الكرمة - الأحد 31 آذار 2019

 
الأحد 31 آذار 2019 
العدد 13
الأحد الثّالث من الصّوم
 
اللّحن الثّالث الإيوثينا الحادية عشرة
 
* 31: السّجود للصّليب المقدّس، الشّهيد إيباتيوس أسقف غنغرة، * 1: البارَّة مريم المصريّة، الشّهيدان پارونديوس وباسيليوس، * 2: البارّ تيطس العجائبيّ، * 3: البارّ نيقيطا، يوسف ناظم التَّسابيح، * 4: البارّ جرجس (مالاون)، البارّ زوسيماس، * 5: الشُّهداء كلاوديوس وديودورس ورفقتهما، ثاوذورة التسالونيكيَّة، المديح الرّابع،* 6: آفتيشيوس بطريرك القسطنطينيَّة، غريغوريوس السِّينائيّ. *
 
الغضب وَلَوم النَّفس
 
يقول إفغريوس: "من تغلّب على الغضب تغلّب على الشّياطين". الغضب يقود إلى الحقد. في البَدء نكون في جفاء ويُعالج الجفاء بالسّجدة والاِنسحاق مع طرح الأفكار المعادية.
 
كلمة مهينة بسيطة تدخل الاضطّراب في النَّفس ثم يأتي الهيجان، هيجان الأفكار في النَّفس. طبعاً يمكن للصّلاة في البداية أن تتدارك الأمر فتطرد الأفكار المعادية وتهدّئ النفسَ.
 
عندنا إذاً، في البَدء، الصّمت، الصّلاة، السّجدات، هذه أوّل الأدوية. هيجان النّفس يتقدّم الغضب كمن يرمي حطباً في الموقد ليضرم النّار. بعدها يتحوّل الحطب إلى جمر: هذا هو الغضب. إن ألقينا الملامة على أنفسنا نعود إلى هدوئنا ونصير في سلام.
 
الأمر الآخر الأهمّ هو أنّ الجمر يصبح، مع الوقت، فحماً. هكذا يستمرّ الغضب ويصبح حقداً.
 
الخلاصة: إن ألقينا الملامة على أنفسنا منذ البدء، واحتملنا بصبر، عندها ننجو من الإضطراب، من الهيجان، من الغضب والحقد. إنّ الأهواء تُقتلع عندما تكون بعدُ صغيرةً.
 
يمكن أيضًا أن نقابل الشرّ بالشرّ، في عمل ما، في كلمة أو في تصرّف. فينفر الإنسان من أخيه في قلبه. جُرح أحدٌ فضمد الجرح بسجدة، بملامة النّفس إلّا أنّ أثر الجرح لم يُمحَ بالكلّيّة. هنا الصّلاة المستمرّة من شأنها أن تلغي أثر الجرح بالكلّيّة. ألاعيب الشّيطان كلّها يحطّمها التّواضع. قال شيخ: من يصلِّ من أجل أعدائه لا يعرفِ الحقد أبداً.
 
* لَوْم النّفس: (1)
سمع أحد كلمة جارحة فاضطرب. راهب آخر أهانه الإخوة في الدّير فاحتمل كلّ شيء بصبر طويل على الآخرين، وفي وقت الشّتائم كان يتواضع وينسحق.
 
إذا كان هناك اضطّراب فهذا يأتي دائماً لأنّنا لا نلوم أنفسنا كما يقول الأب بيمين. عندما نلوم أنفسنا نعتبرها مستحقّة للإهانة ونشعر بفرح كبير وبراحة في النّفس.
 
سؤال: كيف ألوم نفسي ولا يكون هناك مبرّر للإهانة؟ إن فحصنا أنفسنا نجد أنّنا مسؤولون في كلّ الأحوال. عندما يتقدّم الواحد في الفضيلة ما يتعبه بات خفيف الحمل، لا سيّما أنْ لا شيء يحصل بدون العناية الإلهيّة.
 
كلّ شيء حاصلٌ لإفادتنا. إن لم تكن هناك إفادة مباشرة فعلى الأقلّ نتعلّم الصّبر. لذلك علينا أن نشكر الله في كلّ شيء. إن حصل خير فيكون هذا تدبير الله وإن حصل شرّ فهذا يعود لخطايانا. آلامنا مصدرها خطايانا.
 
كلّ منّا يتّهم الآخر من دون أن يلقي اللّوم على نفسه؛ هذا ما يحصل في الخلاف الزّوجيّ. كلّ يلقي الملامة على الآخر، كلّ يبرّر نفسه، همّه محاسبة أخيه.
 
تبقى نصيحة الشّيخ: أن نلوم أنفسنا في كلّ شي.
 
راجع كتاب التّعاليم الرّوحيّة.
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الثّالث
 
لتفرحِ السَّماويَّات، ولتبتهجِ الأرضيَّات، لأنَّ الرَّبَّ صنع عِزًّا بساعده، ووطئ الموتَ بالموت، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقذنا من جوف الجحيم، ومنح العالَمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
طروباريّة الصّليب باللّحن الأوّل
 
خلِّصْ يا ربُّ شعبكَ وبارك ميراثك، وامنح عبيدَكَ المؤمنين الغلبة على الشرّيـر، واحفظ بقوّةِ صليبِك جميعَ المختصّين بك.
 
القنداق باللّحن الثّامن
 
إنّي أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُنديَّةً محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدائد، حتّى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
 
الرِّسالة
عب 4: 14-16، 5: 1-6
 
خلِّص يا ربُّ شَعبَك وباركْ ميراثَك
إليكَ يا ربُّ أصرُخُ إلهي
 
يا إخوة، إذ لنا رئيسُ كَهَنةٍ عظيمٌ قد اجتازَ السماواتِ، يسوعُ ابنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بالاعترافِ. لأنْ ليسَ لنا رئيسُ كهنةٍ غيرُ قادرٍ على أن يَرثيَ لأوهانِنا، بل مُجَرَّبٌ في كلِّ شيءٍ مِثلَنا ما خَلا الخطيئة. فَلْنُقْبلْ إذاً، بثقة، إلى عرشِ النعمةِ لنِنالَ رحمةً ونجدَ ثِقةً للإغاثةِ في أوانها. فإنَّ كلَّ رئيسِ كهنةٍ مُتَّخَذٍ من النّاسِ ومُقامٍ لأجلِ الناس في ما هو لله ليُقرِّبَ تَقادِمَ وذبائحَ عن الخطايا، في إمكانِهِ أنْ يُشفِقَ على الذينَ يجهَلونَ ويَضِلُّونَ لِكونِهِ هو أيضاً مُتَلَبِّساً بالضَّعْفِ. ولهذا يجب عليهِ أنْ يقرِّبَ عن الخطايا لأجلِ نفسِهِ كما يُقرِّبُ لأجلِ الشعب. وليس أحدٌ يأخذُ لِنَفسِهِ الكرامةَ بَلْ من دعاه الله كما دعا هارون. كذلكَ المسيحُ لم يُمَجِّدْ نَفْسَهُ ليَصيرَ رئيسَ كهنةٍ بلِ الذي قالَ لهُ: "أنْتَ ابني وأنا اليومَ ولدْتُكَ". كما يقولُ في مَوضِعٍ آخَرَ: "أنْتَ كاهنٌ إلى الأبَدِ على رُتبَةِ ملكيصادَق".
 
الإنجيل
مر 8: 34-38، 9: 1
 
قال الرَّبُّ: مَنْ أرادَ أنْ يَتبَعَني فَلْيَكْفُرْ بنَفْسِهِ ويَحمِل صَليبَه ويَتبَعْني. لأنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُخَلِّصَ نفسَه يُهْلِكُها، ومَنْ أهلكَ نفسَهُ مِن أجلي وَمِنْ أجْلِ الإنجيل يُخَلِّصُها. فإنَّهُ ماذا يَنْتَفِعُ الإنسانُ لو رَبحَ العالَمَ كُلَّهُ وخَسِرَ نفسَهُ؟ أمْ ماذا يُعطي الإنسانُ فِداءً عن نَفْسِهِ؟ لأنَّ مَن يَسْتحيِي بي وبكلامي في هذا الجيلِ الفاسقِ الخاطئ يَسْتحيِي بهِ ابْنُ البَشَر متى أتى في مَجْدِ أبيهِ مَعَ الملائكةِ القِدِّيسين. وقالَ لهُمْ: "الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ قَوْماً مِنَ القائمين ههنا لا يَذوقونَ الموْتَ حتّى يَرَوا مَلكوتَ اللهِ قد أتى بقُوّةٍ".
 
في الإنجيل
 
يحتلّ الصّليب الكريم مقاماً جوهريًّا في السّنة الطقسيّة، وخاصّةً خلال فترة الصّوم الأربعينيّ المقدّس، لكي يتشدّد به المؤمنون، ويتذكّروا أنّ السّيّد المسيح قد صُلب لأجل خلاص جنس البشر.
 
وإنّه العلامة لتنازل المسيح ولمحبّته الفدائيّة للبشر. وإنّ كلّ ما يعانيه المؤمن خلال صومه، من جوع وآلام، لا يساوي شيئاً ممّا تحمّله المصلوب لأجل غفران خطايانا وللحياة الأبديّة التي نحياها به.
 
فالاِرتباط العميق، الذي بين الصّليب والسّيّد المصلوب، جعل منه إيقونة الإيقونات؛
 
لذلك يجب تكريمه، وإقامة زِيّاحات له خلال السّنة الطقسيّة لكي يظهر حبّ المسيحيّ المؤمن تجاه المصلوب والغلبة التي يملكها المؤمنون به على كلّ شيء.
 
ولهذا يُصلّي كلُّ منّا في هذه المناسبة: "يا ربّ امحُ كثرة خطاياي بكثرة رحمتك، وكمحبٍّ للبشر أهّلني أن أرى صليبك، وأجثو أمامه بنفس نقيّة خلال الإمساك (الصّوم)".
 
ولأنّ "الصّليب المقدّس هو قوّة الإمساك، معين السّاهرين، توطيد الصّائمين، المدافع عن المحاربين، فلنقترب منه أيّها المؤمنون بمحبَّة ولنكرّمه بفرح".
 
وفي الصّوم ينسى المؤمن نفسه، ولا يفكّر بشهوات جسده، ولا بالأطعمة، ولا بملذّات هذا العالَم.
 
لذلك يذكّرنا إنجيل اليوم بأنّ "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
 
لأنّ الإنسان يريد أن يستقطب كلّ شيء لنفسه، أمّا اتّباع يسوع فيتطلّب العكس، أي عطاء النّفس بالكلّيّة دون قيد أو شرط. وكلّ انغلاق ذاتيّ يحجب عن صاحبه معرفة الله، ويجرّده من نعمة الخلاص بيسوع المسيح.
 
فالصّليب ليس شعاراً اخترعه يسوع.
 
لقد وجده في صميم الإنسانيّة، واتّخذه على نفسه كما اتّخذ الإنسانيّة نفسها.
 
الحقيقة التي أُعلنت بآلام يسوع هي أنّ الإنسانيّة تعيش الصّلب منذ السّقوط في الخطيئة.
 
وهذه الحقيقة تضعنا أمام قرار حاسم: فإمّا أن نرتضي صليبنا، ونُرفع عليه، ونتبع يسوع إلى القيامة، وإمّا أن ننوء تحت ثقل الخطيئة، وننقاد إلى الموت الذي وطئه الرّبّ يسوع بموته.
 
"إنّ قوماً من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يرَوا ملكوت الله قد أتى بقوّة".
 
فالملكوت حاضر بيسوع المسيح، وأن يأتي هذا الملكوت بقوّة يعني أن تسود شريعته، وأن يسري فعلها في الوجود، وهذا تمّ بالصليب والقيامة اللّذين بهما غلب الموت.
 
لقد حلّ الملكوت بالرّبّ يسوع، لكنّ خطيئتنا الشخصيّة ما زالت تحجبنا عن معاينته. من يتطهّرْ من الخطيئة، ويتبع الرّبّ يسوع مضحّياً بذاته إلى المنتهى، يختبرِ الملكوت آتياً بقوّة في حياته، ولا يذُقِ الموت لأنّ الحياة تستوعبه إلى المنتهى.
 
من هنا كان إكرام الصّليب المقدّس في فترة الصّوم، لأنّ الصّليب يوصلنا إلى فرح القيامة، وإنّه المعين الذي تنبع منه كلّ الفضائل التي ينبغي لنا أن نتحلّى بها للبلوغ إلى نهاية الصّوم.
 
ألا أهِّلنا يا ربّ أن نجتاز هذه الفترة بتوبة صادقة، لننال مغفرة خطايانا، ونعاين نور قيامتك المجيدة. آمين.
 
 
الرُّوحانيّة الأرثوذكسيّة وروحانيّات البِدع
 
لم تعرف الأرثوذكسيّة يومًا هذا الاِنفصال بين اللّاهوت والحياة الرّوحيّة أو حياة التّقوى.
 
فاللّاهوت العَقَدِيّ الأرثوذكسيّ لم يَنمُ كعلم مجرّد، إنّما كان مواهبيًّا، ارتبط دائمًا بخبرة معرفة الله الرّوحيّة. ما تؤمن به الكنيسة تعيشه في أسرارها الإلهيّة؛
 
والصّلاة والحياة النّسكيّة، في مجملها، هي الوسائل الوحيدة التي تجعل النفس مهيَّأة للدّخول في عمق هذه الحياة الأسراريّة والاِمتلاء من معرفة حيّة ومباشرة لله.
 
فالحياة الرّوحيّة النسكيّة، في الأرثوذكسيّة، ليست سوى الحياة العمليّة للاهوت الكنيسة العَقَديّ.
 
لقد صارعت الكنيسة، في فترات عديدة في تاريخها، لتحفظ لاهوتها المواهبيّ مقابل إغراء الفلسفة الإنسانويّة الآتية من الغرب.
 
الفلسفة الإنسانويّة، التي تركّز على قدرات الإنسان البشريّة بمعزل عن معونة الله، أتت نتيجة حتميّة للاهوت المقاربة الأكاديميّة لمعرفة الله، في محدوديّة العقل والمنطق البشريَّين.
 
نتيجة هذا التحوّل الحتميّة للّاهوت الغربيّ، كانت تغيّرًا في الروحانيّة من الجهاد النسكيّ للنّفس والجسد، لأجل تطهير القلب من الأهواء وبلوغ معرفة الله، إلى جهاد عقلانيّ، والاِكتفاء باقتناء حياة خُلُقيّة صالحة ممدوحة.
 
من ناحية أخرى، وبفعل عقلنة الإيمان التي نتجت عن الحركات الإنسانويّة والمذهب السكولاستيكيّ، أخذت تنتشر في الغرب تقوًى شعبيّةٌ، أو نوع من التصوّف، قامت مبادئُه الرّوحيّة على تقوًى عاطفيّة تحرّكها الأحاسيس والمشاعر البشريّة، مع التّشديد على معاناة المسيح وعلى آلامه ودمه وعرقه، وطلب اختبار هذه الآلام الحسّيّة. 
 
ومع ازدياد هذه الخبرات، القائمة على ظهورات وعجائب مُضلّلة، واختبار آلام المسيح في خبرة الجراح، ازدادت الحركات الدّينيّة تغرّبًا عن التقليد النسكيّ، وابتدعت كلّ واحدة ما يُناسبها من أساليب التقوى في الحياة الرّوحيّة.
 
ولم تتوقّف هذه الحركات الدينيّة مع الزمن بل استمرّت تمتدّ، حتّى زمننا المعاصر، تحت أشكال وأسماء متعدّدة،
 
وكلّها تبني حياتها الرّوحيّة على هذه الحالة العاطفيّة الحماسيّة، وتقوم في مجملها على اتّباع نمط بشريّ صرف في التأمّل والتفكير والتخيّل.
 
هذه الخبرات لا يمكن أن تحرّك أكثر من الأحاسيس الخارجيّة للنّفس البشريّة.
 
الحياة الرّوحيّة في الأرثوذكسيّة هي فوق كلّ هذه الأساليب الحسّيّة والعقلانيّة.
 
الله متسامٍ على كلّ أحاسيسنا البشريّة المريضة بالأهواء. في الأرثوذكسيّة،
 
الإيمان بالله ليس مسألة عقلانيّة، ولا يمكن البلوغ إليه عبر الصّوَر الحسّيّة أو المشاعر أو المفاهيم الّتي نتقبّلها في ذواتنا. الإيمان الحيّ هو نموّ في خبرة معرفة الله، لهذا يتطلّب نسكًا وتطهيرًا حقيقيًّا للقلب.
 
الله يكشف ذاته في قلوب تلك الأجساد الّتي ماتت، بالنّسك، عن أهواء هذا العالَم. كلّ إعلانات الله للبشر لا تُدرَك بالعقل ومنطقه بل بالخبرة الهدوئيّة، خبرة التطهّر والاِستنارة.
 
وهكذا، طريق خلاص الإنسان هي واحدة، نسكيّة هدوئيّة، تتمّ من خلال جهاد ضدّ الأهواء لا يلين، والغاية هي تقديس الذّات. يقول القدّيس إسحق السّريانيّ:
 
"الحياة النسكيّة هي أمّ التقديس؛ إنّها تذوّق مسبق لأسرار المسيح... نقِّ جمال عفّتك بالدموع والأصوام... إنّه في الضيقات لا في الرّاحة امتُحن القدّيسون في محبّتهم للمسيح...
 
فالصّلاة، ترافقها الجهادات الجسديّة المختلفة: الصّوم، السّهر، وتعب السّجدات، هي المدخل الوحيد إلى الحياة الرّوحيّة، وكلّها تدفع القلب إلى التواضع والاِنسحاق والتّوبة وتوجّه النفس بثبات نحو الهدف الواحد الّذي هو بلوغ الحياة بيسوع المسيح.
 
وهذه الغَيرة النسكيّة، التي تُحرّكها محبّة المسيح، ليست سوى تعبير عن موت الإنسان عن محبّة الذّات الأنانيّة ومحبّة هذا العالم. هكذا تتهيّأ النفس البشريّة لسكن النّعمة الإلهيّة فيها التي تحقّق فيها كلّ برٍّ وصلاح.
 
هذه هي الطريقة التي تكسر تعظّم الأنا البشريّة وتقود إلى الاِتّضاع الّذي فيه يكتمل إحساس الإنسان بخطاياه وبحاجته إلى التوبة المخلِّصة.
 
في الجهادات النسكيّة تولد الصّلاة الرّوحيّة لا في التأمّلات، التي يتذوّق فيها الإنسان محبّة الله. يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس: "حين نصلّي نحتاج، بالتأكيد، إلى التعب الجسديّ الّذي يولّده السّهر والصّوم وما إليهما".
 
الحياة الرّوحيّة لا تتجزّأ، إنّها خبرة واحدة عاشها آباؤُنا القدّيسون، وهي ذاتها بدون توقّف.
 
أمّا كلّ هذه البدع وروحانيّاتها الكاذبة الناشطة في رعايانا الأنطاكيّة، التي تنشر خبرات غريبة كلّيًّا عن تقليدنا النسكيّ، تدّعي تجديد الرّوح في الكنيسة، من الكاريزماتيك وصولاً إلى حركة تيزي Taizé المعاصرة، التي يحاول البعض التّرويج لها بين شبابنا، فلَيست سوى شعوذات وأضاليل هدفها علمنة الحياة النّسكيّة الأرثوذكسيّة الآبائيّة والتّرويج لروحانيّة مسكونيّة تُهمّش كلّ طريقة الجهادات الرّوحيّة الأرثوذكسيّة، على طريقة الحوارات المسكونيّة المعاصرة التي تهمّش كلّ خصوصيّة الإيمان الأرثوذكسيّ.
 
لهذا، هذه الحركات ليست سوى امتداد لروح العولمة الدّهريّة؛ ومهما ادّعت من خبرات روحيّة فخبراتها فاسدة ومُضلِّلة، مجبولة بأهواء الإنسان الأرضيّ في حالته الساقطة.
 
كلّ الرّوحانيّات التي تنشأ خارج الخبرة الأرثوذكسيّة، خبرة الجهاد الرّوحيّ الأرثوذكسيّ، هي روحانيّات نفسانيّة كاذبة، تُعطي الإنسان راحة نفسانيّة لا علاجًا روحيًّا وشفاءً من أهوائه. وهي، حتمًا، لا تقود إلى تطهير القلب وإلى خبرة معاينة الله. تدعو هذه البدع المتنوّعة إلى روحانيّة لكن من دون نسك، روحانيّة ترضي أهواء الإنسان الساقط وراحته ومحبّته للّذّة، بدلاً من قمع هذه الأهواء. لا خلاص إلّا عبر صليب المسيح. الصّليب يعلّمنا إنكار محبّة الذات والثبات واحتمال آلام النسك والتجارب وسخط الشّياطين، حبّاً بالمسيح الذي احتمل كلّ شيء من أجلنا.
 
الرّوحانيّة الأرثوذكسيّة تعتبر النّسك الجسديّ هو المعين الأكبر في تجميع الذّهن إلى ذاته.
 
أمّا هذه الطريقة في التأمّل للحركات والرّهبنات اللّاتينيّة فهي مؤذية للّذين ما زالوا تحت سلطة الأهواء، لأنّها تقودهم، بسهولة، إلى التخيّلات والتشتّت في صور أهوائيّة وإلى تقبّل إيحاءات إبليس.
 
من تحرّر من سلطة الأهواء يصِر يسوع المسيح هو الصورة الوحيدة في ذهنه وقلبه؛ حينها لن يوجد خطر في التأمّل لأنّه يُصبح حقًّا طريقًا للنموّ في التّوبة وفي محبّة الله.
 
الرّوحانيّة النّسكيّة في الصّلاة الهدوئيّة، وحدها تقود إلى معاينة صحيحة وحقيقيّة لمجد الله الأزليّ غير المخلوق. الرّوحانيّة الحقيقيّة هي اشتراك حقيقيّ في نعمة الله غير المخلوقة.
 
كما أنّ الإيمان هو واحد، وعقائده هي واحدة، هكذا خبرة الكنيسة الرّوحيّة هي واحدة، وطريق جهاداتها الرّوحيّة هي واحدة.
 
هذا ما ينبغي للكنيسة السّاهرة على خلاص أبنائها أن تدينه، لا أن تسمح بتسرّب الفساد الرّوحيّ إلى إيمانها وأسرارها وإلى مسيرة جهاد أبنائها.
 
ألا يعلم أولئك الّذين يسمحون بهذه الأمور أنّهم يُصبحون كبلعام، "الّذي كان يُعلّم بالاق أن يُلقيَ مَعْثَرةً أمام بني إسرائيل: أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان، ويزْنوا" (رؤ14:2)؟
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies