الكرمة - الأحد 26 أيّار 2019

 
 
الأحد 26 أيّار 2019            
 العدد 21
 
أحد السامريّة
 
اللَّحن الرابع الإيوثينا السابعة
 
 
* 26: الرُّسول كَرْبُس أحد السَّبعين، يعقوب بن حلفى، * 27: الشهيد في الكهنة ألّاذيوس، يوحنَّا الروسيّ، * 28: افتيشيوس أسقف مالطية، أندراوس المتباله، * 29: الشَّهيدة ثاودوسيَّا، ألكسندروس رئيس أساقفة الإسكندريَّة، *30: البارّ إِسحاقيوس رئيس دير الدلماتن، البارّة إيبوموني، *31: الشّهيد هرميوس، *1: الشهيد يوستينوس الفيلسوف.
 
"نؤمن لأنّنا قد سَمِعنا ونَعلَمُ" 
 
إمرأة سامريّة جاءت إلى البئر لتَستقي؛ تملأ جرّتها ماءً لتروي عطش الجسد. كَسَرت حواجز الأحكامٍ المُسبقة وخاطبت هذا الغريب الذي لم يكن من مِلّتها. 
 
استغربت، في البدء، نوعيّة الحوار مع السيّد، وكأنها تخاطب من ليس هو من هذا العالم. تطوَّر الحديث من مُجرّد سؤال وجواب ليؤول إلى خرقٍ للنفس، وطلب ما هو أسمى. صارت الكلمات صلاة. 
 
القائمُ من بين الأموات دَحرج الحجر عن قلبها، وأضاء نورُ العالم ظلمة حياتها المتشرذمة ما بين وقع أهوائها الخمسة وسُموّ معرفتها النظريّة.... التمست أن تغيّر مسيرتها إلى الأفضل. اعترفت بخطيئتها ولم تخجل. أَرادت السجود للحقّ إذ تعلم أنّ "المسيح يأتي ويُخبر بكل شيء". وها هي الآن تسمع وتعاين.
 
ظمأ النفسِ ارتوى، فتركت الجرّة ومَضت إلى المدينة. أسرعت لتخبر عن نبع الماء الحيّ. صارت، كالنسوة الحاملات الطيب، إناءً ينضحُ بكلمات القيامة والفرح، التعزية والأمل.
 
الصِّلة مع الربّ بقلبٍ خاشع وتواضع تُغيّر الإنسان. الصلاة تلغي رتابة الأمور المعيشيّة. بالصلاة، حين نعمل، يتطايرُ القلبُ من الأرض إلى حيث هو الكائن. يسمعُ الكلمة التي ترفع. 
 
يُعطَى أجنحةً روحيّة وإن كان بعد في قفص الصدر محصوراً. يُشابه الملائكة وهو بالجسد. يُعاين الله فيُسبِّحه على الدوام.
فما السبيل؟ وما هو مفتاح الإيمان؟ السامريّون فهموا تماماً كتلميذي عمواس، وبعد أن سَمعوا الكلام الذي يُلهبُ القلبَ، دعَوا الربَّ ليمكثَ معهم. فالربُّ "واقفٌ على الباب يقرع"، هل نفتح له أم نترك الأبواب مُغلقة؟
 
حقًّا قام الربّ، فهل تغيّرت حياتنا أم أنّنا نطلب الحيّ مع الموتى؟ لا نجعلنَّ الأمور السماويّة تأخذ قالباً دنيويًّا، بل، على العكس: هلمَّ بنا خارجاً للقياه صاعداً بنا إلى فوق، إلى حيث ننتمي.
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الرابع
إنّ تلميذاتِ الربّ تَعلَّمن من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القضاءَ الجَدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخِراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنح العالَمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
 
طروباريَّة نصف الخمسين باللَّحن الثامن
في انتصاف العيدِ اسْقِ نفسي العَطْشَى من مياهِ العبادَةِ الحسنةِ أيّها المُخَلِّص. لأنّك هتفت نحو الكلّ قائلاً: من كان عطشانَ فليأتِ إليَّ ويشرب. فيا ينبُوعَ الحياة، أيُّها المسيحُ إلهنا، المجد لك.
 
قنداق الفصح باللَّحن الثّامن
ولَئِن كنتَ نزَلتَ إلى قبر يا مَن لا يموت، إلّا أنَّك درستَ قوَّة الجحيم، وقمتَ غالباً أيُّها المسيحُ الإله. وللنِّسوةِ حاملاتِ الطِّيب قلتَ افرحنَ، ولِرسُلِكَ وَهبتَ السلام، يا مانحَ الواقعينَ القيام.
 
 
الرِّسالَة
أع 11: 19-30
 
ما أعظَمَ أعمالَكَ يا ربّ! كلَّها بحكمةٍ صنعت.
باركي يا نفسي الربَّ
 
 
في تلكَ الأيّام، لمَّا تبدَّدَ الرُّسُلُ من أجلِ الضِّيقِ الذي حصَلَ بسببِ استِفَانُسَ، اجتازُوا إلى فِينيقَيةَ وقُبُرسَ وأنطاكِيَةَ وهمُ لا يكَلِمونَ أحداً بالكلمِةِ إلاَّ اليهودَ فقط. ولكنَّ قوماً منهم كانوا قُبرُسِيّين وقَيْروانيّين. فهؤلاءِ، لمَّا دخَلُوا أنطاكيَةَ، أخذوا يُكلِّمونَ اليونانيّينَ مُبشِّرينَ إيّاهم بالربِّ يسوع. وكانت يدُ الربِّ مَعَهم، فآمنَ منهم عددٌ كثيرٌ ورَجَعوا إلى الربّ. فبلغ خبرُ ذلك إلى آذانِ الكنيسةِ التي بأورَشليمَ، فأرسَلوا بَرنابا لكي يجتازَ إلى أنطاكية. فلمَّا أقبَلَ ورأى نعمَةَ الله فَرِحَ ووعَظَهم كُلَّهم بأنْ يثبُتُوا في الربِّ بعزيَمةِ القلب، لأنَّه كانَ رجلاً صالحاً ممتَلِئاً مِن الروحِ القدُسِ والإيمان. وانضَمَّ إلى الربِّ جمعٌ كثيرٌ. ثمَّ خرَجَ بَرنابا إلى طَرسُوسَ في طلبِ شاوُل. ولمَّا وجَدَهُ أتى بهِ إلى أنطاكية، وتردَّدا معًا سنةً كامِلة في هذهِ الكنيسةِ وعلَّما جَمعًا كثيراً. ودُعَي التلاميذُ مَسيحيّين في أنطاكِيةَ أوّلاً. وفي تلكَ الأيّام انحدرَ من أورشليمَ أنبياءُ إلى أنطاكية، فقامَ واحدٌ منهم اسمه أغابُوسُ فأنبأ بالروح أن ستكونُ مَجاعَةٌ عَظيمَةٌ في جميعِ المسكونة. وقد وَقَع ذلكَ في أيّامِ كُلوديُوسَ قيصرَ، فَحَتَّمَ التلاميذُ، بحسَبِ ما يتَيسَّرُ لكلِّ واحدٍ منهم، أن يُرسِلوا خِدمةً إلى الإخوةِ الساكنِينَ في أورَشليم، ففعلوا ذلكَ وبعثوا مَعونتَهم إلى الشُّيوخِ على أيدي بَرنابا وشَاوُلَ.
 
الإنجيل
يو 4: 5-42
 
في ذلك الزمانِ أتى يسوعُ إلى مدينةٍ منَ السّامرَةِ يُقالُ لها سُوخار، بقُربِ الضَّيعةِ التي أعطاها يعقوبُ ليُوسُفَ ابنهِ. وكانَت هُناك بِئرُ يعقوب. وكانَ يسوعُ قد تعِبَ مِنَ المَسير، فجلَسَ على حافَة البئر، وكانَ نحوُ الساعةِ السادسة. فجاءتِ اِمرأةٌ منَ السّامِرةِ لتستَقيَ ماءً. فقال لها يسوعُ: أعطيني لأشرَبَ- فإنَّ تلاميذَهُ كانوا قد مضَوا إلى المدينةِ ليَبْتاعوا طعاماً- فقالت لهُ المرأةُ السامريّة: كيفَ تَطلُبُ أن تشربَ مِنّي وأنتَ يهوديٌّ وأنا امرأةٌ سامريَّةٌ، واليهودُ لا يُخالِطونَ السامِريِّين؟ أجابَ يسوعُ وقالَ لها: لو عَرفتِ عَطيَّةَ اللهِ ومَن الذي قال لكِ أعطيني لأشربَ، لَطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًّا. قالت له المرأةُ: يا سيِّدُ إنَّهُ ليسَ معكَ ما تستقي بهِ والبئْرُ عميقةٌ، فَمِنْ أين لك الماءُ الحيُّ؟ ألعلَّكَ أنتَ أعْظَمُ مِنْ أبينا يعقوبَ الذي أعطانا البئرَ، ومنها شَرِبَ هو وبَنوهُ وماشيتُهُ؟! أجابَ يسوعُ وقالَ لها: كلُّ من يشرَبُ من هذا الماءِ يعطشُ أيضاً، وأمَّا مَن يشربُ من الماء الذي أنا أُعطيهِ لهُ فلن يعطشَ إلى الأبد، بَلِ الماءُ الذي أُعطيِه لهُ يصيرُ فيهِ يَنبوعَ ماءٍ يَنبعُ إلى حياةٍ أبديّة. فقالت لهُ المرأةُ: يا سيِّدُ أعطِني هذا الماءَ لكي لا أعطشَ ولا أجيءَ إلى ههنا لأستقي. فقالَ لها يسوعُ: إذهبي وادْعِي رجُلكِ وهَلُمِّي إلى ههنا. أجابتِ المرأةُ وقالت: إنَّهُ لا رجُلَ لي. فقال لها يسوعُ: قد أحسَنتِ بقولِكَ إنَّهُ لا رجُلَ لي. فإنَّهُ كان لكِ خمسَةُ رجالٍ والذي معَكِ الآنَ ليسَ رَجُلَكِ. هذا قُلتِهِ بالصِّدق. قالت لهُ المرأة: يا سيِّدُ، أرى أنَّكَ نبيٌّ. آباؤنا سجدوا في هذا الجَبلِ وأنتم تقولون إنَّ المكانَ الذي ينبغي أن يُسجَدَ فيهِ هُوَ في أورشليم. قال لها يسوعُ: يا امرأةُ، صدِّقيني، إنَّها تأتي ساعةٌ لا في هذا الجبلِ ولا في أورشَليمَ تسجُدونَ فيها للآب. أنتم تسجُدونَ لما لا تعلمون ونَحنُ نسجُدُ لما نعلَم، لأنَّ الخلاصَ هُوَ منَ اليهود. ولكن، تأتي ساعة، وهيَ الآنَ حاضِرَة، إذ الساجدونَ الحقيقيُّونَ يَسجُدونَ فيها للآبِ بالروح والحقّ. لأنَّ الآبَ إنَّما يطلُبُ الساجدينَ لهُ مِثلَ هؤلاء. اللهُ روحٌ والذين يسجُدون لهُ فبالروح والحقّ ينبغي أن يسجُدوا. قالت لهُ المرأةُ: قد عَلِمتُ أنَّ مَسيَّا، الذي يقالُ لهُ المسيحُ، يأتي. فمَتى جاءَ ذلك فهُوَ يُخبرُنا بكُلِّ شيءٍ. فقال لها يسوعُ: أنا المتكلِّمَ مَعَكِ هُوَ. وعندَ ذلكَ جاءَ تلاميذهُ فتعجَّبوا أنَّهُ يتكلَّمُ مَعَ امرأةٍ. ولكِنْ لم يَقُلْ أحدٌ ماذا تطلُبُ أو لماذا تتكلَّمُ مَعَها؟ فترَكتِ المرأة جرَّتها ومضَتْ إلى المدينةِ وقالت للنّاس: أنظروا إنساناً قالَ لي كُلَّ ما فعلت. ألعلَّ هذا هُوَ المسيح؟! فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوَهُ. وفي أثناء ذلكَ سألَهُ تلاميذُهُ قائلينَ: يا مُعلِّمُ كُلْ. فقالَ لهم: إنَّ لي طعاماً لآكلَ لستم تعرِفونهُ أنتم. فقالَ التلاميذُ فيما بينهم: ألعلَّ أحداً جاءَهُ بما يَأكُل؟! فقالَ لهم يسوعُ: إنَّ طعامي أنْ أعمَلَ مشيئَةَ الذي أرسلَني وأُتِّممَ عملَهُ. ألستم تقولون أنتم إنَّهُ يكونُ أربعةُ أشهر ثمَّ يأتي الحصاد؟ وها أنا أقولُ لكم إرفعُوا عيونكم وانظُروا إلى المزارع، إنَّها قدِ ابيضَّتْ للحَصاد. والذي يحصُدُ يأخذُ أجرةً ويجمَعُ ثمراً لحياةٍ أبدَّية، لكي يفرَحَ الزارعُ والحاصدُ معًا.
 
ففي هذا يَصْدُقُ القولُ إنَّ واحداً يزرَعُ وآخرَ يحصُد. إنّي أرسلتُكُم لتحصُدوا ما لم تتعَبوا أنتم فيه. فإنَّ آخرَينَ تَعِبوا وأنتُم دخلتُم على تَعبِهم. فآمنَ بهِ من تلكَ المدينةِ كثيرونَ مِنَ السّامريّينَ من أجلِ كلامِ المرأةِ التي كانت تشهَدُ أن قدْ قالَ لي كلَّ ما فعلت. ولمَّا أتى إليهِ السّامريُّونَ سألوهُ أن يقيمَ عِندهُم، فمكَثَ هناكَ يومين. فآمنَ جَمعٌ أكثرُ من أولئكَ جدًّا من أجل كلامِهِ، وكانوا يقولونَ للمرأةِ: لسنا من أجل كلامِكِ نُؤمنُ الآن، لأنَّا نحنُ قد سمعْنا ونَعْلَمُ أنَّ هذا هُوَ بالحقيقيةِ المسيحُ مُخلِّصُ العالَم.
 
يسوع والمرأة السّامريّة
 
لقاء سيّدنا ومخلّصنا يسوع المسيح مع المرأة السامريّة هو من أجمل اللّقاءات في الإنجيل المقدّس، حيث نلمس محبّة المعلّم الإلهيّ وأسلوبه التربويّ والتعليميّ الحكيم لإنقاذ الإنسان من الخطيئة ورواسبها ولإيصاله إلى الإيمان القويم وللاِلتزام المسيحيّ.
 
اقترب يسوع من المرأة السامريّة بدقّة ورقّة، وبحكمة ومحبّة، كونه يقصد خلاصها. وبأسلوب لبق كشف لها أسرارها الخاصّة بدون أن يمسّ كرامتها. وظهر لها ولأبناء مدينتها السامريّين مسيحاً ومخلّصاً للعالم.
 
أراد يوحنّا الإنجيليّ بقوله: "كان عليه أن يمرّ بالسامرة"، أن يشدّد على أهمّيّة الحدث الذي قصده يسوع رغم أنّه كان ذاهباً من اليهوديّة متوجّهًا إلى الجليل، وكان باستطاعته أن يسلك طريقاً اخرى أقرب من الطريق التي كان اليهود يسلكونها ليتحاشوا المرور بالسامرة متجنّبين اللقاء بأعدائهم السامريّين.
 
هذا يدلّ على أنّ يسوع أراد القيام برسالة خاصّة؛ إنّه الراعي الصالح الذي يبحث عن الخروف الضالّ، ولا يُبالي بالتعب وبِنميمة الناس وكلامهم.
 
هناك، قرب البئر ونبع الماء، مكانِ تجمّع العائلات ولقاءات الشباب، تَمّ لقاء روحيّ بين يسوع والمرأة السامريّة.
بدأت المحادثة بينهما بالسخرية: "كيف تسألني أن أسقيك وأنت يهوديّ وانا امرأة سامريّة؟"
 
"كيف تتجاسر وتكلّمني وأنا عدوّتك؟"
 
فكّرت المرأة السامرية بيسوع وكأنّه يهوديّ عاديّ. عدوّ لها، يحتقرها ويعتبرها خاطئة، بينما هو اقترب منها، وهدفه تحريرها من الشهوة، من الخطيئة فتّاكة النفوس، التي استعبدتها مدّة سنين طويلة. أراد تحريرها من أصنام الدنيا التي كبّلتها وأبعدتها عن السعادة الحقيقيّة التي كانت تتوق اليها.
 
هو الذي، بحكمته الأزليّة، أظهر لها أنّه يحتاج إلى ماء الأرض ليمنحها ماءً حيًّا يتفجّر حياة أبديّة.
هو الذي يوفّر هذه الحياة للّذين يعبدون الله بالروح والحقّ.
 
هو بَداءَة رسالة السرّ الخلاصيّ وينمو ويثمر قدّيسين وقدّيسات ومرسلين ومرسلات ومعلّمين وشهداء.
 
هو مخلّص العالم. هذا اللّقب كان يُعطى للقياصرة والملوك والعظماء، متناسين أنّ الخلاص الحقيقيّ لا يتمّ عن طريق أشخاص يؤلّههم الناس بل بيسوع المسيح وحده ومعه وفيه.
 
كانت المرأة السامريّة منتبهة لعلامات الأزمنة، فكلّ حركة من يسوعَ وكلّ كلمة منه كانتا إشارة لها ودعوة لتبحث بعمق عن الحقيقة وعيشها وتطبيقها مع الآخرين.
 
فتقدّمت في مسيرة الإيمان بخطًى سريعة: ظهر لها هذا "اليهوديّ" سيّدًا وربًّا ونبيًّا ومعلّمًا ومسيحًا. فوعت، وعرفت وتحرّرت من أصنامها المغرية القاتلة ووصلت، بالحوار، إلى يسوع، فغمرها بلطفه ومحبّته ومسامحته وغفرانه، فراحت تذيع اسمه وتبشّر به وتشهد له وتوزّع محبّته على الجميع لينعموا بعطاياه.
 
دعاها يسوع فلبّت الدعوة.
 
نحن أيضًا، كلّنا مدعوّون من قِبَل يسوع الفادي المخلّص بأساليب مختلفة لنتحرّر من أصنام إنساننا القديم، إنسانِ الكبرياء والأنانيّة، لنلبس الإنسان الجديد، إنسانَ القداسة والنعمة المبرِّرة، فنعرف، بعمقٍ، حقيقة المسيح ونُدرك الوقت المناسب الذي يجب أن نخصّصه لقراءة الإنجيل وتأمّله، لنسمع صوت الربّ يسوع ونمشي على خطى السامريّة النادمة، لننال غفران الخطايا وتَغيُّر حياتنا وتصرّفاتنا.
 
القيامة والمحبة والقانون
 
ماذا يعني أن نكون قياميّين؟ 
 
في عالمنا اليوم مغريات كثيرة تشدّ المرء إلى أن يسلك وفق قوانين وأنظمة من المفترض أن ترتّب حياته. في هذا الإطار، يصبح عيش القيامة أحد التحديّات الكبرى التي تواجه المسيحيّة لأنّه ينبع من منطق المحبّة. فكيف يتجلّى إيماننا بالقيامة في حياتنا اليوميّة؟ وهل نسلك كأناس مقتنعين بأنّ القيامة غيّرت شيئًا ما فينا ولنا؟
 
القيامة نتيجة صَلب السيّد، وهذا الصَّلب أتى بحكم استند إلى "القانون" لأنّ كراهيَة اليهود للمسيح الذي أتى بتعليم يتخطّى الناموس اضطرّت أن تلجأ إلى هذا المنطق لتجابه المحبّة. لذلك تَساءَل بيلاطس، في الحديث بينه وبين المسيح: وما هو الحق؟ 
 
فهل الحقّ هو أن تنظر إلى الأمور انطلاقًا من القانون فقط؟ أم أنّك تسلّط على القانون ضوء المحبّة التي جعلت القيامة ممكنة؟ هذا هو السؤال الكبير.
 
مِن جهة قانون الطبيعة، القيامة ليست ممكنة. مَن لفظ أنفاسه على الصليب وأُودِع القبر، لا يمكنه أن يظهر من جديد في الجسد. الظهور في الجسد، الذي كان برهان القيامة، أتى بفعل المحبّة التي تنازلت بالتجسّد، وأحبّت حتّى الموت الذي انتصر على الموت. فالمحبّة هي أقوى من كلّ القوانين كما جاء على لسان بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس.
ماذا يعني أن تكون القيامة والمحبّة توأمين يتحدّيان القانون والناموس؟ هل هذا مجرّد شعر أم أنّه دستور حياة جديدة لنا نحن جماعة القيامة؟
 
أن نتحدّى القانون والناموس باسم القيامة والمحبّة يعني لنا، ككنيسة أراد لها السيّد أن تكون جسده الشاهد له ولمحبّته في هذا العالم، أن نكفّ عن الرجوع إلى حرفيّة القوانين والأنظمة متجاهلين حاجات الشعب المؤمن، وضرورات الحضور الفاعل في العالم، وإلزاميّة جعل المحبّة الحَكَم في وسط الجماعة. هل هذا واقعنا في الكنيسة ونحن نرى فيها الاِنقسامات باسم القانون والتاريخ وكأن ليس للتجسّد من أثر علينا؟ 
 
هل هذا هو واقع المحبّة والأبرشيّات تتجاهل بعضها البعض باسم استقلاليّة مَرَضيّة؟ الأنظمة موجودة في الجماعة ليأتي عملها "بلياقة وترتيب"، وليس ليحلّ محلّ المحبّة التي هي وصيّة الله لنا وهو في طريقه إلى الصليب.
 
أن نتحدّى القانون والناموس باسم القيامة والمحبّة يعني لنا، ككنيسة، أن تتجلّى في مؤسّساتنا المحبّة التي تلطف وتبني. فبقدر ما القانون هامٌّ والأنظمة هامّة لتضع المؤسّسة في سيرورة بناء ونموّ علميَّين، بقدر ما المحبّة والروح القياميّة ضروريّتان لتسلك المؤسّسات وفق ما جاء في تعليم السيّد بأمثلة كالاِبن الشاطر، والسامريّ الشفوق، والاِمرأة الكنعانيّة، إلخ. هل هذا واقع مؤسّساتنا اليوم؟ 
 
إن كان منطق القانون وحده هو السائد ماذا يعني، إذّاك، أن تكون المؤسّسة كنسيّة؟ تكون المؤسّسة كنسيّة إذا سادها جوّ المحبّة الذي يعطي القانونَ معناه، وإذا علّمت المؤسّسة وسلكت، مع موظّفيها ومع طالبي خدماتها، بموجب "حقّ الصليب" الذي أدّى إلى القيامة وليس بموجب "حقّ بيلاطس" الذي أدّى إلى التسليم. ماذا ينفعنا إن بقيت المؤسّسة وأصبحت دون روح؟ 
 
هذه ليست وصيّة السيّد لنا لمّا قال عن نفسه: جئت لأَخْدُمَ وليس لأُخْدَم.
 
أن نتحدّى القانون والناموس باسم القيامة والمحبّة، يعني لنا كمؤمنين أن نتعامل بعضنا مع بعض بموجب هذه المحبّة فلا نتغاضى عن ألم أخ بسبب الأنظمة التي وضعت بمنطق لحميّة أهل هذا الدهر. نشهد للقيامة كأفراد متى قلنا للعالم إنّنا نحبّ بعضنا بعضًا، ونحبّ الآخرين، رغم خطايانا وخطاياهم، ونحزن لحزنهم، ونفرح لفرحهم، ومعًا نسعى إلى أن تكون القيامة جليّة فينا بسبب المحبّة. هل هذا واقع تعاطينا بعضنا مع بعض؟ 
 
نحن قياميّون فقط إذا احتكمنا، أوّلاً وآخرًا، إلى المحبّة ملتزمين حدود القانون كمُيَسِّرٍ لحياتنا وليس كمرجع لها. وإلّا ماذا يعني أن نقول للربّ في غروب القيامة: قم واحكم في الأرض! 
 
المسيح قام! ألا جعلنا من قيامته دستورًا لنا.
 
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies