الكرمة - الأحد 2 حزيران 2019

 
 
الأحد 2 حزيران 2019
 
العدد 22
 
أحد الأعمى 
 
اللَّحن الخامس الإيوثينا الثّامنة
 
* 2: نيكيفورس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، * 3: الشّهيد لوكليانوس، الشّهيدة باڤلا * 4: مطروفانس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، مريم ومرتا أختا لَعازر، * 5: وداع الفصح، الشّهيد دوروثاوس أسقف صور،
* 6: خميس الصّعود الإلهيّ، إيلاريون الجديد رئيس دير الدلماتن، الشّهيد غلاسيوس، * 7: الشّهيد ثاودوتُس أسقف أنقره، الشّهيد باييسيوس (كفالونيَّة)، * 8: نقل عظام ثاوذورس قائد الجيش، الشّهيدة كاليوبي. 
 
"آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص" (أع ١٦: ٣١)
 
بعد أن توسّع الرّسول بولس في تأكيده عدم جدوى النّاموس الموسويّ في تبرير الإنسان، مركًّزًا مواجهته للنّاموس على الختان الذي هو علامة العهد، شدّد على أنّ الإيمان بيسوع المسيح هو المعيار الوحيد للتّبرير. 
 
ثمّ لخّص هذه الحقيقة بقوله: "لأنْ في المسيح يسوع لا الختانُ ينفعُ شيئًا ولا الغرلة، بل الإيمانُ العاملُ بالمحبّة" (غل 2: 6). فما هو هذا الإيمان الذي أصبح شرطًا للدّخول في عهد الله الجديد؟
 
الإيمان هو استجابة الإنسان لكلمة المسيح (رو ١٠: ١٧). يتكَّلم المسيح واضعًا كلمته في فم رسله (٢كور ٥: ١٩-٢٠، ١٣: ٣)، لأنّ الرّسولَ خادمٌ لعمل الله (٢كور ٥: ١٨)، من حيث إِنّه ينقل الدّعوة إلى الشّعوب ليحسِّنوا علاقتهم بالله. لكنّ الله ذاته هو الذي يكرز ويدعو إلى ذلك (٢كور ٥: ٢٠؛ ١تس ٢: ١٣). 
 
وبقوله "كأنّ الله يعظ بنا" و"نطلب عن المسيح، تصالحوا مع الله" (٢كور ٥: ٢٠)، يشدَّد الرّسول بولس، بوضوح، على أنَّ الله ينتظر من الإنسان أن يقبل عمله؛ فإنّ الله المحبّ البشر والكّليّ الصّلاح، الذي جعل ابنه "الذي لم يعرف خطيئةً من أجلنا لنصير نحن برّ الله فيه" (٢كور ٥: ٢١)، لم يتوقّف عند هذه التضحية، بل تابع مبادرته، وها هو يرجو النّاس أن يقبلوا العطيّة. لهذا السبب لا يتردّد الرّسول بولس في القول: "ولكنّ الكلّ من الله" (٢كور ٥: ١٨)، ذلك لأنّ الله قدَّم ابنه من أجل تبرير الإنسان، وبدل أن ينتظر تقدمةً ملائمة من جهة الإنسان، تراه يرجو الإنسان أن يقبل الخيرات التي يقدِّمها له مجّانًا (٢كور ٥: ٢٠).
 
لكنّ استجابة الإنسان المنتظرة لا تكون بحفظه الوصايا التي تخاطب الإنسان الجسدانيّ كي يتحقّق التّبرير، لئلّا يقع في جهل مماثل لجهل اليهود الذين سعَوا للحصول على برّهم الخاصّ، لا برّ الله (رو ١٠: ٣). أمّا في ما يتعلّق بعمل الله الخلاصيّ، فالمسيح هو معيار التبرير بالإيمان؛ والنّاموس وحده، من دون المسيح، يعجز عن أن يبرِّر أيّ إنسانٍ (غل ٣: ٢١؛ ٨: ٣)، "لأنّ المسيح هو هدف النّاموس للبرِّ لكلّ من يؤمن" (رو ١٠: ٤؛ غل ٣: ٢٤).
 
على الإنسان، إذًا، أن يسمع كلمة المسيح، وأن يتعلَّم كلمة إنجيل الخلاص، كي ينتهي به المطاف إلى الإيمان بقوّة، والاعتراف جهاًرا بأنَّ المسيح هو الرّب. 
 
هذا ما يلخّص خبرة الإيمان، وهذه الخبرة تشرح القول “إنّ الإيمان يأتي من السّماع" (رو ١٠: ١٧). تبدأ خبرة الإيمان بقبول كلمة البشارة (١كور ١٥: ١١. ١٤)، وتنتهي بالطّاعة.
 
عبر علاقة مترابطة بين الإيمان بالمسيح وطاعته، يغدو المسيح ربًّا ومخلّصًا للإنسان. يؤكّد الرّسول بولس أنّه أخذ النعمة والرّسوليّة من المسيح، كي يقيم "طاعة الإيمان" في جميع الأمم (رو ١: ٥، ١٦: ٢٦). عندما يقبل الإنسان المسيح ويعترف به ربًّا وسيّدًا على حياته، يتحوّل، عندها، قبوله إلى خضوع، واعترافُه إلى التزامٍ بكلمة المسيح. هذه الحقيقة تتّضح أكثر في عبارة الرّسول بولس: "... على طاعة اعترافكم بإنجيل المسيح" (٢كور ٩: ١٣). 
 
إذًا، لا يعتبر الرّسول بولس الإيمانَ قبولاً فكريًّا وحسب ومجاهرةً بأنّ "المسيح هو الرّبّ"، بل الإيمان عنده هو أن يكرّس الإنسان كلّ حياته لله (راجع في ٣: ٧-٨)، وأن يطيع كلمته ومشيئته. وهذا ما يجب أن يظهر في علاقات الإنسان مع الله، ومع إخوته في البشريّة، ومع كلّ الخليقة.
 
الإيمان، كطاعة، هو نهج حياةٍ مختلفٌ عن طريق الخطيئة (رج رو ٦: ١٦-١٧). عندما يؤمن الإنسان، يلتزم بالتّعليم الذي سمعه وقبِله. والإيمان، كطاعةٍ، هو خضوع الإنسان التامّ لمن صار سيّد حياته إلى درجةٍ ينتفي عندها كلّ اعتمادٍ على الذّات، لئلّا يقع الإنسان في الاِفتخار بقدراته؛ "فالافتخار قد انتفى" (رو ٣: ٢٧). 
 
هذا الإيمان هو شرط التّبرير من الخطايا، أي الخلاص من الخطايا والدّينونة التي تستوجبها. إنّ التّبرير لا يُتمَّم بسعيٍ لتطبيق أعمال النّاموس الموسويّ وجميع فرائضه، بل بواسطة الإيمان (رو ٣: ٢٧) الذي هو، قبل كلّ شيء، خضوعٌ للمسيح الذي يغفر الخطايا مجانًا وطاعةٌ له. 
 
من آمن بالرّبّ يسوع أمّنَه على حياته كلّها، فلا يحيا، بعد الآن، إلّا للمسيح الذي يحيا فيه، فيَخلُص.
 
الأرشمندريت يعقوب خليل
معهد القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ اللّاهوتيّ
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الخامس
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الاِبتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصِنا؛ لأنّه سُرَّ بالجسدِ أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهضَ الموتى بقيامتِه المجيدة.
 
قنداق الفصح باللَّحن الثّامن
ولَئِن كنتَ نزلتَ إلى قبر يا مَن لا يموت، إلّا أنَّك درستَ قوَّة الجحيم، وقمتَ غالباً أيُّها المسيحُ الإله. وللنِّسوةِ حاملاتِ الطِّيبِ قلتَ افرحنَ، ولِرسُلِكَ وَهبتَ السّلام، يا مانحَ الواقعينَ القيام.
 
الرِّسالَة
أع 16: 16-34
 
أنتَ يا ربُّ تَحْفَظُنا وَتَسْتُرُنا في هذا الجيل
خلّصْني يا ربُّ فإنَّ البارَّ قَدْ فَنِي
 
 
في تلك الأيّام، فيما نحن الرسُّلَ منطلقون إلى الصّلاةِ، استقبلَتْنا جاريةٌ بها روحُ عِرافةٍ، وكانت تُكسِبُ مواليَها كسباً جزيلاً بعرافتها. فطفقت تمشي في إثر بولس وإثرنا وتصيح قائلة: هؤلاء الرجالُ هم عبيدُ الله العليِّ وهم يبشِّرونكم بطريق الخلاص. وصنعت ذلك أيّاماً كثيرة، فتضجّر بولسُ والتفتَ إلى الروح وقال: إنّي آمُرُكَ بإسم يسوعَ المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة. فلمّا رأى مواليها أنّه قد خرج رجاءُ مكسَبهم قبضوا على بولس وسيلا وجرُّوهما إلى السُّوق عند الحُكّام، وقدّموهما إلى الوُلاةِ قائلين: إنّ هذين الرّجلين يبلبلان مدينتنا وهما يهودّيان، ويناديان بعاداتٍ لا يجوز لنا قَبولُها ولا العملُ بها إذ نحن رومانيّون. فقام عليهما الجمعُ معًا، ومزّق الوُلاةُ ثيابَهما وأمروا أن يُضرَبا بالعِصِيّ. ولمّا أثخنوهما بالجراح ألقَوهما في السجن وأوصَوا السّجّانَ بأن يحرسَهما بضبط. وهو، إذ أُوصِيَ بمثل تلك الوصيّة، ألقاهما في السجن الداخليّ وضَبَطَ أرجُلهما في المِقطرة. وعند نصف الليل كان بولسُ وسيلا يصلّيان ويسبّحان الله والمحبوسون يسمعونهما. فحدثت بغتةً زلزلةٌ عظيمةٌ حتّى تزعزعت أُسُسُ السجن، فانفتحت في الحال الأبوابُ كلُّها وانفكّت قيودُ الجميع. فلمّا استيقظ السّجّان ورأى أبواب السّجن أنّها مفتوحة، استلّ السَّيف وهَمّ أن يقتل نفسه لظنِّه أنّ المحبوسين قد هربوا. فناداه بولس بصوت عال قائلاً: لا تعمل بنفسك سُوءاً، فإنّا جميعنا ههنا. فطلب مصباحاً ووثب إلى داخل وخَرَّ لبولس وسيلا وهو مرتعد، ثم خرج بهما وقال: يا سيديَّ، ماذا ينبغي لي أن أصنع لكي أخلص؟ فقالا: آمِن بالربّ يسوع المسيح فتخلُصَ أنت وأهلُ بيتك. وكلَّماه هو وجميعَ من في بيته بكلمة الربّ، فأخذهما في تلك الساعة من الليل وغسل جراحهما واعتمد، من وقته، هو وذووه أجمعون. ثم أصعدهما إلى بيته وقدَّم لهما مائدة وابتهج مع جميع أهل بيته إذ كان قد آمن بالله.
 
الإنجيل
يو 9: 1-38 
 
في ذلك الزّمان، فيما يسوعُ مجتازٌ، رأى إنساناً أعمى منذ مولده. فسأله تلاميذه قائلين: يا ربّ، مَن أخطأ أهذا أم أبواه حتى وُلد أعمى؟ أجاب يسوع: لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمالُ اللهِ فيه. ينبغي لي أن أعمل أعمالَ الذي أرسلني ما دام نهار؛ يأتي ليلٌ حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل. ما دمتُ في العالمِ فأنا نورُ العالم. قال هذا وتفل على الأرض وصنع من تفلته طيناً وطلى بالطِّين عينَي الأعمى وقال له: إذهب واغتسل في بركة سِلوام (الذي تفسيرهُ المرسَل)، فمضى واغتسل وعَاد بصيراً. فالجيرانُ والذين كانوا يرَونه من قبلُ أنّه أعمى قالوا: أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي؟ فقال بعضُهم: هذا هو، وآخَرون قالوا: إنّه يشبهه. وأمّا هو فكان يقول: إنّي أنا هو. فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذلك وقال: إنسانٌ يُقال له يسوع صنع طيناً وطلى عينيّ وقال ليَ اذهب إلى بركة سِلوامَ واغتسل، فمضيت واغتسلت فأبصرت. فقالوا له: أين ذاك؟ فقال لهم: لا أعلم. فأتَوا به، أي بالذي كان قبلاً أعمى، إلى الفرّيسيّين. وكان، حين صنع يسوعُ الطينَ وفتح عينيه، يومُ سبت. فسأله الفرّيسيّون أيضاً كيف أبصر، فقال لهم: جعل على عينيَّ طيناً ثمّ اغتسلتُ فأنا الآن أُبصر. فقال قومٌ من الفرّيسيّين: هذا الإنسانُ ليس من الله لأنّه لا يحفظ السبت. آخَرون قالوا: كيف يقدر إنسانٌ خاطىءٌ أن يعمل مثل هذه الآيات؟ فوقع بينهم شِقاقٌ. فقالوا أيضاً للأعمى: ماذا تقول أنتَ عنه من حيث إنّه فتح عينَيك؟ فقال: إنّه نبيّ. ولم يصدّقِ اليهودُ عنه أنّه كان أعمى فأبصر حتّى دعَوا أبوَي الذي أبصر وسألوهما قائلين: أهذا هو ابنُكُما الذي تقولان إنّه وُلد أعمى، فكيف أبصر الآن؟ أجابهم أبواه وقالا: نحن نعلم أنّ هذا وَلَدُنا وأنّه وُلد أعمى، وأمّا كيف أبصر الآن فلا نعلم، أو مَن فتح عينيه فنحن لا نعلم، هو كامل السنّ فاسألوه فهو يتكلّم عن نفسه. قال أبواه هذا لأنّهما كانا يخافان من اليهود لأنّ اليهود كانوا قد تعاهدوا أنّه، إنِ اعترف أحدٌ بأنّه المسيحُ، يُخرَجُ من المجمع. فلذلك قال أبواه هو كامل السنّ فاسألوه. فدعَوا ثانية الاِنسانَ الذي كان أعمى وقالوا له: أَعطِ مجداً لله، فإنّا نعلمُ أنّ هذا الانسانَ خاطئ. فأجاب ذلك وقال: أخاطئٌ هو لا أعلم، إنّما أعلم شيئاً واحداً: أنّي كنتُ أعمى والآن أنا أُبصر. فقالوا له أيضاً: ماذا صنع بك؟ كيف فتح عينَيك؟ أجابهم: قد أخبرتُكم فلم تسمعوا، فماذا تريدون أن تسمعوا أيضاً؟ ألعلّكم أنتم أيضاً تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟ فشتموه وقالوا له: أنتَ تلميذُ ذاك، وأمّا نحن فإنّا تلاميذُ موسى، ونحن نعلم أنّ الله قد كلّم موسى؛ فأمّا هذا فلا نعلم مِن أين هو. أجاب الرجلُ وقال لهم: إنّ في هذا عَجبًا أنّكم ما تعلمون من أين هو وقد فتح عينَيّ، ونحن نعلم أنّ الله لا يسمعُ للخطأة، ولكنْ، إذا أحدٌ اتّقى الله وعمل مشيئته، فله يستجيب. منذ الدهر لم يُسمَع أنّ أحدًا فتح عينَي مولودٍ أعمى. فلو لم يكن هذا من الله لم يقدرْ أن يفعلَ شيئاً. أجابوه وقالوا له: إنّكَ في الخطايا قد وُلدتَ بجُملتك، أفأنتَ تعلِّمُنا؟ فأخرَجوه خارجاً. وسمعَ يسوعُ أنّهم أخرجوه خارجاً، فوجده وقال: أتؤمن أنتَ بابن الله؟ فأجاب ذاك وقال: فمَن هو يا سيّدُ لأؤمنَ به؟ فقال له يسوع: قد رأيتَه، والذي يتكلّم معكَ هوَ هو. فقال: قد آمنتُ يا ربُّ وسجد له.
 
في الإنجيل
 
نجد في حادثة فتح عينَيِ الأعمى منذ مولده شخصيّات عديدة، نستعرض مواقفها في الآتي لنفهم أكثر هذا المقطع الإنجيليّ:  
 
الرّبّ يسوع المسيح: هو ابن الله، الشّافي والمدبّر كلّ الأشياء، صانع النّور وواهبه، ومبدع الإنسان، ومجدِّد الخليقة. يسارع إلى تعزية الإنسان وعونه. فتح عَينَيِ الأعمى لأنّه ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالَم. 
 
اليَهود والفرِّيسيّون: يدرسون كتب الأنبياء والنّاموس والمزامير عن طريق الفلسفة والقانون، أي بالعقل فقط وبدون الرّوح والقلب، وبدون اختبار فعل النّعمة الإلهيّة وطلب الرّحمة. لذا، علقوا بروح هذا العالَم، بالحسد وحبّ السّلطة، فأُغلقت عيونهم (لها عيون ولا تبصر)، لأنّ الخطيئة تظلم بصيرة الإنسان. عماهم جعلهم يشتمون الأعمى، ويرفضون العجيبة التي حصلت معه، محاولين إثبات بطلانها. 
 
الإنسان المولود أعمى: العمى الجسديّ عنده صار سببًا لإنارة عينَي قلبه. فأصبح مُهيَّأً للمعرفة الفائقة، لذا أطاع كلمة الرّبّ وذهب واغتسل في بركة سلوام كما أمره الرّبّ. لم ينكر الذي شفاه، بل كان جريئًا بحواره مع اليهود الذين ضغطوا عليه لكي ينكر قوّة الله. وبسبب موقفه هذا، جرّدوه من حقوقه الدّينيّة والاجتماعيّة، وأَنكَر أَبوه وأمّه علمهما بالذي فتح عَينيه خوفًا من اليهود. 
 
أخيرًا، رأى الرّبّ، وآمن به وسجد له. 
 
والدا الإنسان الذي وُلد أعمى: خافا من اليَهود؛ والخوف يجعل الإنسان يكذب، وينكر.
 
التّلاميذ: سألوا الرّبّ يسوع عن سبب ولادة إنسان أعمى، وأعطوه سببين: خطايا الأهل، أو خطيئة الإنسان نفسه. أمّا الرّبّ يسوع فأعطاهم سببًا مختلفًا تمامًا عمّا اقترحوه: السّبب هو أن يتمجّد الله فيه، ومن ثمّ أراهم كيف تظهر أعمال الله بفتح عينَي الأعمى. 
 
 
كيف تظهر أعمال الله فينا اليوم؟ 
 
ونحن على عتبة نهاية الأربعين يومًا من الفصحيّات، نستذكر خدمة الهجمة التي فيها يرتّل الكاهن حاملًا شمعة الفصح المضيئة: "هلمّوا خذوا نورًا من النّور الذي لا يغيب..." ونقترب إليه لنشعل شموعنا ونبدأ فصحنا المجيد. 
 
فنرغب، في هذه اللّحظة، في أن يملأ النّور الإلهيّ حياتنا، فنرى قيامة المسيح، فنمجّد الله، ونستضيء بنوره وندرك مقاصد الحياة الأبديّة.
 
إنّ الكنيسة، في هذا الأحد الأخير قبل وداع الفصح، تريد من المؤمن أن لا يفقد نور القيامة بحياته، حتّى لا يضيع الرّجاء الذي فيه. 
 
الذي لا يرى إلّا ظلمة الحياة يفقد حكمة التّمييز. فبسبب التحدّيات اليوميّة التي يواجهها الإنسان، يسقط في فخ التجارب، فلا يعود يرى إلّا ظلمة الحفرة التي وقع فيها. 
 
إذا كنّا نرى الخيرات الكثيرة والبركات الغزيرة التي أعطانا الله إيّاها، الرّبّ يسوع الخالق، من فيض محبّته لنا، وبالأخصّ موته وقيامته وصعوده، فنفرح ونسبّح، ونمجّده ونشكره، ونسجد له، حينئذ تظهر أعمال الله فينا. 
 
لذا، نرفع اليوم هذه الصلاة (من إكسابستلاري الأحد)، طالبين من الرّبّ الرّحمة وقائلين: "يا ربّ أنر حدقتيّ العقليّتين المكفوفَتين من ادلهمام الخطيئة، واطلِهما بالاتّضاع وارحضهما بعبرات التّوبة". آمين.
 
 
"نريد أَن نرى يسوع"...
 
سأل قومٌ فيليبُّس: "يا سيّد... نريد أَن نرى يسوع"...
 
وإذ سألوا يسوع أَجابهم: قد أَتتِ السّاعة ليتمجَّد ابنُ الإنسان. الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكم: إن لم تقع حبّةُ الحنطة في الأَرض وتمُت فهي تبقى وحدها. ولكن، إن ماتت، تأَتي بثمر كثير. من يحبَّ نفسه يُهْلكْها ومَن يُبْغِضْ نفسه في هذا العالم يحفظْها لحياة أبديّة" (يو12: 21، 24، 26).
 
في حركة التجسُّد الإلهيّ، جعل الرّبّ النّاس كلَّهم يسأَلون عنه: من هو هذا الآتينا.؟!... وإذ رأَوه وجلسوا إليه قال لهم: "إن لم تقع حبّة الحنطة في الأَرض وتَمُت، فهي تبقى وحدها... ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير"...
الموت مع يسوع هو موت الموت العامّ!
 
 الّذي يعني إلغاء عشق الذّات والأَنا، لخدمة كلّ الّذين يضعهم يسوع في دَرْبِنا، لنحيا معهم ونُعَلِّمَهُم، إن أرادوا أن يعرفوا، من هو ذاك الّذي يسألون عنه..!!..
 
من هو يسوع.؟!...
هو حركةُ الحياة البكر المتنزّلة من روح الآب وفعله، ليصير الإله الإنسان المتجسّد وحده البَداءَة والنّهاية، الّذي يُخبر الآبُ الكونَ به...
 
لماذا يطلب الإنسانُ رؤية يسوع.؟!...
ليرى ذاته الضّائعة منه، الّتي فرَّطَ بها، ورماها في حضنِ الموت من جرّاء الأهواء الّتي انغمس فيها، ليستقبلها الشرّير في نار جهنّمه فيفنيها أيضًا وأيضًا!.
 
أَن نطلُبَ رؤية يسوع يعني، أن نطلب عيش الحياة فيه ومعه، إذ رآنا هو قبلُ..!!..
الإنسانُ لا يمكنُه رؤية خالقه..!!..
 
الإنسانُ يرى الخالق في سرِّ الحبّ..!!.. الحبّ وحده يحيي المائت..!!.. إنّ حُبُّ الآب أحيا ابنه يسوع المصلوب، إذ مات طوعًا، بكلمة الآب، وعُلِّق كالمجرم على صليب شعبه وخليقته التي رمى بها الشرّير في جُبِّ الأُسود، لتموت معذَّبة أمام كلّ الّذين يحبّون القتل والعداوة..!!..
 
هؤلاء سلّطوا منازعهم المريضة ليَلقى كلّ حبٍّ إلهيّ لعنة الشرّير. إنّ رفض موت الحبّ لأَجل إغناءِ وتكثير الّذين يبنون حياتهم في طاعة "الكلمة الإلهيّة"، المكتوبة والمعاشة سرّيًّا في التّوبة والغفران للآخر، كما غفر وما زال الإله يَغْفِرُ للإنسان كلّ يوم في العالم الذي يحيا فيه..!!..
 
وصرخ الإلهُ الابنُ قبل إطلاق روحه لسيّده وأَبيه المنتظره في السّموات وهو على الصّليب "اغفر لهم يا أبتاه... لأَنّهم لا يدرون ماذا يفعلون".؟!...
 
هكذا أجاب يسوع سائليه... "قد أتَتِ السّاعة، ليتمجّد ابنُ الإنسان... الحقَّ الحقَّ أَقولُ لكم: إن لم تقع حَبَّةُ الحنطةِ في الأَرض وتَمُت، فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير".
 
حَبَّةُ الحنطةِ تُزْرَعُ لِتُثْمر..!!.. وإذ تُثمر بتكاثرها تصيرُ حبّات وحبّات لا عدَّ لها..!!.. فالواحدة تصير خبزًا، تُطعِمُ الفلّاحَ زارع الحبّة الواحدة إلى جيل بعد جيل، واستمراريّةِ العطاء لفلّاحي الأَرض "بالكلمة" الّتي من عند الله... تصير الحياة الحقّ للجميع!.
 
هكذا يسوع في موته، أَثمر حياةً وحَيَواتٍ نحياها نحن كلّ يوم في جهاد وصحو وصلاة وحبٍّ وبركاتٍ قياميّة، نشهد لها اليوم للرّبّ في هذا الأُسبوع، أي في "منتصف الخمسين"، عيد صلبنا الطّوعيّ، موتنا وقيامتنا لنلقى ربّنا..!!.. في قيامته إذا أَحببناه، من كلّ القلب والفكر والقدرة والنّفس... هذه هي القيامة، وفي هذا الحبّ يسكن يسوع!...
 
أخبـــارنــــا
 
دير الشفيعة الحارّة يحتفل بعيده السنويّ
 
يحتفل دير الشّفيعة الحارّة- بدبّا، كعادته كلّ سنة، بعيد تأسيسه، وذلك يوم خميس الصّعود. تُقام، للمناسبة، في كنيسة الدّير، سهرانيّة عند السّاعة 7,30 من مساء الأربعاء الواقع فيه الخامس من حزيران 2019. تبتدئ السّهرانيّة بخدمة الغروب، تليها صلاة السّحريَّة، وتُختَم بترتيل القانون.
 
يوم الخميس الواقع فيه 6 حزيران 2019، الساعة 8,30 صباحًا، يقام القدّاس الإلهيّ برئاسة راعي الأبرشيّة المتروبوليت أفرام (كرياكوس).
 
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies