَّهيد باسيليوس كاهن كنيسة أنقره، * 23: الشَّهيد نيكن وتلاميذه الـ 199 المستشهدون معه، * 24: تقدمة عيد البشارة، أرتامن أسقف سلفكية، * 25: عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة، * 26: عيد جامع لرئيس الملائكة جبرائيل، استفانوس المعترف، * 27: الشَّهيدة مطرونة التَّسالونيكية، النبيّ حنانيا، المديح الرابع، * 28: البار ايلاريُّون الجديد. **
 
 
لماذا الصليب؟! ...
 
"مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ" (رؤيا 5: 12)
 
إلهنا أتى إلينا متواضعًا وهو عالم بأنّه مذبوح لأجل خطايانا. أتى وهو عالم بأنّنا سنصلبه. مع ذلك، لم يأنف أن يموت لأجلنا لأنه يحبّنا. "لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" (فيليبي 2: 9). 
 
الإله الممجَّد في ذاته انسحق حتى الموت موت الصليب، فصار الصليب عرش مجده. الله لا يحتاجنا ليتمجّد، هو ممجَّد في ذاته. هو لا يحتاجنا ليحبّ لأنّه محبّة معاشة في وحدة الثالوث. 
 
لا يزيد ولا ينقص إذا وُجِدنا أم لم نوجَد. هو لا يحتاجنا في شيء بل نحن نحتاجه لنوجَد، ومع ذلك جعل نفسه "شحّادًا" لحبّنا: 
 
" هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" 0رؤيا 3: 20). الربّ يقرع على باب قلبنا، إن فتحنا له دخل وإن لم نفتح يبقى واقفًا يقرع. هذه هي المحبّة اللامتناهية والتواضع الأقصى، الله يطلبنا بمحبّةٍ جنونيّة ونحن بماذا نبادله؟! ... هذا هو الصليب في قلب الله والحمل المذبوح منذ إنشاء العالم.
 
"يا شعبي ماذا فعلت بك ..."، هكذا تعبّر الكنيسة عن ألم الرب الذي بذل نفسه لأجل خاصّته التي لم تعرفه (راجع يوحنا: 1: 10 - 11). الحبّ مصلوب في هذا العالم لأنَّ البشر لا يعرفون أن يحبّوا، المحبّة بالنسبة لهم تملُّكٌ وسيطرة واستهلاك. ليس هكذا يحبّنا الله، هو يمتدّ نحونا ونحن نرفضه، هو يبذل نفسه لأجلنا ونحن نهرب منه، هو يعطينا ذاته ونحن نُعرض عنه ... ما هو هذا الإنسان الذي صار هكذا مبيعًا لأهوائه مستعبدًا للذَّاته الوهميّة؟! ...
 
محبّة الله أَبَتْ إلَّا أن تُخَلِّصَ الإنسان. لذلك، صليب المسيح صار انتصارًا للحبّ الإلهيّ على كراهية وحقد وحسد الشيطان ومن يتبعونه. الصليب كسر شوكة موت الخطيئة وعبوديّة الأهواء ومن يريد أن يحيا في الحبّ أي أن يتبع المسيح عليه أن يحمل الصّليب. 
 
ليست المسألة مازوشيّة (الحصول على المتعة عند تلقّي التعذيب الجسديّ أو النفسيّ) بل هي سلوك في الحبّ النقيّ أي الذي ليس له مصالح مع الآخَر بل يتحقَّق وجوده بهذا الامتداد المُحيي المولِّد الفرح في النفس بسبب بنيان علاقة وتواصل حقيقيَّين مع الآخَر، كون هذا الآخَر هو محبوب لذاته لأنّ الإنسان هو كائن مخلوق ليحقِّق الوحدة في التّمايز مع الله ومع كلّ إنسان.

هذا ما حقَّقه المسيح الإله في ذاته، ووهبنا نحن البشر أن نشترك فيه من خلال اتّحادنا به أو بالأحرى اتّحاده بنا. المسيح على الصليب وحّد الأرض مع السّماء والبشر مع بعضهم البعض، في ذاته...
 
مستحقّ لمجد المسيح من يتبعه حبًّا على الصّليب ...
 
ومن له اذنان للسمع فليسمع! ...
 
+ انطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
 
 
طروباريّة القيامة باللّحن السابع
 
حطمت بصليبك الموتَ وفتحتَ للّص الفردوس، وحوَّلتَ نوحَ حاملاتِ الطيب، وأمرتَ رسلكَ أن يكرزوا بأنّكَ قد قمتَ أيّها المسيح الإله، مانحاً العالم الرحمةَ العظمى.
 
طر وبارية الصليب باللّحن السابع
 
خلِّصْ يا ربِّ شعبكَ وبارك ميراثك، وامنح عبيدَكَ المؤمنين الغلبة على الشرير، واحفظ بقوّةٍ صليبِك جميعَ المختصّين بك.
 
القنداق  باللّحن الثامن
 
إِنِّي أَنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أَكتُبُ لكِ راياتِ الغَلَبَة يا جُنديَّة محامِيَة، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكْرَ كَمُنْقِذَةٍ مِنَ الشَّدائِد. لكنْ، بما أَنَّ لكِ العِزَّةَ الَّتي لا تُحارَبِ، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدِائِد، حتَّى أَصرُخَ إِليكِ: إِفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
 
 
الرِّسَالة 
عب 4: 14-16، 5: 1-6  
خلِّص يا ربُّ شَعبَك وباركْ ميراثك 
إليكَ يا ربُّ أصرُخُ إلهي 
 
يا إخوة، إذ لنا رئيسُ كَهَنةٍ عظيمٌ قد اجتازَ السماواتِ، يسوعُ ابنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بالاعترافِ. لأنْ ليسَ لنا رئيسُ كهنةٍ غيرُ قادرٍ أن يَرثيَ لأوهانِنا، بل مُجَرَّبٌ في كلِّ شيءٍ مِثلَنا ما خَلا الخطيئة. فَلْنُقْبلْ إذاً بثقة إلى عرشِ النعمةِ لنِنالَ رحمةً ونجدَ ثِقةً للإغاثةِ في أوانها. فإنَّ كلَّ رئيسِ كهنةِ مُتَّخَذٍ من الناسِ ومُقامٍ لأجلِ الناس في ما هو لله ليُقرَّبَ تَقادِمَ وذبائحَ عن الخطايا، في إمكانِهِ أنْ يُشفِقَ على الذينَ يجهَلونَ ويَضلُّونَ لِكونِهِ هو أيضاً مُتَلَبِّساً بالضَعْفِ. ولهذا يجب عليهِ أنْ يقرِّبَ عن الخطايا لأجلِ نفسِهِ كما يُقرِّبُ لأجلِ الشعْب. وليس أحدٌ يأخذُ لِنَفسِهِ الكرامةَ بَلْ من دعاه الله كما دعا هارون. كذلكَ المسيحُ لم يُمَجِّدْ نَفْسَهُ ليّصيرَ رئيسَ كهنةٍ بل الذي قالَ لهُ: "أنْتَ ابني وأنا اليومَ ولدْتُكَ". كما يقولُ في مَوضِعٍ آخرَ: أنْتَ كاهنٌ إلى الأبَدِ على رُتبَةِ ملكيصادق.
 
الإنجيل
مر 8: 34-38، 9: 1
 
قال الرَبُّ: مَنْ أرادَ أنْ يَتبَعَني فَلْيَكْفُرْ بنَفْسِهِ ويَحمِل صَليبَه ويَتبَعْني. لأنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُخَلِّصَ نفسَه يُهْلِكُها، ومَنْ أهلكَ نفسَهُ مِن أجلي وَمِنْ أجْلِ الإنجيل يُخَلِّصُها. فإنَّهُ ماذا يَنْتَفِعُ الإنسانُ لو رَبحَ العالَم كُلَهُ وخَسِرَ نفسَهُ؟ أمْ ماذا يُعطي الإنسانُ فِداءً عن نَفْسِهِ؟ لأنَّ مَن يَسْتحي بي وبكلامي في هذا الجيلِ الفاسقِ الخاطئ يَسْتحي بهِ ابْنُ البَشَر متى أتى في مَجْدِ أبيهِ مَع الملائكةِ القِدِّيسين. وقالَ لهُمْ: الحقَّ أقولُ لكم إنَّ قَوْماً مِنَ القائمين ههنا لا يَذوقونَ الموْتَ حتى يَرَوا مَلكوتَ اللهِ قد أتى بقُوّةٍ.
 
في الإنجيل 
 
يحمل الصليب الكريم مقاماً جوهريّاً في السنة الطقسيّة،  وخاصةً خلال فترة الصوم الأربعينيّ المقدّس.
 
 لكي يتشدّد به المؤمنون، ويتذكّروا أنّ السيّد المسيح قد صُلب لأجل خلاص جنس البشر. وإنّه العلامة لتنازل المسيح ولمحبّته الفدائيّة للبشر. وإنّ كلّ ما يعانيه المؤمن خلال صومه من جوع وآلام، لا يساوي شيئاً ممّا تحمّله المصلوب لأجل غفران خطايانا وللحياة الأبديّة التي نحياها به. 
 
فالارتباط العميق الذي بين الصليب، والسيد المصلوب، جعل منه إيقونة الإيقونات، لذلك يجب تكريمه، وإقامة زياحات له خلال السنة الطقسيّة لكي يظهر حبّ المسيحيّ المؤمن تجاه المصلوب والغلبة التي يملكها المؤمنون به على كلّ شيء. 
 
ولهذا يُصلّي كلٌّ منّا في هذه المناسبة:
 
 "يا ربّ امحُ كثرة خطاياي بكثرة رحمتك، وكمحبِّ للبشر أهّلني أن أرى صليبك، وأجثو أمامه بنفس نقيّة خلال الإمساك (الصوم)". ولأنّ "الصليب المقدّس هو قوة الإمساك، معين الساهرين، توطيد الصائمين، المدافع عن المحاربين، فلنقترب منه أيها المؤمنون بمحبَّة ولنكرّمه بفرح". وفي الصوم ينسى المؤمن نفسه، ولا يفكر بشهوات جسده، ولا بالأطعمة، ولا بملذّات هذا العالم.
 
لذلك يذكّرنا إنجيل اليوم بأن "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
 
لأن الإنسان يريد أن يستقطب كلّ شيء لنفسه، أمّا اتّباع يسوع فيتطلّب العكس، أي عطاء النفس بالكلية دون قيد أو شرط. 
 
وكلّ انغلاق ذاتي يحجب عن صاحبه معرفة الله، ويجرّده من نعمة الخلاص بيسوع المسيح.
 
فالصليب ليس شعاراً اخترعه يسوع، لقد وجده في صميم الإنسانية، واتّخذه على نفسه كما اتّخذ الإنسانيّة نفسها. الحقيقة التي أعلنت بآلام يسوع هي أن الإنسانية تعيش الصّلب منذ السقوط في الخطيئة. 
 
وهذه الحقيقة تضعنا أمام قرار حاسم، فإما أن نرتضي صليبنا، ونُرفع عليه، ونتبع يسوع إلى القيامة، وإما أن ننوء تحت ثقل الخطيئة، وننقاد إلى الموت الذي وطئه الربّ يسوع بموته. "إن قوماً من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة".
 
فالملكوت حاضر بيسوع المسيح، وأن يأتي هذا الملكوت بقوة يعني أن تسود شريعته، وأن يسري فعلها في الوجود، وهذا تمّ بالصليب والقيامة، إذ بهما غلب الموت.
 
لقد حلّ الملكوت بالربّ يسوع، لكنّ خطيئتنا الشخصيّة ما زالت تحجبنا عن معاينته. من يتطهّر من الخطيئة، ويتبع الربّ يسوع مضحّياً بذاته إلى المنتهى، يختبر الملكوت آتياً بقوة في حياته، ولا يذوق الموت لأن الحياة تستوعبه إلى المنتهى.
 
من هنا كان إكرام الصليب المقدّس في فترة الصوم، لأن الصليب يوصلنا إلى فرح القيامة، وإنه المعين الذي تنبع منه كلّ الفضائل التي ينبغي أن نتحلّى بها للبلوغ إلى نهاية الصوم.
 
ألا أهِّلنا يا ربّ أن نجتاز هذه الفترة بتوبة صادقة، لننال مغفرة خطايانا، ونعاين نور قيامتك المجيدة. آمين.
 
الصلاة في وقت الشدّة
 
"واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر" (كولوسي 4: 2).
"فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة" (رو 12: 12)
يا أحبّاء، لا تخافوا، واظبوا على الصلاة، هذه الصلاة القادرة على أن تنتشلَنا من كلّ هذه الوحول التي نحن غارقون فيها. لا تخافوا من الضيقات فلا بدّ أن تكون. 
 
هذه الأيّام أيّام الصوم، هي مقدَّسة ومبارَكة، ولهذا نسمّيه الصوم الأربعينيّ المقدَّس. مقدَّس لأنّ فيه الإنسان يستجلب نعمة الله من خلال كلّ هذه الصلوات التي نقوم بها. 
 
عمليّة الصلاة ليست بالسهلة، فهي تتطلّب جهدًا وإخلاءً مع طرح كلّ اهتمام خارجيّ. نحن نصلّي لأنّ الصلاة مع الوقت هي التي تعلّمنا كيف يجب أن نصلّي. 
 
إذًا لا تخافوا، واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر كما يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي 4: 2.
 
أمّا في الضيقات بشكلٍ خاصّ وفي هذه الأيّام الدقيقة والحسّاسة، هنا يُمتحَن إيماننا، هنا نُختبَر – الطبخة من دون نار لا تساوي شيئًا. النار هي التي تُنضِجُ الطعام وتجعله لذيذًا. هكذا التجارب لا بدّ لها من أن تكون وفي التجربة علينا أن نكون صاحين متأهّبين حارّين غير خائفين.
 
الكنيسة تقوى في التجارب. هذا لا يعني أنّنا لا نريد السلام، أولى الطلبات في الكنيسة هي من أجل سلام العالم، هذا ما تردّده الكنيسة لا سيّما في قدّاس القدّيس باسيليوس خلال هذه الأيّام المبارَكة. 
 
لذلك مطلوبٌ من الكنيسة أن تُؤازر شعبها بأسلحة الكنيسة – المثابرة على المناولة الإلهيّة مع الاستعداد لها بشكلٍ دقيق، نضح المنازل والحقول بالماء المقدَّس، التطوافات بالأيقونات المقدَّسة والذخائر إن لزم الأمر مع الدعاءات والطلبات. هكذا الكنيسة تهزّ عروش العالم بأصوات مؤمنيها، فتهتزّ ممالك هذه الأرض المبنيّة على الرمال ويقوى عزم المؤمنين.
 
نحن مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودم، بل ضدّ رئاسات الشرّ الروحيّة. نحن أمام تجربة، لا نخور ونضمحلّ، نحن بقوّتنا لا نستطيع، لذلك افرحوا أنّ كلّ هذه التجارب حاصلة في هذه الأيّام المبارَكة لأنّ الجماعة هي مَن تؤازر وتعضد، فتنجلي نعمة الله بصلوات الكنيسة لكي تطهّر. 
 
نحن في الكنيسة نستلهم كلّ شيء بقوّة الروح القدس الحالّ فيها. لا تشكّوا أبدًا أنّ هذا الروح هو الذي يطهّرنا من كلّ دنس. كلّما نقول: 
 
"أيّها الملك السماويّ المعزّي روح الحقّ الحاضر في كلّ مكان... هلمّ واسكن فينا وطهّرنا من كلّ دنس". 
 
في زمن الأوبئة والحروب لا خلاص يا أحبّاء إلاّ هنا في الكنيسة. لذلك واجبٌ علينا أن نتشدّد رؤساءَ كهنةٍ وكهنةً وشعبًا حسنَ العبادة. لا يجوز أن نرمي المسؤوليّة على طرفٍ دون الآخر، كلّنا مسؤولون، كلّنا سوف نُحاسَب ونُسأل. كفى رُكوداً وكسلاً .... حان وقت العمل.