الكرمة - الأحد 18 آذار 2018


الأحد 18 آذار 2018        
العدد 11
الأحد الرابع من الصّوم
القدّيس يوحنّا السُّلَّميّ

اللّحن الثامن            الإيوثينا الثامنة


* 18: كيرلّلس رئيس أساقفة أورشليم، * 19: الشّهداء خريسنثوس وداريَّا ورفقتهما، *20: الآباء الـ 20 المقتولون في دير القدِّيس سابا، * 21: الأسقف يعقوب المعترف، البارّ سرابيون، * 22: الشّهيد باسيليوس كاهن كنيسة أنقرة، * 23: الشّهيد نيكن وتلاميذه الـ 199 المستشهَدون معه، المديح الكبير، * 24: تقدمة عيد البشارة، أرتامن أسقف سَلفَكية. **

التألّه

غاية حياة المسيحيّ على الأرض هي التألّه théosis.

التألّه هو اشتراكنا في حياة الله نفسها. هذا يتمّ عن طريق النعمة الإلهيّة التي تفعل فينا بعد تطهرّنا من الأهواء والشّهوات: "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشّهوات" (غلاطية 5: 24). لقد صنعنا الله، حسب القدّيس مكسيموس المعترف، لكي نصير "شركاء الطبيعة الإلهيّة" (2 بطرس 1: 4). خطيئة الإنسان المعاصر هي أنّه يبغي أن يكون مكتفياً بذاته بدون علاقة مع الله خالقه: هذا ما يشكّل، في النهاية، موتَه الحقيقيّ. نذكر هنا قول القدّيس إيريناوس: "قد صار الله إنساناً لكي يصير الإنسانُ إلهاً" (بالنعمة الإلهيّة غير المخلوقة).


هذه المسألة الآبائيّة تقف ضدّ تحدّيات الفكر العقلانيّ. التحديّ الحقيقيّ كامن في الخبرة المسيحيّة التي تبغي تجديداً حقيقيًّا للإنسان ومن الداخل. طبعاً إشتراك الإنسان في حياة الله ممكن للخليقة البشريّة. لكنّ هذا الفكر البشريّ، مع جهادات الجسد والنفس، مرتبط، بصورة وثيقة، بعمل النعمة الإلهيّة.
هذا يُفضي إلى إنزال العقل إلى القلب وإلى استنارة
 العقل والقلب عن طريق الصلاة والصّوم أي عن طريق القوى الرّوحيّة غير المخلوقةénergies divines incréés.


هذه الشركة مع الله، عن طريق النعمة الإلهيّة أي التألّه، تحافظ على سموّ الله المطلق، ما يُدعى باللّاهوت التنزيهيّ: apophatique. عندما نقول إنّ الله صالحٌ رحوم، عادلٌ... هذا لا يكشف عن  طبيعة الله الحقيقيّة، أي عن جوهره، بل يعبّر عمّا يحيط بهذه الطبيعة وما يصدر عنها من صفات إيجابيّة يشترك بها الإنسان ولا تمسّ أبداً جوهرَ الله غير المدرَك. الإشتراك بما يصدر عن الله ممكن، أمّا جوهر الله أو طبيعته الحقيقيّة فهي تتجاوز كلّيًّا إدراكنا: هذه هي الحقيقة التنزيهيّة.

هذا شرح لا يروي نفس الإنسان العاشقة لله. إنّه مجرّد مقدّمة فكريّة تشجيعاً على ممارسة الحياة الرّوحيّة النسكيّة في هذا الموسم الصياميّ المبارك، حتّى نلمس يدَ الله في حياتنا ونتذوّق مسبقاً فرحَ الملكوت.


+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 

طروباريّة القيامة باللّحن الثامن

إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامتَنا، يا ربُّ المجدُ لك.

طروباريّة القدّيس يوحنّا السلّميّ باللّحن الثامن

للبرِّيّة غَيرِ المُثمرة بمجاري دُموعِك أمْرعتَ. وبالتنهُّداتِ التي منَ الأعماق أثمرْتَ بأتعابك إلى مائةِ ضِعفٍ؛ فَصِـرتَ كَوكَباً للمَسْكونةِ مُتلألئاً بالعجائب يا أبانا البارَّ يوحنّا. فتشفَّع إلى المسيحِ الإله في خلاصِ نفوسِنا.

القنداق باللّحن الثامن

إنّي أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُنديَّةً محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدائد، حتّى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.

الرِّسالة
عب 6: 13-20
 
الربُّ يُعطي قوّةً لشَعبه
قدِّموا للرّبِّ يا أبناءَ الله


يا إخوة، إنَّ اللهَ لمّا وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لم يُمكِن أن يُقسِمَ بما هُوَ أعظَمُ منهُ، أقسَمَ بنفسِهِ قائلاً: لَأُباركَنَّكَ بركةً وأُكثِّرنَّكَ تكثيراً. وذاك، إذ تَأنّى، نالَ الموعد. وإنّما الناسُ يُقسِمونَ بما هُوَ أعظَمُ منهمُ، وتنْقضي كلُّ مُشاجرةٍ بينَهم بالقَسَم للتَثْبيتِ. فَلِذلك، لمَّا شاءَ اللهُ أنْ يَزيد وَرَثةَ الموعِد بياناً لعدم تَحوُّل عزْمِهِ، توسَّط بالقسَم حتى نَحصُلَ، بأمْرَينِ لا يتحوّلان ولا يُمكِن أن يُخِلف اللهُ فيهما، على تعزيَةٍ قويَّة، نحنُ الذين التجأنا إلى التمسُّكِ بالرَّجاءِ الموضوع أمامَنا، الذي هو لنا كَمِرساةٍ للنَفْسِ أمينةٍ راسِخة تَدْخُلُ إلى داخلِ الحِجاب حيث دَخَل يسوعُ كسابقٍ لنا، وقَدْ صارَ، على رُتبةِ مليكصادَق، رئيسَ كهنةٍ إلى الأبَدِ.

الإنجيل
مر 9: 17-31


في ذلك الزمان، دنا إلى يسوع إنسانٌ وسَجدَ له قائلاً: يا مُعَلِّمُ قد أتيْتُك بابْني بِه روحٌ ْأبْكَمُ، وحيثما أخذهُ يصرَعُهُ فيُزبِدُ ويصرِفُ بأسنانه وَييبَس. وقد سألتُ تلاميذَكَ أن يُخرجوهُ فلم يَقدِروا. فأجابَهُم قائلاً: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن، إلى متى أكونُ معكُم؟ حتّى متى أحتمِلُكُم؟ هَلمَّ بهِ إليَّ. فأتَوهُ بهِ. فلما رآهُ للوَقتِ صَرَعَهُ الروحُ فسَقَطَ على الأرض يَتَمَرَّغُ ويُزبدُ. فسأل أباهُ: منذ كَمْ مِنَ الزمان أصابَهُ هذا؟ فقالَ: مُنذُ صِباهُ، وكثيراً ما ألقاهُ في النار وفي المياهِ ليُهلِكَهُ، لكنْ إنِ استَطَعْتَ شيئاً فَتَحَنَّنْ علينا وأَغِثنا. فقال لَهُ يسوعُ: إنِ استَطَعْتَ أن تُؤمِنَ فكُلُّ شيءٍ مُستطاعٌ للمؤمِن. فصاحَ أبو الصّبيّ مِنْ ساعَتِه بدموع وقالَ: إنّي أُومِنُ يا سيِّدُ، فأغِث عَدَم إيماني.
فلمّا رأى يسوعُ أنَّ الجميعَ يتبادَرون إليهِ انتهَرَ الروحَ النَّجِسَ قائلاً لَهُ: أُّيُّها الروحُ الأبْكمُ الأصَمُّ، أنا آمُرُكَ أَنِ اخرُج مِنهُ ولا تعُدْ تَدخُلُ فيه. فصرَخَ وخبَطهُ كثيراً وخرجَ مِنهُ فصارَ كالـمَيْت، حتّى قال كثيرون إنَّه قد ماتَ. فأخذَ يسوعُ بيدِه وأنهضه فقام. ولمّا دخل بيتًا سأله تلاميذه على انفراد: لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟ فقال لهم: إنّ هذا الجنس لا يمكن أن يُخرَج بشيء إلّا بالصّلاة والصّوم. ولمّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِد أن يدريَ أحد، فإنّه كان يعلِّم تلاميذه ويقول لهم: إنّ ابنَ البشر يُسلَم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يُقتَل يقومُ في اليوم الثالث.

في الإنجيل

نشكر الله لأنّنا  أصبحنا في منتصف رحلتنا إلى القيامة المجيدة. فهذا الأحد هو الأحد الرابع من الصّوم الأربعينيّ المقدّس،  ويسمّى بأحد القدّيس يوحنَّا السلَّميّ، واضع كتاب "سلَّم الفضائل"، أو "السلَّم الى الله"، فسُمِّيَ السلَّميّ بالنسبة إليها. وهذا الكتاب يحوي ثلاثين حديثاً في الفضائل المسيحيّة، وإذا صعدنا هذه السلَّم نبلغ في نهايتها إلى الله؛  وقليلون هم الذين يصلون، لأنّ الصعود يتطلّب جهاداً روحيًّا فريداً، ونضرع إلى الربّ لكي يساعدنا في الاِرتقاء.


"إنّ هذا الجنس لا يمكن أن يُخرَج إلّا بالصلاة والصّوم" (مرقس 9: 26).


هذه الآية وجهّها الرّبّ يسوع إلى تلاميذه الذين لم يستطيعوا شفاء الاِبن المريض الذي به روح أبكم، كان يصرعه، فيزبد، ويصرف بأسنانه وييبس.


ولكنّ الرّبّ يسوع انتهر الرّوح النجس قائلاً له: "أيّها الرّوح الأبكم أنا آمرك أنِ اخرج منه، ولا تعد تدخل فيه". فبكلمة من الرّبّ شُفي هذا المريض.


وبعد حادثة الشّفاء يجري حوار بين يسوع وتلاميذه حول ما حصل. يتوجّه يسوع إلى تلاميذه ويؤكّد لهم أنّهم، بالصلاة والصّوم، أي بحركة الإيمان موجَّهاً نحو الله، يستطيعون أن يقوموا هم بما قام هو به. وهذا التعليم عن قدرة الصلاة والإيمان نقرأ عنه في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل مرقس، حيث يوبّخ يسوع تلاميذه على عدم إيمانهم، لأنّهم خافوا من الرّيح العاصفة وهو معهم في السفينة.
الرّبّ يسوع يشدِّد على التمسّك بالإيمان بالله، ولذا قال لوالد المريض: "إن استطعت أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن". فصاح أبو الصبيّ من ساعته بدموع وقال: "إنّي أؤمن يا سيّد، فأغث عدم إيماني".


وإذا نحن كنّا مؤمنين بالرّبّ يسوع، وبالله،  فكلّ شيء يصبح مستطاعاً لنا بسبب إيماننا القويّ به وبقدرته الإلهيّة. فكلّ ما يبدو مستحيلاً استحالة مطلقة يمكن أن تتمّمه نعمة الله، لمن يؤمن بمواعيده. وفي تَعامُلنا مع المسيح يتوقّف الكثير من أمورنا على إيماننا، وتتوقّف أيضًا مواعيد كثيرة على إيماننا. أتستطيع أن تؤمن؟ أتتجاسر على أن تؤمن؟ هل أنت مستعدّ لأنْ تضع كلّ شيء في يَدَيِ المسيح؟  أتتجاسر على أن تسلّمه أمورك الرّوحيّة وأمورك الزمنيّة؟ أتستطيع أن تجد في قلبك بأن تفعل هذا؟ وإن كان الأمر كذلك فمن المستحيل ألّا تنال الخلاص، مهما كنت خاطئاً وأثيماً؛ من المستحيل ألّا تدخل السماء مهما كنت حقيراً، ولا تستحقّ الدخول.


إن كنت تستطيع أن تؤمن، فمن المستطاع أن يلين قلبك القاسي، وأن تشفي أمراضك الرّوحيّة، وأن تثبت إلى النهاية مهما كنت ضعيفاً.
في هذا الزّمنِ المبارك، زمنِ الصّوم الأربعينيّ المقدّس، صلِّ إلى الرّبّ، وتمسّك بقواعد الصّيام، حتّى لا تتسلّط عليك الأرواح الشرّيرة، التي تحاربك ليلاً ونهاراً، وتهاجمك على جبهات عدَّة، وتتزيّا بألف لون وشكل لتقضّ مضجعك.  فتسلَّح بصليب الرّبّ، قاهر الشياطين، وفي نهاية هذه الحرب الضَّروس أنت ستنتصر بقوّة الرّبّ يسوع، الذي سيقهر الموت بموته،  بقيامته المجيدة، له المجد إلى الأبد آمين.

مختارات
من السلّم إلى اللّه


 الزهد في العالَم
مَن يزهد في الدنيا خوفاً من العقاب قد يشبه يوماً البخور الذي تفوح رائحته الزكيّة أوّل ما يُحرق ثم ينتهي بدخان. ومَن يزهد طمعاً بالثواب يشبه حمار الطاحون الذي يدور دائماً على منوال واحد. ومن يعتزل العالم حبًّا بالله يمتلك للحال ناراً كالتي، إذا ما ألقيت في غابة، تضرم كلّ يوم ناراً أشدَّ اشتعالاً.
(المقالة 1: 13).

 الرّاهب
فمن هو يا ترى الرّاهب الأمين الحكيم؟ هو مَن يحفظ غَيرته متّقدة إلى النهاية، ولا ينفكّ، حتّى الممات، يزيد، كلّ يوم، على ناره ناراً وعلى اضطرامه اضطراماً وعلى شوقه شوقاً وعلى همّته ونشاطه نشاطاً دون انقطاع.
(المقالة 1: 27).

الأهواء
لم يبدع الله الشرَّ ولم يسبّبه، وقد ضلّ الذين زعموا أنّ في النفس أهواء شرّيرة وخفي عليهم أنّنا نحن الذين حوّلنا خواصَّ طبيعتنا إلى أهواء. فإنّ القدرة على إنجاب الأولاد مثلاً هي فينا في الطبع ولكنّنا حوّلناها إلى الزنى. فينا الغضب بالطبع وذلك لكي نغضب على الشيطان فوجّهناه نحن ضدّ القريب... ونلنا شهوة الطعام فحوّلناها إلى شراهة في الأكل. 
(المقالة 26: 156).


 صلاة
ليلتصق ذكر يسوع بنفسك "ربّي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ". عندها تعرف منفعة الهدوء.
اجلد محاربيك باسم يسوع، فإنّه ليس من سلاح أقوى في السماء وعلى الارض.    
(المقالة 21: 7).

قصّة الببّغاء
هناك ببّغاء اقتناها إنسان مُصَلٍّ في بيته. تعلّمت منه ترداد صلاة يسوع. وُجدت مرّة خارج قفصها، فخرجت من النافذة إلى الفضاء. هناك صادفها نسرٌ انقضّ عليها ليفترسها، فصرخت للحال بصلاتها: "يا ربّ يسوع المسيح ارحمني". عندها هرب النسر بعيداً عنها ونجت من شرِّه.

العاشق لله
العاشق الحقيقيّ يتصوّر وجه حبيبه على الدوام، ويعانقه في قلبه بنشوة، ولا يستطيع، حتّى في نومه، أن يسكّن اشتياقه إليه، لكنّه يواصل في رقاده حديثه إليه. فعلى منوال هذا الحبّ الجسديّ يكون الحبّ الإلهيّ. وقد انجرح بسهمه أحدهم فقال عن نفسه: "أنا نائم لكنّ قلبي مستيقظ" (نشيد الأَنشاد 5: 2) و(المقالة 30: 13).

الغربة


الغربة هي الإعراض النهائيّ عن كلّ شيء يُعيقنا في وطننا عن بلوغ التقوى... الغربة حكمة مجهولة عند الناس، عِيشة محتجِبة، تدبير خفيّ، توقٌ إلى التذلّل... منطلَق إلى الشوق لله... وتوغّل في الصَّمت.  (المقالة 3: 1).



 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies