الكرمة - الأحد 10 تشرين الثاني 2019

 
الأحد 10 تشرين الثاني  2019      
العدد 45
 
الأحد 21 بعد العنصرة
 
 
اللَّحن الرابع        الإيوثينا العاشرة
 
*  10: الرَّسول أولمباس ورفقته، الشَّهيد أوريستس، القدَّيس أرسانيوس الكبادوكي، * 11: الرَّسول ميناس ورفقته، استفانيس، ثاوذورس الإسطوذيتي، * 12: يوحنَّا الرحيم رئيس أساقفة الإسكندرية، البارّ نيلس السِّينائي، * 13: يوحنّا الذهبيّ الفم رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، * 14: الرسول فيلبُّس، غريغوريوس بالاماس، * 15: الشُّهداء غورياس وصاموناس وأفيفس، بدء صوم الميلاد، * 16: الرسول متى الإنجيليّ. **
 
 
الملائكة
 
كلمة ملاك تعني مُرسل. هو مُرسل من أجل الخدمة: "أليسوا جميعهم أرواحاً مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 14). 
 
أُرسل الملاك جبرائيل لبشارة مريم العذراء (لوقا 1: 26) وأيضًا أخرج الملاكُ الرسول بطرس من السجن. عندها قال بطرس "الآن علمتُ يقيناً أن الربّ أُرسل ملاكه وأنقذني من يد هيرودس ومن كلّ أخطار شعب اليهود" (أعمال 12: 11).
 
يؤكّد آباء كثيرون أنّ الله أوجد الملائكة من العدم قبل خلق العالم الحسيّ والإنسان: "فإنّه فيه (أي في المسيح) خُلق الكلّ، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى سواءٌ كان عروشاً أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين الكلّ به وله قد خُلق" (كولسي 1: 16).
 
مهمّتهم في كلّ لحظة التأمّل، التسبيح وتمجيد الخالق. هم يغتذون من نور الله. منه يأخذون القوّة من أجل الخدمة. الملائكة قائمة في الصلاة أمام الله. لذا بالصلاة نحن نتشبّه بالملائكة من الربّ الإله وعن طريق الصلاة يتنقّى القلب.
 
القلب النقيّ هو الذي ينفع الآخرين أكثر بكثير من الأعمال المتنوّعة. القلب النقيّ هو الذي يفيد قلبَ الآخر.
 
"طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله" (متى 5: 8) الغاية هي رؤية الله.
 الصلاة هي آخر دواء للعالم الضائع والضاجّ. العالم فيه كثير من الضجيج، فيه كثير من الضياع. أهميّة الأرواح الملائكيّة هي في أنّهم يربطون العالم الأرضيّ بالعالم السماويّ.
 
"المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". الإنسان وحده في المسيح يبقى أرفع من الملائكة "ما هو الإنسان حتّى تذكره وابن الإنسان حتّى تفتقده؟ أنقصته قليلاً عن الملائكة بالمجد والكرامة كلّلته" (عبرانيين 2: 6-7).
 
مع كلّ هذا يبقى التواضع أساسَ وجوهر كلّ الحسنات والفضائل المتوفّرة عند الملائكة (الفيلوكاليا القدّيسان كالستوس وإغناطيوس)، من بينهم ميخائيل (من هو مثل الله) وجبرائيل (جبروت الله) وهما من رؤساء الملائكة.
 
يقول القدّيس يوحنّا الدمشقيّ": في الحقيقة وبالنسبة لله كلّ كائن وكلّ شيء هو ثقيل وماديّ".
 
أماّ القدّيس مكاريوس المصريّ فيقول: إنّ الأرواح الملائكيّة تملك جسداً ناعماً. إنّ طبيعتنا الساقطة تحول دون أن ترى الملائكة بينما يقول القدّيس مكاريوس إنّه باستطاعة كلّ واحد من المسيحيّين الأتقياء عن طريق الفكر أو الحسّ العميق أن يتّصل بالملائكة. أمّا الأطهار فباستطاعتهم أن يروهم وجهاً الى وجه.
 
+ افرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الرابع 
 
إنَّ تلميذاتِ الرَّب تَعَلَّمْنَ من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهج، وطرحْنَ القضاءَ الجدِّيَّ، وخاطبْنَ الرُّسُلَ مفتخراتٍ وقائلات: سُبيَ الموتُ وقام المسيحُ الإله، ومنح العالم الرحمة العظمى.
 
قنداق دخول السيدة إلى الهيكل باللَّحن الرابع 
 
إنّ الهيكل الكلّي النَّقاوة، هيكلَ المخلّص، البتولَ الخِدْرَ الجزيلَ الثَّمن، والكَنْزَ الطاهرَ لمجْدِ الله، اليومَ تَدْخُلُ إلى بيتِ الرَّب، وتُدخِلُ معَها النِّعمةَ التي بالرّوح الإلهيّ. فَلْتُسَبِّحْها ملائكة الله، لأنّها هي المِظلَّةُ السَّماوية.
 
 
الرِّسالَة
غلا 2: 16- 20
 
ما أعظمَ أعمالَكَ يا ربُّ كُلَّها بحكمةٍ صَنَعتَ
باركي يا نفسي الربَّ 
 
يا إخوةُ، إذ نعلَمُ أنَّ الإنسانَ لا يُبرَّرُ بأعمالِ الناموسِ بل إنَّما بالإيمانِ بيسوعَ المسيح، آمنَّا نحنُ أيضاً بيسوعَ المسيحِ لكي نُبرَّرَ بالإيمانِ بالمسيح لا بأعمالِ الناموسِ، إذ لا يُبرَّرُ بأعمالِ الناموس أحدٌ من ذوي الجَسَد. فإن كنَّا ونحنُ طالِبونَ التبريرَ بالمسيحِ وُجدنا نحنُ أيضاً خطأةً، أفيكونُ المسيحُ إذنْ خادِمًا للخطيئة؟ حاشى. فإنّي إن عدتُ أبني ما قد هَدَمتُ أجعَلُ نفسي 
متعدّياً، لأنّي بالناموسِ مُتُّ للناموس لكي أحيا لله. مع المسيح صُلبتُ فأحيا لا أنا بل المسيحُ يحيا فيَّ. وما لي من الحياةِ في الجسدِ أنا أحياهُ في إيمانِ ابنِ الله الذي أحبَّني وبذلَ نفسَهُ عنّي.
 
 
الإنجيل
لو 10: 25-37 (لوقا 8) 
 
في ذلك الزمان دنا إلى يسوعَ ناموسيٌّ وقال مجرّبًا لهُ: يا معلّمُ، ماذا أعملُ لأرِثَ الحياةَ الأبديَّة؟ فقال لهُ: ماذا كُتِبَ في الناموس؟ كيف تقرأُ ؟ فأجابَ وقال: أحبِبِ الربَّ إلهكَ من كلِّ قلبِك ومن كلّ نفسِك ومن كلّ قدرتِك ومن كلّ ذهنِك، وقريبَك كنفسِك، فقال لهُ: بالصواب أجبتَ. إعمَلْ ذلك فتحيا. فأراد أن يُزكّي نفسَهُ فقال ليسوعَ ومَن قريبي؟ فعاد يسوع وقال: كان إنسانٌ منحدِراً من أورشليمَ إلى أريحا فوقع بين لصوصٍ، فعَرَّوهُ وجرَّحوهُ وتركوهُ بين حيٍّ وميتٍ. فاتَّفق أنَّ كاهناً كان منحدراً في ذلك الطريقِ، فأبصرَهُ وجاز من أمامهِ، وكذلك لاوِيٌّ  وأتى إلى المكانِ فأبصرَهُ وجازَ مِن أمامِه. ثمَّ إنَّ سامِريًّا مسافِرًا مرَّ بِه فلمَّا رآهُ تحنَّن، فدنا اليهِ وضَمَدَ جراحاتهِ وصَبَّ عليها زيتاً وخمرًا وحملهُ على دابَّتهِ وأتى بهِ إلى فندقٍ واعتنى بأمرِهِ. وفي الغدِ فيما هو خارجٌ أخرَجَ دينارين وأعْطاهما لصاحِب الفندقِ وقالَ لهُ اعتَنِ بأمرهِ. ومهما تُنفق فوقَ هذا فأنا أدفَعَهُ لك عند عودتي، فأيُّ هؤُّلاءِ الثلاثةِ تَحسَبُ صار قريباً للذي وقع بين اللصوص؟ قال: الذي صنع َ إليهِ الرحمة. فقال لهُ يسوع: امضِ فاصنع أنتَ أيضاً كذلك.
 
 
في الإنجيل
 
للوهلة الأولى بعد قراءتنا لهذا المقطع الرسائلي نعتقد أنّ الرسول بولس ينقض الناموس إذ يقول إنّ الإنسان لا يمكنه أن يتبرّر بالناموس، علماً أنّ ربّنا يسوع المسيح قال "ما جئت لأنقض الناموس لكن لأتمّم". 
 
وقد تمّمه لمّا كان معلّقاً على الصليب عندما قال "قد تمّ كلّ شيء" فما يقوله الرسول بولس هنا إنّ الوصايا الناموسيّة، مهما عملنا بها، هي غير كافية لخلاص الإنسان، ولا تفتح له آفاقاً في علاقته مع الله إذ عاشها بحرفيّتها. 
 
أمّا نعمة الإيمان بربّنا يسوع المسيح، فهي التي تفتح الآفاق أمام الإنسان، وكلّما ارتوى من هذه النعمة كَبُر إيمانه وتقدّم في حياته مع الله.
 
وكعادة الربّ يسوع فقد أتمّ عمل هذا الإنسان الحافظ للناموس. ومن الوصيّة نفسها فتح له طريقاً جديدة ليكمّل مسيرته نحو الملكوت فيرث الحياة الأبديّة.
 
"ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة". يذكّر الوالدين أولادهم دائماً بوجوب سلوك الطريق المستقيم حتّى لو كبروا. كذلك تذكّر الكنيسة كلّ إنسان خُتم على اسم الآب والإبن والروح القدس، مهما بلغ من قامة روحيّة أن يسأل نفسه هذا السؤال. قليل منّا من يهتمّ لحياته الأبديّة، لأنّ الدنيويّات تُشغِلُنا وتُنسينا وتُفقدنا الأجمل في حياتنا. 
 
لذلك يا إخوتي اليوم لنفحص ذواتنا ونَغُصْ في أعماق النفس لكي ندرك ما إذا كنّا سائرين في الطريق المؤدّية للحياة الأبديّة، أو ما زلنا قابعين في دنيويّاتنا.
 
عن فحص الذات:
 
ولكي نستطيع أن نتغلّب على دنيويّات هذا العالم الباطلة إذ يقول سفر الجامعة "باطل الأباطيل كلّ ما هو تحت الشمس" فليسأل كلّ واحد منّا نفسه: هل أحبّ الله بكلّ كياني؟ هل أنا أعمل كلّ شيء كما يرتضي؟ هل أحبّ قريبي كما يريد هو؟
 
تقول الوصيّة: "وقريبك كنفسك" لو سلكتُ بحسب الناموس بحرفيّته لوجدتُ هذه الوصيّة صعبة جدّاً أن أعيشها وليس سهل على الإنسان أن يحبّ الآخر مثل نفسه. هذه حقيقة لا نقدر أن نهرب منها. 
 
ولكن بنعمة ربّنا يسوع المسيح كلّ أمر يَسهل علينا، فالربّ يتابع حديثه مع الناموسيّ ليعرّفنا كيف نحبّ القريب ومن هو القريب.
 
فالإهتمام بالآخرين والشعور معهم قبل أي شيء آخر هما باب للدخول لمعرفة من هو القريب. وهذا ينبع من محبتنا لله أوّلاً لنحبّ اذن بالعمل لا بالكلام والأشعار، عندئذ قد نفهم كلام الرب "الذي صنع معه الرحمة".
 
نحن والتربية الوطنيّة 
 
من خلال ما مرّ به الوطن وكشفت عنه ثورة الناس في مناطقه وشوارعه، يتبيّن أنّ المواطنيّة وحبّ الوطن معشّشة في صدور أبنائه، والرغبة أن يكون حكّامه على مستوى المطلوب من أجل تأمين عيش الشعب بسلام واطمئنان.
 
الكنيسة تصلّي دائمًا في كلِّ خدمة من أجل " حكّام هذا البلد وجنده ومؤازرتهم في كلِّ عملٍ صالحٍ" وتطلب من الرّب أن يكون حكمهم سلاميًّا لنعيش بهدوء ونعبد الله بحريّة وسلام. 
 
التزام المؤمن لشؤون وطنه هو تأكيد على دوره الذي أوكله الله به منذ البدء، أن يهتّم كوكيلٍ أمينٍ على خليقة الله من بشرٍ وحجرٍ وطبيعةٍ بكلِّ ما تتضمّن. وما كشفه الرّب يسوع لنا، أنَّ هذا الاهتمام وهذه الرعاية لا يقوم بها الإنسان كأجيرٍ وإنّما كابنٍ لله ووريثٍ له، مع التأكيد أنّ الوطن الأرضيّ ليس هو المبتغى النهائيّ، ولكنّه صورةٌ عنه إن ساد فيه العدلُ والحريّةُ والمحبّةُ والسلام. وهذه المزايا لا تقتنى دون توعيّةٍ وممارسة.
 
التوعيّة والتربيّة شرط أوّل لإنشاء وطنٍ فعليّ يتمتّع بمبادئ سامية وقيمٍ يسلك شعبه بموجبها، وما الفرديّة والمصالح الشخصيّة إلّا تقويضٌ لبناء الأوطان. وما الفساد الذي يستشري إلّا دلالةٌ على أنّ المصلحة الشخصيّة تنمو على حساب حبِّ الوطن، وبالتالي فقدان التربيّة والتنشئة الوطنيّة.
 
منذ الطفولة كانت لنا كتبٌ تعلّمنا الأخلاق، وكتب تربويّةٌ تعلّمنا حبَّ الوطن وكيفيّة التعامل مع الآخرين، إيمانًا من مؤلّفيها أنّ الانطلاقة الأولى للتربية على حبِّ الأوطان تبدأ منذ الطفوليّة والتآزر بين المنزل والمدرسة، بين البيت الأوّل والثاني الذي يعيش فيهما المرء. 
 
بأحدهما تكون الترجمة العمليّة في العلاقة بين أفراد العائلة وبالآخر مع المجتمع برمتّه المتمثّل برفاق المقاعد الدراسيّة.
 
التربية الوطنيّة تسهم في تنشئة وإعداد جيل مبنيّ على القِيَم الأخلاقيّة  والمبادئ الوطنيّة السامية لتحقيق نموّ الوطن على كلِّ الأصعدة، وتذليل العقبات التي تعترض نهضة الوطن والتصدّي للمشكلات التي تعترض سيادته وتأمين عيش كريم لشعبه.
 
التربية الوطنيّة تتجلّى بحبِّ الوطن واحترام أرضه وشعبه، ويظهر ذلك من وعي للحسِّ الوطنيّ والانتماء إلى احترام كلّ ما فيه من أصغر الأمور إلى أكبرها، إن من جهة القوانين المرعيّة والبيئة والناس، أم من جهة التصدّي لمن يرغب بنهب أرضه وثرواته أكانوا من الأعداء الخارجيّين أو الداخليّين. 
 
للأسف، بات أغلب الشعب اللبنانيّ وحكّامه اليوم، بغياب التعليم الأخلاقيّ والوطنيّ، يهتمّ بمصالح بلدان أخرى، تتوافق مع مصالحه وانتماءاته وأصبح بالكاد لا يعرف غير المقطع الأوّل من النشيد الوطنيّ، والطائفيّة البغيضة أصبحت بديلاً للوطنيّة فيه.
 
مؤسّساتنا الكنسيّة التربويّة ممّن اتّخذت الترابط بين الوطنيّة والأرثوذكسيّة اسمًا، لم يكن ذلك عبثًا وإنّما تأكيدًا على أنَّ العيش الحقيقيّ للايمان الأرثوذكسيّ يتجلّى بالمواطنة الحقيقيّة، وعيش الأبعاد العمليّة من المناقب المسيحيّة في وطنٍ واحدٍ يستطيع أن يحيا فيه مع الآخرين بوحدةٍ وتمايز.
 
التربية الوطنيّة بالنسبة للمسيحيّ هي ورشة عمل تقوم على التوعيّة على دور الوطن التاريخيّة ومكانته ودوره وتفعيل الإحساس بالمسؤوليّة تجاه كلّ ما يجري على أرضه، وهو بالتالي المكان الواقعيّ، لنبدأ فيه أوّلاً بتغيير ما في ذواتنا إلى الأفضل وليتجلّى فيه الإيمان الذي نعتنق لنكون فيه شهودًا لربِّ الكون.

 

 

 

 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies