الكرمة - الأحد 24 آذار 2019

 
 
الأحد 24 آذار 2019          
العدد 12
الأحد الثّانـي من الصّوم
 
اللّحن الثّاني  الإيوثينا العاشرة
 
* 24: غريغوريوس بالاماس، تقدمة عيد البشارة، أرتامن أسقف سَلفَكية، * 25:  عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة. * 26: عيد جامع لرئيس الملائكة جبرائيل، استفانوس المعترف، * 27: الشّهيدة مطرونة التَّسالونيكيّة، النبيّ حنانيا، * 28: البارّ إيلاريون الجديد، * 29: مرقس أسقف أريثوسيون، كيرلّلس الشمّاس والَّذين معه، المديح الثّالث، * 30:  البارّ يوحنّا السُّلَّميّ، النبيّ يوئيل، آفڤولي والدة القدّيس بندلايمون. **
 
نور التوبة
 
كان القدّيس غريغوريوس بالاماس يردّد باستمرار هذه الصّلاة: "يا ربّ أَنِرْ ظلمتي" طلبًا لرحمة الله والإستنارة. 
 
لا يستطيع الإنسان أن يعرف خطاياه ما لم يُنِرِ الرَّبُّ قلبَه. شرط التّوبة معرفة الخطيئة، ليس عقليًّا بل كيانيًّا، كمرض يتآكل الإنسان من الدّاخل، وإدراكُ مخاطِر استفحاله (للمرض) في التكمُّش بمشيئته (للإنسان) إنطلاقًا من الألم الناتج عن كره الخطيئة. 
 
هذا يمنح الإنسان الطاقة الداخليّة في الإرادة الذاتيّة للتعاون مع النّعمة الإلهيّة للنّدامة والرّغبة بالتّحرُّر والشّفاء وتغيير الحياة.
 
الخطيئة تُظلِم الفكر "وَدُوَارُ الشَّهْوَةِ يُطِيشُ الْعَقْلَ السَّلِيمَ" (سِفر الحكمة 4: 12) فيسير الإنسان على غير هُدًى، يَخبِطُ خَبْطَ عَشْوَاء في طريق دمار نفسه. 
 
قد يكذب البعض أو الأكثرون على ذواتهم في تشريع نواياهم وأفكارهم وأعمالهم مُلْبِسِينَها ثوب طاعة الكلمة الإلهيّة، في حين تكون هي نتاج مشيئة أنانيَّتهم وكبريائهم، فيدمّرون ذواتهم عوض أن يبنوها ويخربون حياتهم بدلًا من أن يقوّموها.
 
في زمن الصّوم والإمساك يحاول الإنسان أن يميِّز حركات نفسه في جسده عبر الاِنقطاع عن الزفرَين والصّبر على الجوع والعطش لكي يدرِّب إرادته بتطويع الجسد عبر الطاعة لله من خلال تعليم الكنيسة المقدَّسة وتوصياتها. 
 
هذه الطّاعة تساعد في تحرير الإرادة الذاتيّة من حُكم الأنا ليصير الله أنانا بكلمته السّاكنة فينا والمترجمة نيَّةً وفكرًا وقولًا وفعلًا.
 
الأهواء المستحكمة بالإنسان تُظلِم جسده وروحه معًا، إذ يصير الجسد خَمولًا في جهاد صنع مشيئة الله ونشيطًا في الاِستجابة لشهواته، والرّوح تهرب من سماع الكلمة الإلهيّة (ولو كانت تمارسُ الصّلاة) لأنّها تضع حاجزًا من الرفض بين العقل والقلب، إذ تمرُّ الصّلاة في العقل ولا تنزل إلى القلب فتبقى هكذا على مستوى العبور السَّطحيّ الذي ليس هدفه الاِستقرار بل تلبية حاجة الخطيئة إلى إسكات الضمير بالحجّة المنطقيّة كذبًا.
 
"فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!" (إنجيل متّى 6: 23). كيف يكون هذا؟! ... 
 
حين يرجع الإنسان إلى نور الصورة الإلهيّة التي فيه بالطّبيعة فينسبه إلى ذاته مؤلِّهًا نفسه بنفسه مستغنيًا عن الله مصدر النّور. 
 
نور الطبيعة البشريّة فينا يبقى صورة لا تتحقَّق إلّا بالنّعمة الإلهيّة المتنزِّلَة علينا في المسيح وبه. 
 
للإنسان نورانيَّة في ذاته لا تستضيء ما لم تتَّحِد بالنّور غير المخلوق الذي يهبه الرّبّ للتّائبين الطّالبين رحمته من كلِّ قلوبهم وقوّتهم وفكرهم وذهنهم.
 
التّوبة الرّؤوم هي توبة الله علينا حين يغفر لنا زلّاتنا وسقطاتنا وخياناتنا لمحبّته، وهو "توّاب" على خطايا البشر، لكن يبقى أن نتوب إليه بالإيمان الفاعِل بالطّاعة لمشيئته ليتطهَّر القلب بالعمل (Praxis) والمعاينة (Theoria) فيصير مستنيرًا بالنّور غير المخلوق الذي يتغلغل في كلّ كيانه مشعًّا منه على العالَم. هكذا يتّحد الإنسان بالله فيصير "الله الكلّ في الكلّ" حاضرًا وظاهِرًا، عَبر مجده، في حياة الإنسان بالنّور...
 
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
 
 
طروباريّة القيامة باللّحن الثّاني
 
عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرق لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ، المجدُ لك.
 
 
طروباريّة القدّيس غريغوريوس بالاماس باللّحن الثامن 
 
يا كوكبَ الرأي المستقيم، وسَنَدَ الكنيسةِ ومعلِّمَها. يا جمالَ المتوحِّدينَ، ونصيراً لا يُحارَب للمتكلِّمينَ باللّاهوت، غريغوريوسَ العجائبيّ، فخرَ تسالونيكية وكاروزَ النعمة، إبتهلْ على الدّوامِ في خلاصِ نفوسِنا.
 
 
قنداق تقدمة عيد البشارة باللّحن الرّابع 
 
بحلول الرّوح الكلّيّ قدسه، قد حَبلتِ بالمعادل  للآب في الجلسة والمساوي له في الجوهر، مع صوت رئيس الملائكة يا أُمَّ الإله استعادةَ آدم.
 
الرِّسالة
عب 1: 10-14، 2: 1-3 
 
أنتَ يا رَبُّ تَحْفَظُنا وتَسْتُرُنا في هذا الجيلِ 
خَلّصني يا رَبُّ فإنَّ البارَّ قَد فَني
 
أنتَ يا ربُّ في البَدءِ أسَّستَ الأرضَ والسّمواتُ هي صُنعُ يدَيْكَ. وهي تزولُ وأنت تبقى، وكلُّها تَبْلى كالثَّوب، وتطويها كالرِّداء فتتغيَّر، وأنتَ أنتَ وسِنوك لن تفنى. ولِمَنْ من الملائكة قال قطُّ اجْلِسْ عن يميني حتّى أجعلَ أعداءَك موطئاً لقدمَيْكَ. أليسوا جميعُهُم أرواحاً خادمة تُرْسَلُ للخدمةِ من أجلِ الذين سَيَرِثون الخلاص؟ فلذلك يجب علينا أن نُصغِيَ إلى ما سمعناهُ إصغاءً أشدَّ لئلَّا يَسْرَبَ مِنْ أذهانِنا. فإنَّه، إن كانتِ الكلمةُ التي نُطِقَ بها على ألسنةِ ملائكةٍ قَدْ ثَبَتَتْ وكلُّ تَعدٍّ ومعَصِيَةٍ نالَ جزاءً عدلاً، فكيفَ نُفْلِتُ نحنُ إنْ أهْمَلنا خلاصاً عظيماً كهذا، قدِ ابتدأ النُطقُ بِهِ على لسانِ الربِّ، ثمَّ ثبَّتَهُ لنا الذين سمعوهُ؟
 
الإنجيل
مر 2: 1-12 
 
في ذلك الزّمان، دخل يسوعُ كَفَرْناحومَ وسُمِعَ أنَّهُ في بَيتٍ، فَلِلوقتِ اجتمعَ كثيرونَ حتّى أنَّه لم يَعُدْ مَوْضِعٌ ولا ما حَولَ البابِ يَسَعُ. وكان يخاطِبُهم بالكلمة، فأتَوْا إليْهِ بِمُخلَّع يَحمِلُهُ أربعةٌ. وإذ لم يقْدِروا  أن يقتربوا إليهِ، لِسَببِ الجمع، كَشَفوا السّقفَ حيث كانَ. وَبعْدَ ما نَقَبوهُ دَلَّوا السّريرَ الذي كان المخلَّعُ مُضْطجِعاً عليه. فلمّا رأى يسوعُ إيمانَهم، قالَ للمُخلَّع: يا بنيَّ، مغفورةٌ لكَ خطاياك. وكان قومٌ مِنَ الكتبةِ جالسينَ هُناكَ يُفكِّرون في قُلوبِهِم: ما بالُ هذا يتكلَّمُ هكذا بالتجديف؟ مَنْ يَقْدِرُ أن يَغفِرَ الخطايا إلّا اللهُ وَحْدَهُ؟!! فَلِلْوقْتِ عَلِمَ يَسوعُ برِوحِهِ أنَّهُم يُفَكِّرونَ هكذا في أنفسِهِم، فقالَ لهُم: لِماذا تفَكِّرون بهذا في قلوبكم؟ ما الأيسَرُ أن يُقالَ: مَغفورةٌ لكَ خطاياكَ أمْ أن يُقالَ قُمْ واحمِلْ سريرَكَ وامشِ؟ ولكن لكي تَعْلموا أنَّ ابنَ البشر لَهُ سلطانٌ على الأرضِ أن يَغفِرَ الخطايا. ثُمَّ قالَ للمُخلَّع: لكَ أقولُ قُمْ واحمِل سَريرَك واذهَبْ إلى بَيتِكَ. فقامَ للوَقتِ وحَمَلَ سَريرَهُ، وخرَج أمامَ الجميع، حتّى دَهِشَ كُلُّهُم ومجَّدوا الله قائلينَ: ما رَأينا قطُّ مِثلَ هذا.
 
في الإنجيل 
 
تُظهر رواية شفاء المخلّع في كفرناحوم كيف أنّ يسوع هو محرّر النّاس من الخطيئة ومن المرض الذي هو نتيجة لها. النقطة الرئيسة في الحادثة هي كرازة يسوع للكتبة بأنّ "لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا" وهي تسمح لنا بأن نستنتج مساهمة الرواية في إرساء سلطان الكنيسة في غفران الخطايا، هذا السلطان الذي أخذته من مؤسّسها. 
 
وهذا المعنى مطلوب إيصاله مع الأحد الثّاني من الصّوم حيث يكون بعض المؤمنين قد بدأ يتعب ويتساءل عن جدوى ما يقوم به. كما أنّه يكمّل القصد الذي تمّت مباشرته في الأحد الأوّل، أحد الأرثوذكسيّة.
 
لا تعكس هذه المعجزة تعاطف يسوع مع ألم المريض وحسب، بل هي تعبير عن سلطانه الذي به يبدأ زمن جديد في الإنسانيّة، زمن تضعف فيه قوّة الشيطان وتنهزم، فيتحرّر الإنسان من طغيانه وتُؤسَس الكنيسة حيث يذوق المؤمن مسبقاً، عن طريق الأسرار، خيرات ملكوت الله.
 
كلّ كلمة ينطق بها يسوع في هذا المثل لها معناها العميق. يمدح يسوع إيمان الرجال الأربعة الذين حملوا المفلوج. 
 
يرى بعض المفسّرين أنّ المسيح أيضاً امتدح إيمان المفلوج نفسه لأنه رضي أن يحملوه بهذه الطريقة. إنّ إيمان مرافقي المريض الأربعة وقف خلف ابتكارهم. 
 
هنا نفهم أنّ الإنسان المؤمن حقًّا لا ينثني أمام حواجز تعترض طريقه بل يستنبط طرق عمل لكي يحقّق هدفه، لا من أجل فائدته الرّوحيّة الشخصيّة فحسب بل أيضاً من أجل فائدة الآخرين، خصوصاً عندما يكون هؤلاء الآخرون في حاجة. 
 
هنا نفهم درساً مهمًّا لحياتنا الشخصيّة وهو أنّ الإيمان شرط ضروريّ من أجل الخلاص، لكنّ للإيمان امتداداتٍ اجتماعيّةً لأنّ الإنسان المؤمن هو وسيلة لخلاص الآخرين. 
 
هذا يظهر من أنّ يسوع مدح إيمان مرافقي المخلّع قبل أن يشفيه. من جهة أخرى، في توجّه يسوع إلى المخلّع ومناداته إيّاه "يا بنيّ" تظهر الصِّلة العائليّة الوثيقة التي تتكوّن داخل الإنسانيّة الجديدة التي هي الكنيسة. 
 
في قول الرّبّ للمفلوج "مغفورة لك خطاياك" يطرح موضوع علاقة الخطيئة بالمرض. حسب يسوع وتعليم العهد الجديد يمكننا القول إنّ الخطيئة دخلت في العالم عن طريق آدم وكانت النتيجةُ المرضَ والفسادَ والموت. 
 
وجود المرض، إذاً، في العالم يشكّل مظهراً لحالة الخطيئة، لا بمعنى أنّ كلّ مرض عند الإنسان هو نتيجة خطيئة شخصيّة محدّدة، لكن بمعنى أنّ المرض يدلّ، بصورة عامّة، على ضعف الإنسانيّة وخضوعها لقوّة الشرّ. 
 
صحيح أن يسوع لا يفسّر مشكلة الخطيئة، ولا يحكي عن جوهرها أو مصدرها أو نتائجها المؤلمة. 
 
لكنه يلتقي بالإنسان الواقع فيها ويحرّره منها. هذا تعليمٌ عن أن زمن المسيّا المنتظر هو زمنٌ تُمحى فيه الخطيئة مع كل ذيولها. لذلك نحن نسمّي المسيح رافع خطيئة العالم، كما نرتّل في المجدلة الكبرى. ولهذا نحن نقرأ عجائب يسوع الواردة في الأناجيل كتعبير عن غلبة الله على القوات الشيطانية التي تقبض على الناس وتأسرهم ودلالة على بداية زمن النعمة والخلاص.
 
إنّ الكتبة الحاضرين اعتبروا كلام المسيح على غفران خطايا المخلَّع تجديفاً لأنّهم لا يعترفون بسلطانه بل يعتقدون أنّه ينسب لنفسه، تجديفًا، خصائص وسلطة إلهيّة.
 
لكنّ يسوع يظهِر لهم أنّهم إذا كانوا يعتبرون شفاء الجسد أصعب من غفران الخطايا  فلأنّهم لا يستطيعون رؤية الخطيئة والتحقّق منها، إلّا أنّه ينظر إلى السبب والنتيجة في آن واحد. بهذا يظهِر أنّ ابن الإنسان ليس فقط ذاك الذي سوف يتألّم ويعود بمجد ليدين العالم، بل هو أيضاً العامل في الوقت الحاضر فيما بين الناس ومؤسِّس الكنيسة.
 
لقد غلب يسوعُ المسيحُ تسلّطَ الخطيئة على الناس مع كلّ ذيولها، حتّى ولو كانت الخطيئة لا تزال تؤثّر على البشر. وهذا يعود إلى أنّ الدّهر القديم مع كلّ قوّاته الفاسدة ما زال قائماً إلى جانب الدّهر الجديد الذي بدأ مع المسيح وتحقّق في الكنيسة ويكتمل في مجيء المسيح الثاني. إنّ عدم قبول الخطيئة في الكنيسة لا يعني أنّ حصولها غير ممكن بل يعني أنّه يمكن للمؤمن أن يتجنّبها. وحتّى في حال سقوطه فيها فإنّ الكنيسة تملك سلطاناً "لغفران الخطايا".
 
 
الألمُ والمرضُ والموتُ...
من أين ؟ ولماذا؟
 
تسألني: "لماذا الألَمُ في هذه الدُّنيا؟ لماذا المَرَضُ والمصائِبُ والموت؟ كيفَ الله، الذي تنعتونَهُ بِالمُحبِّ البَشرَ، يَجعَلُكَ تتألّم، أو، قُلْ، يَسمحُ بأن تتألَّم، أن تمرَضَ وأن تموتَ؟ لِمَ إذًا خلقَكَ؟ هل لكي تتعذَّبَ وتُذَلَّ؟
 
أسئلةٌ تقُضُّ مَضاجِعَنا ليلاً ونهاراً، أوَعَينا ذَلِكَ أم لَم نَعِه، وهاجِسُنا، في كُلِّ لحظةٍ من لحَظاتِ حَياتِنا، أن نَفرَّ من الألَم وأن نَهرُبَ مِنَ المَوت، صارِخِينَ مَعَ الرَّسولِ: "ويحي أنا الإنسَانَ الشَّقيَّ! من يُنقِذُني مِنْ جَسَدِ هذا الموت؟ (رو 7: 24).
 
"الإنسَانُ مِثْلُ العُشْبِ أيَّامُهُ وكَزَهَرِ الحَقلِ كذلك يُزهِرُ. لأنَّ ريحاً تعبُرُ عليه فَلا يكُونُ، ولا يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ. أمَّا رحْمَةُ الرَّبِّ فإلى الدَّهْرِ وإلى الأبَدِ على خَائِفيِه، وعَدْلُهُ على بَني البَنينَ، الحافِظِين عَهْدِهِ والذَاكِرِين وصاياهُ ليَعْمَلُوهَا". (مز 102 أو 103: 15-18).
 
لقَدَ خَلَقَ الله الإنسَان لكي يحيا ويتنعَّمَ بمُعايَنَةِ بهاءِ وجههِ، واعدًا إيَّاهُ أن يجعَلَهُ إلهاً، إذا ما حَفِظَ الوصيَّة. إلّا أنَّ الإنسانَ، بخدعَةٍ منَ الحيَّةِ- الشَّيطانِ، استكبرَ، وأرادَ أن يَصِيرَ إلهاً من دُونِ الله.
 
فَفَصَلَ بهذا نَفسَهُ عن الله، مصدَرِ حياتِه، مُعتَقداً أنَّ بإمكانِه أن يَحيا مُستقِلًّا عن اللهِ، بَعيداً عَنه. وَراحَ الإنسَانُ يَجوُل في طُرُقاتِ العُمر، هائِماً على وجهِهِ في البَرارِي والجِبالِ، باحِثاً سُدًى عمَّا يَسُدُّ به جُوعَهُ الكِيانيَّ إلى الله. 
 
لكنَّهُ، لِفشَلِهِ في العثورِ على ما يَبحثُ عنهُ، رَاحَ يَلتقطُ ما بدا له شَبيهاً، مِن لَذَّاتٍ وشهواتٍ تُفرِّحُهُ إلى حين، كالمُخَدَّر، ثُمَّ تُوقِعُهُ في الحُزنِ واليأس، عندما يَستَفِيقُ من نَشوَتِها الكاذِبة. 
 
وهكذا تمادى الإنسانُ في الخطيئةِ وراحَتِ الآلامُ تَظهَرُ فيه وتتزايَدُ، أوَّلُها أمراضُ النفسِ والرُّوحِ وآخِرُها أمراضُ الجسدِ، وأساسُ الكُلَّ واحدٌ هُوَ البُعدُ عن الله.
 
تعودُ وتسألني: "وأين الله مِن كُلِّ هذا؟ لِمَ لم يَردعِ الإنسانَ عن فعلتِه هذه؟ لِمَ لم يَمنَعِ الشَّيطانَ من التلاعُبِ به؟ لِمَ يُفسحُ له المجالَ ليَسخَرَ من خليقته؟
 
"الله محبّةٌ" (1يو 4: 16)، والمحبَّةُ تحترم حُرّيّةَ المحبوبِ حتّى المُنتهى. فإذا كانَ الإنسانُ المُحبُّ يأبى أن يَخدُشَ حُرّيَّةَ حبيبهِ، كيفَ لِمَن هُو بذاتِه المحبَّةُ الخالِصةُ أن يَفعل؟ 
 
كيف لهُ أن يُجبِرَ الإنسانَ - معشُوقَةُ على الاِلتِصاقِ به عنوَةً؟ هذه لا تعودُ محَبَّةً بملءِ الحُرّيَّةِ، بل تَستَحِيلُ سُلطةً وحُكمًا غيرَ عادِل!
 
وتَسألُني أخيراً: "ماذا فعَلَ اللهُ تُجاهَ كُلِّ ما حَصَل؟ هل وقفَ ويَقِفُ مكتُوفَ اليَدَينِ مُنتظراً هلاكَ من يُحبُّ؟
 
"لأنَّهُ هكذا أحَبَّ الله العالَم حتَّى بَذَلَ ابنهُ الوحيدَ، لكيْ لا يهلِك كُلُّ مَنْ يُؤمِنُ به، بَلْ تكوُنُ لهُ الحياةُ الأبديَّة". (يو 3: 16). نَعَم ، هذا ما فعَلهُ الله! 
 
لم يحتمِلْ رؤيةَ حَبيبه في جُبِّ الهَلاكِ، بل أرادَ تَخليصَهُ، بحسبِ مُخَطَّطِهِ الأزليّ لهُ، فبذَلَ ابنَهُ الوحيدَ على الصَّليب، لكي، وهُوَ الإله مِنَ الإله، يَغلِبَ الموتَ ويسُودَ على الخطيئةِ، فيُعطي الإنسان، بالتّالي، القُدرةَ على غَلَبتهما، إذا ما أحَبَّهُ مِن كلِّ القَلبِ والنَّفسِ والقُدرةِ وحَفِظَ وَصاياه.
 
فَعِوَضَ سُؤالِكَ عن مصدَرِ الألَم وسبَبِ المرضِ وعلّةِ المَوتِ، هلَّا بادَرتَ نحوَ شِفائِكَ الحقيقيِّ، عاقِداً العزمَ على السُّلوكِ بِمقتضى وصيّةِ الله؟ الله الذي ينتظرُكَ بِشوقٍ ولهفة، الله الذي يُناديك، في كُلِّ لحظة، "يا ابْني أعطِني قلبكَ" (أم 23: 26)، وهُوَ، وَحدَه، طبيبُ النّفوسِ والأجسادِ ومصدرُ كُلِّ تعزيةٍ ورَجاء!
 
أخبــارنــا
 
 دير سيّدة البلمند البطريركيّ 
تَسرّ دير سيّدة البلمند البطريركيّ دعوتكم لحضور افتتاح معرضه السنويّ، وذلك نهار الأحد الواقع فيه 24 آذار 2019 بعد القدّاس الإلهيّ. 
 
يستمرّ المعرض حتّى أحد توما  5 أيّار 2019، ويضمّ أيقونات وشمعًا وزينة عيد الفصح، بالإضافة إلى  الكتب المسيحيّة والكنسيّة.
 
 
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies