الكرمة - الأحد 1 تمّوز 2018

 
 
الأحد 1 تمّوز 2018
العدد 26
 
الأحد الخامس بعد العنصرة
 
اللَّحن الرابع الإيوثينا الخامسة
 
 
 
* 1: الشّهيدان قزما وداميانوس الماقتا الفضّة. * 2: وضع ثوب والدة الإله في فلاشرنس، * 3: الشّهيد باكنش، أناطوليوس رئيس أساقفة القسطنطينيّة،* 4: القدّيس أندراوس الأورشليميّ (كريت)، أندره روبلاف، * 5: البارّ أثناسيوس الآثوسيّ، لمباذوس العجائبيّ، * 6: سيسوي الكبير (ساسين)، * 7: البارّ توما الميلونيّ، الشّهيدة كرياكي. *
 
 
الطّاعة
 
هناك نوعان من الطّاعة:
 
الأوّل قانونيّ يقضي أن يطيع الخادم معلّمهُ، الولد أبوَيه، الموظّف رئيسَه، الجنديّ الضابطّ رئيسه..
 
والثاني روحيّ حدّده أحدهم بقوله إنّ الطّاعة هي انتظار الله وقال آخر الطّاعة في المحبّة والمحبّة في الطّاعة.
 
هكذا حدّد الرّسول بولس العلاقة بين الرجل والمرأة قرينته في سرّ الزواج المسيحيّ. يقول بهذا المعنى، ممّا يزعج أحياناً الإنسان المعاصر: "أيّتها النساء اخضعن لرجالكنّ كما للرّبّ لأنّ الرجل هو رأس المرأة كما أنّ المسيح أيضًا هو رأس الكنيسة". (أفسس 5: 22).
 
إنّ كلمة رأس لا تشير هنا إلى مرتبة أعلى. لها معنى وظيفيّ وليس معنى قانونيّ فقط. هذا لأنّ الرّئاسة، بالمعنى الرّوحيّ، تشير إلى الخدمة "مَن أراد أن يكون فيكم أوّلًاً فليكن للكلّ خادماً أو عبداً" (متّى 20: 26).
 
الطّاعة بمعنى الخدمة، بمعنى الحبّ، هذا ما جسّده المسيح، إذ إنّ الرّسول بولس، في رسالته إلى أهل فيلبّي، يقول:
"إذ وجد المسيح في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتّى الموت موت الصليب" (فيلبّي2: 8).
 
من ناحية أخرى، وفي الأصل اليونانيّ، كلمة طاعة ipakoi كلمة مركّبة من (ipa) أي ما هو تحت ومن akoi التي تعني السّمع. هكذا تصبح الكلمة "ما تحت السمع"،
 
والقصد هنا هو المعنى الرّوحيّ للكلمة. فالطّاعة، هنا، تشير إلى أنّ الإنسان المطيع هو الذي يكون دائماً تحت سماع كلمة الله، تحت طاعة المسيح وأقواله.
 
يعبَّر عن ذلك الموقف شعبيّاً بالعبارة "سمعاً وطاعة". هذا ما حصل بالضبط مع العذراء عندما سمعت بشارة الملاك جبرائيل، قالت: "أنا أمة للرّبّ فليكن لي بحسب قولك" (لوقا 1: 38). هذا ما حصل معها أيضًا عندما سمعت كلام الرعاة "فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرة به في قلبها" (لوقا 2: 19).
 
 
أخيراً وليس آخراً، الطّاعة مرتبطة بالتواضع. عندما يطلب الرئيس في الدّير شيئاً من الرّاهب، يجيبه هذا الأخير بقوله "فليكن مباركاً"، أي أنّه ينفّذ للحال بدون نقاش. هنا أيضًا القضيّة ليست قضيّة عبوديّة ولا، حتّى، قضيّة قانون، إنّها موقف انسحاق في النفس، ما يستجلب نعمة الله التي تريح النفس والضمير.
 
الإنسان المتواضع يتمثّل بالمسيح سيّده الذي "أخلى ذاته آخذاً صورة عبد" هو الذي "وضع نفسه وأطاع حتّى الموت موت الصليب"، ما جعله قادراً على أن يموت ليجمع المتفرّقين إلى واحد" (يوحنّا 11: 52).
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الرّابع
 
إنّ تلميذاتِ الربّ تعلّمن من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القضاءَ الجَدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخِراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنح العالَمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
 
طروباريّة الشهيدين الماقتَيِ الفضّة قزما وداميانوس باللّحن الثامن
 
أيّها القدّيسان الماقتا الفضّة، والصانعا العجائب، افتقدا أمراضنا. مجَّاناً أخذتما، مجّاناً أَعطيانا.
 
 
القنداق باللَّحن الثاني
 
يا شفيعةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودة، لا تُعرِضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأَسرعي في الطِّلبةِ، يا والدةَ الإلهِ المتَشفّعةَ دائماً بمكرِّميك.
 
 
الرِّسالَة
1 كو 12: 27-31، 13: 1-8
 
الرّبُّ قد صنَعَ العجائبَ للقدّيسينَ الذينَ في أرضِه
سبقتُ فأبصرتُ الرّبَّ أمامي في كلّ حين
 
يا إخوةُ، أنتم جسدُ المسيح وأعضاؤهُ أَفراداً، وقد وضعَ الله في الكنيسةِ أُناساً: أوّلاً رُسُلاً ثانياً أنبياءَ ثالثاً معلِّمينَ ثمَّ قوَّاتٍ ثمَّ مواهبَ شِفاءٍ فإغاثاتٍ فتدابيرَ فأنواعَ ألسنةٍ. ألعلَّ الجميعَ رسلٌ؟ ألعلَّ الجميعَ أنبياءُ؟ ألعلَّ الجميعَ مُعلّمون؟ ألعلَّ الجميعَ صانعو قوَّاتٍ؟ ألعلَّ للجميع مواهبَ الشفاءِ؟ ألعلَّ الجميع ينِطِقونَ بالألسنة؟ ألعلَّ الجميعَ يترجِمون؟ ولكن تنافَسُوا في المواهِب الفُضلى وأنا أُريكم طريقاً أفضَل جدًّا. إن كُنتُ أنطِقُ بألسنةِ الناس والملائكةِ ولم تكن فيَّ المحبَّة فإنَّما أنا نحاسٌ يَطِنُّ أو صَنجٌ يَرِنُّ. وإن كانت ليَ النبوَّةُ وكنتُ أعلمُ جميعَ الأسرارِ والعلمَ كلَّهُ، وان كانَ لي الإيمانُ كلُّهُ حتَّى أنقُلَ الجبالَ ولم تكن فيَّ المحبَّةُ فلستُ بشيء. وإنْ أطعَمتُ جميعَ أموالي وأسلمتُ جسدي لأُحرق ولم تكن فيَّ المحبةُ فلا أنتَفعُ شيئاً. المحبَّةُ تتأنَّى وترفُق. المحبَّةُ لا تحسُد. المحبَّةُ لا تتباهى ولا تنتفخ ولا تأتي قباحَةً ولا تلتمِسُ ما هو لها ولا تحتَدُّ ولا تَظُنُّ السوءَ ولا تفرحُ بالظلم بل تَفرحُ بالحقّ وتحتمل كلَّ شيءٍ وتُصدِّق كُلَّ شيء وترجو كلَّ شيء وتصبُرُ على كُلِّ شيءٍ. المحبَّةُ لا تسقُطُ أبداً.
 
الإنجيل
متّى 8: 28-34، 9: 1 (متّى 5)
 
في ذلك الزمان، لمَّا أتى يسوعُ إلى كورةِ الجُرْجُسِيِّينَ، استقْبَلَهُ مجنونانِ خارجانِ مِنَ القبْورِ شَرِسانِ جدًّا، حتّى إنَّهُ لم يكنْ أحدٌ يقدِرُ على أن يجتازَ من تلكَ الطريق. فصاحا قائلَينِ: ما لنا ولك يا يسوعُ ابنَ الله؟ أجئتَ إلى ههنا قبل الزمانِ لِتُعذِّبَنا؟ وكان بعيداً منهم قطيعُ خنازيرَ كثيرةٍ ترعى، فأخذ الشياطينُ يطلبون إليه قائلينَ: إنْ كنتَ تُخرجنا فَأْذَنْ لنا أن نذهَبَ إلى قطيعِ الخنازير. فقال لهم: اذهبوا، فخرجوا وذهبوا إلى قطيع الخنازير. فإذا بالقطيعِ كلِّه قد وثبَ عَنِ الجُرْفِ إلى البحرِ ومات في المياه. أمَّا الرُّعاةُ فهربُوا ومضَوا إلى المدينةِ وأخبروا بكلّ شيءٍ وبأمرِ المجنونَينِ، فخرجَتِ المدينةُ كلُّها للقاءِ يسوعَ. ولمَّا رأَوهُ طلبوا إليهِ أن يتحوَّلَ عن تخومِهم. فدخل السفينةَ واجتازَ وأتى إلى مدينتهِ.
 
 
في الإنجيل
 
في حالات مرضيّة كثيرة كان المرض يُنسب للشيطان، الذي كان يعذّب النّاس، ولا يزال، حتّى يومنا هذا. وهو، في الأيّام الأخيرة، يزداد شراسة على كلّ الأصعدة.
 
لذلك أراد الرّبّ يسوع، بسبب حنانه ومحبّته غير المحدودة للإنسان، أن يخلّصه من الشيطان، بمجابهته إيّاه في مكان وجوده.
 
فذهب إلى الشاطئ الشرقيّ لبحيرة طبريّا حيث يسكن هذان المجنونان. 
 
عند المواجهة، نرى الرّوح الشرّير لا يريد الإستسلام، فيقولان له: "ما لنا ولكَ يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى ههنا قبل الزمان لتُعذّبنا؟". وكأنّ الخروج من الإنسان عذاب للشيطان والسكنى فيه وتعذيبه وإفقاده لإنسانيّته راحة له...
 
لا يريد الشيطان أن يأتي ملك الله، بل أن يملك هو في العالم ويستميل الناس لإهلاكهم.
 
ولكنّ الرّبّ يسوع لديه رأي مختلف، فهو جاء ليبيد مملكة الشيطان، ليمحو الخطيئة، لينهي الشرّ. لذلك طردَ الأرواح الشرّيرة من الممسوسين إلى الخنازير، بطلب منها، فغرقت الخنازير في البحيرة. والخنازير حيوانات ممنوع أكلها في شريعة اليهود وكانت رعايتها مُحظّرة.
 
تعشّش الخطيئة في كلّ منّا. ونتواطأ أحيانًأ مع الشيطان في قلوبنا، وكم من الناس تحلو لهم شياطينهم ويستلذّون الإستجابة لوسوساتها. فمن سلّم نفسه للخطيئة، الكذب، الزنى، القتل، الحقد، البغض، الغضب، والاِعتداء فهو يسلّمها للشيطان، ويتحالف معه عندما يفعل السيّئات والقبائح.
 
لكي تذهب عنّا شياطيننا وتُلقى في البحيرات وفي الخنازير النجسة، علينا أن نودع ذواتنا للمسيح بإيمان ونعترف، بكلّ كياننا، بيسوع الناهض من بين الأموات. عندئذ ينهضنا معه وينقذنا من خطايانا وشرورنا الكثيرة.
 
لقد أدرك الجرجسيّون فسادهم، لذلك طلبوا من يسوع أن يبتعد عن مدينتهم. "وخرجت المدينة كلّها للقاء يسوع". الإنسان، إِن تَمادى في الخطيئة، يخاف وجه الله. ولكنّ الرّبّ يسوع قد جاء وحرّرنا من الخوف وجعلنا قادرين على أن نستقبله بفرح وأن ندعوه من أجل خلاصنا.
حان الوقت لكي نخرج أفرادًا وجماعات للقاء الحقيقة في المسيح الحقّ وحده؛ في لقاء يسوع في قلوبنا وأرواحنا المتجدّدة والمتطهّرة لكي نجعله سيّدًا على عائلاتنا، وأعمالنا وأفكارنا...
 
اثبتوا في الحقّ في طهارة الإنجيل، ولا تتّسخ عقولكم بأقوال الناس، ولكن فلتَفِضْ أقوالكم من كلمات الرّبّ، ولتأتِ أفكاركم من أفكاره كما يقول بولس الرسول "فليكن فيكم الفكر الذي في المسيح يسوع".. الإنسان مسؤول عن أفكاره، وعمّا يجري في عقله وفي قلبه، وإلّا تحوّل إلى إنسان نجس ومدنّس. "أَخرجوا شياطينكم من القلوب وأَخرجوها من العقول، ليسكن المسيح وحده عقولكم وقلوبكم وتكونوا أبناء العليّ".
 
 
الأسقفيّة والمجمعيّة
 
في عيد الرّسولين بطرس وبولس، وسائر الرّسل، تحتفل الكنيسة بمحطّة هامّة من حياتها المقدّسة.
 
الرّسول في المسيحيّة هو الذي ائتمنه الله على رسالة إلهيّة أو مهمّة مقدّسة. فالرّبّ اختار رسله، أحبّهم وعلّمهم، وكان لهم مثالاً في كلّ شيء، ليصيروا مسحاء آخرين، قادرين على أن يُتلمذوا كلّ الأمم وأن يُعمِّدوهم ويأتوا بهم إلى محبّة وصاياه. لقد ائتمنهم الرّبّ على سرّ خلاص الإنسان، على عقيدة ملكوت السّمَوات، أعطاهم سلطان الحلّ والرّبط، وسلطان شفاء الأمراض وطَرد الشياطين، وإقامة الأسرار الإلهيّة، والمهمّ أيضًا سلطان أن يُقيموا خلفاءَ لهم: "أُذكّرُك أن تُضرِم أيضًا موهبة الله التي فيك بِوضع يديّ" (2تيم6:1).
 
إنّ موهبة الرّسوليّة التي أسّسها الرّبّ يسوع المسيح، كان طبيعيًّا لها أن تستمرّ بعد موت الرّسل. فانتقلت إلى خلفائهم الّذين اختاروهم هم أنفسهم. وهذا واضح في رسائل العهد الجديد التي تتكلّم على شيوخ وأساقفة ورعاة، والكنيسة الأولى كانت تعي، بعمقٍ، هذه الحقيقة.
 
كليمندس أسقف رومية، في نهاية القرن الأوّل، في رسالته إلى الكورنثيّين، يتكلّم بوضوح كيف أنّ الرسل وضعوا خلفاء لهم ليقودوا الكنيسة. الأساقفة في الأرثوذكسيّة هم خلفاء الرّسل المباشرون، إنّهم استمرار للرّسوليّة التي اختارها ربّنا ليقود العالَم من خلالهم إلى الحقّ الوحيد.
 
هذا ما يعنيه كلام الرّبّ يسوع لهم: "ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر". إنّه معهم من خلال خلفائهم الأساقفة. هؤلاء الأساقفة أصبحوا لا فقط رسلاً للمسيح، إنّما، أيضًا، أنبياء العهد الجديد. فبعد أن توقّفت وظيفة النبوءة، كموهبة خاصّة في الكنيسة، في بَداءات القرن الثاني للمسيح، استلم أساقفة العهد الجديد مع وظيفة الرّسوليّة النبوءة أيضًا.
 
إنّهم رُسل يبشّرون بيسوع المسيح، ودورهم، كأنبياء، أن يُعلنوا مشيئته للكنيسة ولشعب الله. وهكذا، الكنيسة، التي رأسها الرّبّ يسوع المسيح، مَبنِيّة "على أساس الرّسل والأنبياء، ويسوع المسيح نَفسه حجر الزّاوية" (أف20:2). وهذه المواهب تنتقل إلى الكهنة، معاوني الأساقفة، عبر طاعة هؤلاء الكهنة للأساقفة، حين لا تتعارض هذه الطاعة مع إيمان الكنيسة وتقليدها وقوانينها.
 
لقد كانت المجمعيّة والشورى صفة كنيسة الرّسل الأولى، والرّسل حكموا الكنيسة من خلال المجامع. بولس الرّسول لم يتفرّد بمشيئته وقراره بل قال إنّه صعد إلى أورشليم ليعرض إنجيله على المعتبرين لئلّا يكون قد سعى أو يسعى باطلاً. مجمع أورشليم الرّسوليّ الأوّل حقّق كمال الصورة المجمعيّة للكنيسة، وكشف أنّ المجمعيّة هي جزء من طبيعة الكنيسة. لهذا، على مثال هذا المجمع كانت الكنيسة، عبر الزمن، تعقد مجامعها، وتجاهد لتحفظ روح المجمعيّة في وسطها.
 
استمرّت المجامع بعد عهد الرّسل تشكّل الصّيغة القانونيّة التي تعبّر عن اجتماع الكنيسة كلّها. فانعقدت المجامع المحلّيّة والمسكونيّة، والأساقفة الذين اجتمعوا فيها يمثّلون شعب الله وهم مؤتمنون عليه. وهذه الرّوح المجمعيّة لها انعكاسات على كلّ حياة الكنيسة، لا بل، حتّى، على إيمان الكنيسة.
 
فالرّوح المجمعيّة هي التي تجعل حياة الكنيسة تنمو بطريقة حرّة مواهبيّة، غير محكومة بالخوف من تسلّط الرأس الواحد المتفرّد بالحكم، الّذي يكون في العادة هو نفسه تتسلّط عليه أهواء عديدة، ويكون غير قادر على تقبّل من يُعارض طريقه ونهجه.
 
وبهذه الرّوح المجمعيّة المواهبيّة تحدّدت العقائد المقدّسة، ونما لاهوت الكنيسة بطريقة أرثوذكسيّة مستقيمة، كما نَمَت حياة الكنيسة الليتورجيّة بطريقة روحيّة نسكيّة.
 
وبهذه الرّوح صيغت القوانين، لا لتُخيف المؤمنين إنّما لتحفظ مسيرتهم من ضعف الطبيعة، وتجعلها سهلة العبور إلى الملكوت. لا توجد حرّيّة خارج المجمعيّة، ولا لاهوت مواهبيّ خارج المجمعيّة، لأنّ حركة النّعمة تتحوّل حينها إلى الرّوح المؤسّساتيّة الدنيويّة لخدمة توجّه الرأس المتسلّط، إمّا خوفًا منه أو تزلّفًا له.
 
في المجمعيّة الحقيقيّة يعمل الرّوح الواحد من خلال مواهب الكثيرين لبناء جسد المسيح الواحد، ولا يمكن لهذا الروح أن يعمل خارج الحياة المجمعيّة. لهذا قال المسيح: "حيثُما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهُناك أكون في وسطهم" (متّى 20:18).
 
كلّ مظاهر حياة الكنيسة الأرثوذكسيّة هي مجمعيّة، من الرّعيّة حتّى المجمع المسكونيّ. وكلّ ما يُساهم في تغذية الفرديّة التسلّطيّة لدى الكهنة أو الأساقفة (أو البطاركة على صعيد الكنيسة المحلّيّة) يشكّل خطرًا حقيقيًّا على كلّ مسيرة الرّوح في الكنيسة المقدّسة، ويُعطّل مواهب الرّوح القدس لدى المؤمنين.
 
إنّ تسلّط الأسقف في الكنيسة هو دليل على تسلّط روح الكبرياء والأنانيّة المقيتة وهوى العَظَمة في نفسه.
 
لقد علّم المسيح رسله أوّلاً فضيلة إنكار الذّات، حين كانوا يتنافسون على المراكز الأولى، قائلاً لهم: "رؤساءُ الأمَم يَسودونَهُم، والعُظماء يَتسلّطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم" (متّى 20: 25 و26).
 
فإن كان فينا هذا النّوع من التسلّط فبماذا نختلف حينها عن رؤساءُ الأمم الّذين دانهم المسيح؟ ألا تتحوّل الكنيسة حينها إلى مؤسّسة من أمم هذا العالم، ويتحوّل أساقفتها إلى أسياد دنيويّين على شاكلة زعماء هذا الدّهر؟
 
هذه هي العوامل التي أدّت إلى سقوط الكنيسة في الغرب، وتحوّلها، عن حقّ، إلى كنيسة بابويّة، حين اختصرت الكنيسة كلّها في شخص البابا وجعلته فوق المجامع، ناقضة كلّ المفهوم الإكليسيولوجيّ الّذي سارت عليه الكنيسة مدّة ألف سنة.
 
لقد أصبح البابا هو الكنيسة، وحين سقط من جهة الإيمان سقطت الكنيسة التي هو رأسها كلّها معه، وأصبحت خارج جسد المسيح. لهذا، حيث لا توجد مجمعيّة لا توجد كنيسة.
 
في الأرثوذكسيّة، المجامع المحلّيّة لها الدور العمليّ الأوّل في مواجهة التحدّيات المعاصرة التي لا تتوقّف.
 
يعمل مجمع الأساقفة المحلّيّ بروح المجامع المسكونيّة المقدّسة، حافظًا أرثوذكسيّة عقائدها وقوانينها من التعاليم الملتوية واللّاهوت الكاذب الاسم.
 
المجامع المسكونيّة هي السلطة العليا في الكنيسة الأرثوذكسيّة ولا يمكن لمجمع محلّيّ أن ينقض شيئًا من تعاليمها أو قوانينها. يمكنه فقط استخدام التّدبير عند الضرورة.
 
والدّور الآخر للمجمع المحلّيّ هو تعليم هذا الإيمان لشعب الله، وكيفيّة عيشه بروح التوبة والاعتراف والمشاركة الحيّة في الأسرار الإلهيّة، ومقاومة الرّوح الدّهريّة التي تنتشر في حياة الكنيسة مدمِّرة روح التقوى فيها.
 
إنّ هذه المجمعيّة تعيشها الكنيسة في كلّ اجتماع افخارستيّ، ومن هذا الاجتماع الأفخارستيّ تستمدّ الكنيسة أسس بناء مجمعيّتها.
 
هناك، حيث يكون الاِعتراف بالإيمان الأرثوذكسيّ الواحد، يكون السيّد حاضرًا والمؤمنون حوله مع أسقفهم يشكّلون، بقوّة الرّوح القدس، مجمعًا إفخارستيًّا تتجلّى فيه كلّ الأبعاد المسكونيّة لمجمعيّة الكنيسة الواحدة.
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies