كندا 2018: بين لبنان المقيم ولبنان المغترب

2018-12-12

كندا 2018: بين لبنان المقيم ولبنان المغترب
 
لطالما كانت ظروف منطقتنا حسّاسةً، في كلّ عصرٍ وحقبة. وقد نتج عنها نزوحٌ لأهالينا، بحثًا عن عيشٍ آمنٍ، وهروبًا من واقعٍ مرير. فغَزَوا العالمَ واندمجوا في مجتمعاته، تاركين أرضًا ووطنًا وكنيسةً عمرها من عمر التاريخ، إلى حضارةٍ جديدةٍ وأسلوبِ عيشٍ جديدٍ لا يتجاوز عمرُه بضع سنواتٍ معدودة. أبناء الوطن تركوا فيه أغلى ما عندهم، وحملوا منه أغلى ما عندهم، ألا وهو الإيمان والكنيسة. 
نَعَم، في كلِّ مرّةٍ يزور فيها صاحب السِّيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) تلك الأصقاع، نتأكَّدُ مِن أنَّ شعبنا، ولو تركَ أهلاً وبيتًا، يجاهد لكي يحافظَ على أغلى جوهرةٍ حملها معه، العائلة والكنيسة وكلّ ما تحمل هاتان الكلمتان من قيمٍ وعاداتٍ وتقاليد، من أجل أن يعكِسَها في بلاد الاغتراب، لأولاده وللأجيال الآتية، وكأنّه يعكس وطنًا حلمًا في بلد الاغتراب.
 
لقد جال في هذه السَّنة صاحبُ السِّيادة، يُرافقه الأرشمندريت برثانيوس، في مدن كندا، من التَّاسع من تشرين الثاني حتّى السَّابع من كانون الأوّل، ببركة راعي أبرشيّة أميركا المتروبوليت جوزيف زحلاوي الجزيل الاحترام، وبرعاية الأسقف ألكسندر مفرّج. من هاليفكس إلى مونتريال حتّى ضواحي تورنتو (Mississauga) وأوتاوا، حمل معه رسالة سلامٍ مُنشئًا خطَّ تواصلٍ روحيٍّ بين الوطن المُقيم والوطن المغترب. ففي كلِّ زيارةٍ إلى الرَّعايا، كان الهمّ الأكبر إقامة القداديس والصَّلوات اليوميَّة من سحر وغروب، وإقامة السهرانيّات، فضلاً عن الأحاديث الرُّوحيَّة والاعترافات واللِّقاءات الشَّخصيَّة، كما والبحث، في أطرٍ جديدةٍ، في مسائل الرِّعاية والتَّربية، في بلادٍ أضحت قاسيةً في ظلِّ صرامة القانون والتفكّك العائلي والفرديّة.
 
لا شكّ أنَّ كنيستنا الأنطاكيّة هي كنيسةٌ بشاريّةٌ رسوليّةٌ، وقد شهدنا على ذلك إذ رأينا بأعيُننا التُّرابيَّة كيفَ يناضلُ شعبنا من أجل المحافظة على هذه الشّعلة، الَّتي وإن أخمدتها الظُّروف، ما تلبث أن تلتهبَ من جديد. شعبنا المقيم والمغترب هو شعبٌ ذو إيمانٍ وأصالةٍ، وهذا لا يحدّ من طموحه وسعيه لعيشٍ أفضل. في هذه الظُّروف الدَّقيقة التي نمرّ بها، وطنًا وغربةً، نسأل الله أن يعيننا على الحفاظ على إيماننا الذي هو العصا الوحيدة التي نتّكئ عليها لنجابه الاستسلام والإحباط واليأس. 
 
نحتاج اليوم إلى هذا النَّفَسِ الرسوليِّ لنُحرِقَ كلَّ الحواجز، ونساندَ بعضنا بعضًا ضمن العائلة الواحدة والكنيسة، لكي نحافظ على هذا الإرث الثَّمين الذي غرسه فينا زارع الخيرات ومبدع المخلوقات كلِّها. نضرَعُ إلى الله أن تبقى كنيسة أنطاكية رسولةً للأمم، في ظلِّ كلِّ النِّزاعات القائمة فيها وحولها. آمين.
 
الأرشمندريت برثانيوس ١٠ كانون الأول ٢٠١٨
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies