الكرمة - الأحد 7 نيسان 201

 
 
الأحد 7 نيسان 201
العدد 14
الأحد الرّابع من الصّوم
 
اللّحن الرّابع الإيوثينا الأولى
 
* 7: (يوحنّا السُّلَّميّ)، الشَّهيد كليوبيوس، جرجس أسقف ميتيلين،** 8: الرّسول هيروديون ورفقته وهم من السَّبعين، * 9: الشّهيد آفبسيشيوس، رافائيل ونيقولاوس وإيريني (ميتيليني)، * 10: ترانتيوس وبومبيوس ورفاقهما، * 11: خميس القانون الكبير، الشّهيد أنتيباس أسقف برغامس، * 12: باسيليوس المعترف أسقف ڤارية، أكاكيوس الآثوسيّ، المديح الكبير، * 13: مرتينوس المعترف بابا رومية.
 
الأحد الرّابع من الصّوم أو أحد القدّيس يوحنّا السُّلَّميّ
 
هذا الأحد هو الأحد الرّابع من الصَّوم الأربعينيّ المقدّس، وهو معروف أيضاً بأحد القدّيس يوحنّا السلَّميّ (نسبة إلى كتاب شهير كتبه بعنوان سلَّم الفضائل).
 
لقد خصّصّت الكنيسة المقدّسة الأحدَين الرّابع والخامس للقدّيس يوحنّا السُّلَّميّ والقدّيسة مريم المصريّة، وكلاهما نموذجان هامّان للصّوم والصّلاة والتوبة الحقيقيّة، وهذه كلّها نحتاجها في فترة الصَّوم الأربعينيّ المقدّس.
 
إنّ الاِحتفال بتذكار هذا القدّيس العظيم مأخوذ من الترتيب والعادة السائدين في الأديار المقدّسة، إذ كان يُقرأ فيها كتاب القدّيس يوحنّا السلّميّ كقراءة مُحدّدة للرّهبان في فترة الصَّوم الأربعينيّ.
 
يصف القدّيس يوحنّا في كتابه (سلّم الفضائل)، وعَبر ثلاثين درجة (أو تعليمًا)، كيفيّة ارتقاء الرّوح نحو الله كصُعود سلّم الفضائل الإلهيّة، وهو يُعلّم أولئك الذين يسعَون إلى الخلاص في كيفيّة إرساء أساس متين للجهاد الرّوحيّ.
 
كيفيّة تحديد الأهواء ومحاربتها، وسبل تجنّب الفخاخ الشّيطانيّة، وكيفيّة النهوض من الفضائل الأوّليّة إلى كمال المحبّة والتواضع الإلهيّين.
 
أمّا القراءة الإنجيليّة فهي من (مرقس 9: 17- 31).
 
تبدأ التّلاوة الإنجيليّة بإنسان أتى إلى يسوع ساجداً وطالباً منه أن يشفي ابنه الذي به "روح أبكم".
 
يصف هذا الأب المتألِّم العوارض التي تنتاب ابنه هذا المسكون من الشّيطان. مَن يقرأ وصف هذه العوارض التي تصيب هذا الصبيّ "كان يصرعه فيزبد ويصرف بأسنانه وييبس" سوف يعتقد أنّها عوارض لشخص مصاب"بالصَّرْع" أو بأيّ مرض عقليّ كالجنون مثلاً.
 
إذ أنّ عوارض الصَّرْع قد تتشابه مع هذه العوارض المذكورة في الحادثة.
 
ولكن ما لا شكّ فيه أنّ هذا الصبيّ كان مسكوناً "بروح نجس" كما يُسمّيه الرّبّ يسوع. من الواضح تماماً أنّ هذا الصبيّ لم يكن يتحكّم بحركاته أو تصرّفاته بل كان خاضعاً لقوّة خارجيّة هي قوّة الشرّير.
 
هذا الرّوح "الأبكم والأصمّ"، عدوُّ كلّ خير، كان يؤذي الصّبيّ فكان "كثيراً ما يُلقيه بالنّار وفي المياه ليهلكه".
 
هذه الحادثة تثبت حقيقة وجود الشّيطان.
 
إذ أنّ الشّيطان أو "الرّوح الشرّير" ليس مجرّد فكرة أو وهم بل هو "كائن" حقيقيّ وموجود. الرّبّ يسوع نفسه أعلن للتلاميذ قائلاً: "رأيت الشّيطان ساقطاً مثل البرق من السّماء" (لوقا 1: 17).
 
لقد انتهر الرّبّ يسوع "الرّوح النّجس" قائلاً له:
 
"أنا آمرك أن اِخرج منه ولا تعُد تدخل فيه". لقد أثبت الرّبّ يسوع سلطانه على الأرواح الشرّيرة، هذا السلطان الذي كان إحدى علامات اقتراب ملكوت السَّمَوات.
 
يقول الإنجيل إنّ يسوع، عندما سأل تلاميذه أن يأتوا بالصبيّ إليه، لمّا رآه "للوقت صرعه الرّوح فسقط على الأرض يتمرّغ ويزبد".
 
لقد أدرك "الرّوح الشرّير" أنّه يقف أمام ربّ القوّات له المجد فأخذ يتخبّط. لقد أدرك أنّ نهايته قريبة فتصرّف كما يتصرّف وحش مفترس مُصاب إصابة مُميتة، وفيما هو يتخبّط يُحاول المحاولة الأخيرة للهجوم والأذيّة
 
يبدو جليًّا أنّ ضُعفَ الإيمان كان السّبب وراء عدم قدرة التّلاميذ على طرد هذا "الرّوح النّجس"، لهذا سأل الرّبّ يسوع أبا الصّبيّ قائلاً له:
 
"إنِ استطعت أن تؤمن فكلّ شيء مُستطاع للمؤمن".
 
إنّ موقف والد الصّبيّ يُعتبر من أجمل مواقف التّواضع والإيمان. لقد أجاب بدموع حارّة قائلاً: "إنّي أؤمن يا ربّ"، ولكن ربّما إيماني يتزعزع في بعض المرّات بسبب هَولْ التجارب وصعوبتها، فأنت شدِّد إيماني وثبّته على صخرة الاِعتراف بك.
 
لقد سأل التّلاميذ معلّمهم: "لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟" فقال لهم "إنّ هذا الجنس لا يُمكن أن يخرج بشيء إلّا بالصّلاة والصّوم".
 
يظهر من هذا التّعليم أنّ الصّلاة والصّوم شرطان ضروريّان للتغلّب في الحرب على الشّيطان، هما أساسيّان في الحياة الرّوحيّة وللإيمان وليسا أمرين زائدين أو قيمة مُضافة إلى جهادنا الرّوحيّ.
 
الصّوم والصّلاة ليسا حكراً على الرّهبان والرّاهبات بل هما للجميع وإن اختلفت طريقة ممارستهما ودرجتها بين العلمانيّين والرّهبان.
 
الرّبّ يسوع نفسه صام أربعين يوماً قبل التجربة، ويُذكر في الأناجيل أنّه كان دائماً ينفرد عن التلاميذ للصّلاة (لو 22: 39) و(مرقس 1: 35).
 
في هذا الأحد الرّابع من الصّوم الأربعينيّ نكون قد تجاوزنا نصف زمان الصّيام المقدّس، فتُقدِّم لنا الكنيسة المقدّسة سلاحَين روحيَّين فعّالَين لنتابع مسيرتنا نحو الكمال هما الصّوم والصّلاة المذكوران في المقطع الإنجيليّ.
 
كما تضع أمامنا نموذجاً ومثالاً للفضيلة والنسك يُحتذى به في مسيرتنا نحو الكمال وهو القدّيس يوحنّا السّلّميّ الذي تدعوه الكنيسة:
 
"فخر النسّاك، الذي كان على الأرض ملاكاً وفي السّماء إنسان الله. زينة العالَم، نعيم الفضائل والصّالحات". ( غروب الأحد). آمين.
 
+ باسيليوس
متروبوليت أوستراليا ونيوزيلندا والفيلِّيبّين
 
 
طروباريّة القيامة باللّحن الرّابع
 
إنّ تلميذاتِ الرّبّ تعلّمنَ من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج. وطَرَحْنَ القضاءَ الجدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
 
طروباريّة القدّيس يوحنّا السّلّميّ باللّحن الثامن
 
للبرِّيّة غَيرِ المُثمرة بمجاري دُموعِك أمْرعتَ. وبالتنهُّداتِ التي منَ الأعماق أثمرْتَ بأتعابك إلى مائةِ ضِعفٍ؛ فَصِـرتَ كَوكَباً للمَسْكونةِ مُتلألئًا بالعجائب يا أبانا البارَّ يوحنّا. فتشفَّع إلى المسيحِ الإله في خلاصِ نفوسِنا.
 
القنداق باللّحن الثامن
 
إنّي أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُنديَّةً محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدائد، حتّى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
 
الرِّسالة
عب 6: 13-20
 
الرّبُّ يُعطي قوّةً لشَعبه 
قدِّموا للرّبِّ يا أبناءَ الله
 
يا إخوة، إنَّ اللهَ لمّا وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لم يُمكِن أن يُقسِمَ بما هُوَ أعظَمُ منهُ، أقسَمَ بنفسِهِ قائلاً: لَأُباركَنَّكَ بركةً وأُكثِّرنَّكَ تكثيراً. وذاك، إذ تَأنّى، نالَ الموعد. وإنّما الناسُ يُقسِمونَ بما هُوَ أعظَمُ منهُم، وتنْقضي كلُّ مُشاجرةٍ بينَهم بالقَسَم للتَثْبيتِ. فَلِذلك، لمَّا شاءَ اللهُ أنْ يَزيد وَرَثةَ الموعِد بياناً لعدم تَحوُّل عزْمِهِ، توسَّط بالقسَم حتى نَحصُلَ، بأمْرَينِ لا يتحوّلان ولا يُمكِن أن يُخِلف اللهُ فيهما، على تعزيَةٍ قويَّة، نحنُ الذين التجأنا إلى التمسُّكِ بالرَّجاءِ الموضوع أمامَنا، الذي هو لنا كَمِرساةٍ للنَفْسِ أمينةٍ راسِخة تَدْخُلُ إلى داخلِ الحِجاب حيث دَخَل يسوعُ كسابقٍ لنا، وقَدْ صارَ، على رُتبةِ مليكصادَق، رئيسَ كهنةٍ إلى الأبَدِ.
 
الإنجيل
مر 9: 17-31
 
في ذلك الزّمان، دنا إلى يسوعَ إنسانٌ وسَجدَ له قائلاً: يا مُعَلِّمُ قد أتيْتُك بابْني بِه روحٌ ْأبْكَمُ، وحيثما أخذهُ يصرَعُهُ فيُزبِدُ ويصرِفُ بأسنانه وَييبَس. وقد سألتُ تلاميذَكَ أن يُخرجوهُ فلم يَقدِروا. فأجابَهُم قائلاً: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن، إلى متى أكونُ معكُم؟ حتّى متى أحتمِلُكُم؟ هَلمَّ بهِ إليَّ. فأتَوهُ بهِ. فلمّا رآهُ للوَقتِ صَرَعَهُ الرّوحُ فسَقَطَ على الأرض يَتَمَرَّغُ ويُزبدُ. فسأل أباهُ: منذ كَمْ مِنَ الزّمان أصابَهُ هذا؟ فقالَ: مُنذُ صِباهُ، وكثيراً ما ألقاهُ في النّار وفي المياهِ ليُهلِكَهُ، لكنْ إنِ استَطَعْتَ شيئاً فَتَحَنَّنْ علينا وأَغِثنا. فقال لَهُ يسوعُ: إنِ استَطَعْتَ أن تُؤمِنَ فكُلُّ شيءٍ مُستطاعٌ للمؤمِن. فصاحَ أبو الصّبيّ مِنْ ساعَتِه بدموعٍ وقالَ: إنّي أُومِنُ يا سيِّدُ، فأغِث عَدَم إيماني.
فلمّا رأى يسوعُ أنَّ الجميعَ يتبادَرون إليهِ انتهَرَ الروحَ النَّجِسَ قائلاً لَهُ: أُّيُّها الروحُ الأبْكمُ الأصَمُّ، أنا آمُرُكَ أَنِ اخرُج مِنهُ ولا تعُدْ تَدخُلُ فيه. فصرَخَ وخبَطهُ كثيراً وخرجَ مِنهُ فصارَ كالـمَيْت، حتّى قال كثيرون إنَّه قد ماتَ. فأخذَ يسوعُ بيدِه وأنهضه فقام. ولمّا دخل بيتًا سأله تلاميذه على انفراد: لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟ فقال لهم: إنّ هذا الجنس لا يمكن أن يُخرَج بشيء إلّا بالصّلاة والصّوم. ولمّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِد أن يدريَ أحد، فإنّه كان يعلِّم تلاميذه ويقول لهم: إنّ ابنَ البشر يُسلَم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يُقتَل يقومُ في اليوم الثالث.
 
مختارات من كتاب السُّلّم إلى اللّه
 
في الغربة: "الغربة حكمة مجهولة عند النّاس، توق إلى التذّلل والضّيق، شوق إلى الله وتوغّل في الصّمت، انفصال عن كلّ شيء بغية بقاء الذّهن غير منفصل عن الله". (المقالة 3: 1 و3)
 
في الرّاهب: "مَن هو يا ترى الرّاهب الأمين الحكيم؟ هو مَن يحفظ غَيرته متّقدة إلى النّهاية. لا يزال، حتّى الممات، يزيد، كلّ يوم، على ناره ناراً وعلى اضطرامه اضطراماً، وعلى شوقه شوقاً وعلى همّته ونشاطه نشاطاً دون انقطاع". (المقالة 1: 27)
 
في العاشق لله: "يتصوّر وجه حبيبه على الدّوام ويعانقه في قلبه بنشوة ولا يستطيع، حتّى في نومه، أن يسكّن اشتياقه إليه. 
لكنّه يواصل في رقاده حديثه إليه. فعلى منوال هذا الحبّ الجسديّ يكون الحبّ اللّاجسديّ.
 
وقد انجرح بسهمه أحدهم (وأظن أنّه يشير إلى نفسه) وقال عن نفسه، ويا للعجب، "أنا نائم لحاجة الطبيعة لكنّ قلبي مستيقظ لكثرة حبّي" (نشيد الأَنشاد 5: 2). (المقالة 30: 13)
 
في الصّلاة: "فاتحةُ الصّلاة أن نطرد الهواجس الخاطرة لنا باستغاثة واحدة حال ظهورها، ومنتصَفُها أن نحصر فكرنا في كلمات الصّلاة ومعانيها. أمّا كمالها فهو اختطاف عقلنا في الرّبّ" (المقالة 28: 19)
 
في صلاة يسوع: "اجلد محارِبيك باسم الرّبّ يسوع، إذ ليس من سلاح أقوى لا في السماء ولا على الأرض". (المقالة 21: 7).
 
في الأهواء: "لم يبدع الله الشرّ ولم يسبّبه، وقد ضلّ الذين زعموا أنّ في النفس أهواءً شرّيرة وخفي عليهم أنّنا نحن الذين حوّلنا خواصَّ طبيعتنا إلى أهواء. 
فإنّ القدرة على إنجاب الأولاد مثلاً هي فينا بالطّبع ولكنّنا حوّلناها إلى الزِّنى. فينا الغضب بالطبيعة وذلك لكي نغضب على الشّيطان فوجّهناه نحن ضدّ الغريب... فينا شهوة الطّعام فحوّلناها إلى شراهة". (المقالة 26: 156)
 
في الهدوء: "أوّل الهدوء إبعاد الضّوضاء، أمّا كماله فعدم خشية الضّوضاء... الهادئ لا يتحرّك إلى التكلّم إلّا بصعوبة ولا يتحرّك إلى الغضب على الإجمال". (المقالة 27: 5)
 
في التّمييز: "كما أنّنا نستقي من البئر ضفدعاً مع الماء أحياناً، كذلك كثيراً ما نصنع الرّذائل مضفورة مع الفضائل بصورة غير منظورة. 
فإنّ الشّراهة، مثلاً، تختلط مع ضيافة الغرباء، والزّنى مع المحبّة، والدّهاء مع التّمييز، والخبث مع الفطنة، ... ومع الصّمت ادّعاء العلم، ومع الفرح الغرور،.. ومع الهدوء الضّجر والكسل... ومع التّواضع الدّالّة... ". (المقالة 26: 58)
 
 
لَوْم النّفس ولَوْم الآخَر
 
يميل البشر دائمًا إلى رمي أسباب أخطائهم على الآخرين لكي يبرِّروا أنفسهم؛ فمنذ بَدء الخليقة ألقى آدم سبب مخالفته على حوّاء، وحوّاء، بدورها، ألقته على الحيّة..
 
لنتأمّل في النصّ التّالي، الذي يتناول لَوم الذّات ولَوم الآخرين كخطوة جدّيّة لإصلاح النّفس:
 
لَوم النّفس يساعد على إصلاح الذّات وتنقيتها.
 
الذي يلوم نفسه يكون مستعدًّا لإصلاح ذاته.
 
ما دمت أعرف أنّ هذه خطيئة يكون عندي، إذًا، استعداد لكي أتركها. ولكن كيف لإنسان أن يترك شيئًا، ما دام لا يلوم نفسه إطلاقًا على عمله؟! إذًا لَوم النّفس يسبق، بلا شكّ، تنقية النّفس من أخطائها.
 
هو خطوة أولى للتّوبة. أمّا تبرير الذّات فهو شيطان يلتهم التّوبة ويفترسها.
 
إن وَجَدَ الشيطانُ إنسانًا يلوم نفسه ويريد أن يترك الخطيئة ويتوب، يحاول أن يخرجه من هذا النطاق الرّوحيّ، ويقول له لا تظلم نفسك بلا داع. في أيّ شيء أخطأت؟
 
إنّ الموقف كان طبيعيًّا جدًّا، لك عذرك في هذا الأمر والمسؤوليّة تقع على فلان وفلان، أو أنّ الظروف كانت ضاغطة. هذا هو كلام الشّيطان، أسلوب تبرير الذّات. أمّا القدّيسون فيقولون: في كلّ ضيقة تحدث لك قل هذا بسبب خطاياي.
 
إنّك لا تخسر شيئًا إذا لمت نفسك بل إنّ هذا يقودك إلى التّوبة إن كنت مخطئًا، وينمّيك روحيًّا إن كنت بريئًا.
 
في إحدى المرّات زار القدّيس البابا ثيوفيلوس جبل نتريا والتقى بأبي الرّهبان المتوحّدين في ذلك الجبل، وسأله، كأب، عن أعظم الفضائل التي أتقنوها طول ذلك الزّمن في الوحدة؟
 
أجاب القدّيس أبو رهبان نتريا: صدِّقني يا أبي لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان باللّائمة على نفسه في كلّ شيء... فائدة أخرى للَوم النّفس هي أنّه يساعد على الاِعتراف؛ لَوم النّفس يساعد على عدم إدانة الآخرين.
 
 
لَوم النّفس يقود إلى المغفرة.
 
ما يغفره الله لك، هو ما تعترف بأنّك أخطأت فيه، أمّا الذي تقول إنّك لم تخطئ فيه، فطبيعيّ أنّك لا تطلب عنه المغفرة، وبالتّالي لا تنال مغفرة عنه إن كان في واقعه خطأ. إن كنت تعرف أنّك مريض فسوف تسعى إلى الطّبيب لكي تشفى، وأمّا إن أصررت على أنّك سليم وصحيح، فحينئذ ستسمع قول الرّبّ:
 
لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى (مت 9: 12).
 
إنّ العشّار الذي لام نفسه وقال "إنّي خاطىء" استحقّ أن يخرج من الهيكل مبرّرًا، بعكس الفرّيسيّ الذي لم يجد شيئًا يلوم عليه نفسه فقال:
 
"أشكرك يا ربّ أنّي لست مثل سائر النّاس الظّالمين، الخاطفين، الزّناة" (لو 18: 11).
 
حقًّا، ما الذي يمكن أن يغفره الله لهذا الفرّيسيّ؟
 
إذن، إن كنت لا تدين نفسك فأنت تبدو بارًّا في عيني نفسك، بينما السّيّد المسيح قد قال: "ما جئت لأدعو أبرارًا إلى التّوبة بل خطأة" (مت 9: 13). وبهذا تكون خارج نطاق المسيح وهو لم يأتِ لأجلك.
 
* مكتبة الكتب المسيحيّة، المكتبة القبطيّة الأرثوذكسيّة. من كتاب "كيف نبدأ عامًا جديدًا؟" للبابا شنودة.
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies