عظات راعي الأبرشية بالكلمة والصوت

  • كلمة المتروبوليت إفرام في بدء السنة الدراسيّة اللاهوتيّة في معهد القدّيس يوحنا الدمشقي - 2018-09-03 - Download
    (خدمة الغروب، الإثنين 03/09/2018)
    كلمة صاحب السيّادة المتروبوليت أفرام، راعي أبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، الجزيل الاحترام
     
    أيّها الإخوة الأحبّاء!
    تَبْتَدِئُونَ، في هذا الوقت، سنة دراسيّة جديدة، وما الجديد في ذلك؟
    يتفكّر الإنسان، أوّلًا، أنّه يُقبل إلى معهد اللاهوت لكي يكتسب معلومات كافية من أجل خدمة الكنيسة، كنيسته المقبلة، وهذا صحيح...
    صحيح أنّه علينا أن نكتسب معلومات كافية، خصوصًا في هذا الوقت، وفي هذا المكان، وفي هذه المنطقة التي نعيش فيها، وفي هذه الظروف القاسية التي نحياها. لماذا؟
    على ما أعتقد، بحسب خبرتي القليلة، إنّ شعبنا، غالبًا، هو شعب طيّب،  قابل لكلمة الله، قابل للصلاة، قابل للكنيسة، قابل للإيمان، ولكن ماذا ينقصه؟
    ينقصه أنّ الكثيرين، سواءٌ أكانوا من المتعلّمين أم من غير المتعلّمين، لا يعرفون الكثير عن كنيستهم المسيحيّة الأرثوذكسيّة. لا يعرفون. من الذي سوف يعلّمهم؟ هذه القضية تصبح أصعب بالنسبة إلى الجيل الجديد؛ وأنتم بغالبيّتكم شباب. إذًا، تقع على عاتقكم مسؤوليّة كبيرة تقضي بأن تتعلّموا، تتعلّموا جيّدًا. وألّا تصبح العلوم رتابة فقط من أجل اكتساب نقطة والنجاح وأخذ الشهادة...
    هذا عيبٌ على الإنسان الذي يريد أن يخدم الله، وأن يخدم كنيسته في هذه الأيّام.
    لا بدّ من أن نتعلّم كلّنا، ولكنّ العلم وحده لا يكفي. هذا من خبرة الكنيسة، أنّه علينا، على كلّ واحد يأتي إلى هذا المعهد أن يختبر أهمّيّة الحياة المشتركة. ونشكر الله أنّ هذا المعهد اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ، في العالم الأرثوذكسيّ اليوم، قد حافظ على تقليد هذه الحياة المشتركة التي تُزعج الشرّ في كثير من الأحيان.
    هذا التقليد شيء أساسيّ، شيء أساسيّ، لماذا؟
    في تهيئة العلوم، المعلومات ضروريّة، لكنّها لا تكفي. على الطالب أن يتدرّب، في هذه السنوات الأربع أو الخمس، من كلّ الجوانب. ينقصنا الكثير في هذا التدريب، ولكن الذي يريد أن يدرس ويكتسب، "مَنَّا قليلة أربع سنوات"، أن يتكرّس الشخص، ويترك أهله، ويترك الدنيا، حتّى يكتسب الأشياء الأساسيّة. ولكنّ شيئًا آخر مطلوب، وهو أن يكتسب أمورًا أخرى، لأنّ شخصيّة الإنسان ليست مكوّنة فقط من فكر ونظريّات. الشخص له كيان شامل، ولا بدّ له من أن يكتسب هذا التدريب في غضون هذه السنوات، فمن أيّ زاوية يكون هذا الاكتساب؟
    من زاوية الصلاة، الطالب فيها هو مجاهد، لا يقيمها وكأنّها واجب عليه، لا يجعلها تصبح روتينيّة بالنسبة إليه. هو جنديٌّ مجاهد لله. يسعى جاهدًا في الاكتساب والاستفادة، قدرالإمكان، من صلوات الكنيسة التي وضعها القدّيسون، ومن الأصوام، أيضًا.
    من زاوية الاعتراف، وهو الشيء الأصعب، ولكنّه أساسيّ. يتدرّب الإنسان في عيش هذا السرّ. إذ ينقصنا، أيّها الأحبّاء، أن نتدرّب كيف يصبح الواحد منّا أبًا روحيًّا. نحن في تقليدنا، "الكاهن نسمّيه: أب". نريده أن يصبح أبًا حقيقيًّا. وهذا يتطلّب جهدًا وتدريبًا عن طريق الاعتراف، وعن طريق الاسترشاد. بطريقة ما، الإنسان ينمو عقليًّا، ينمو روحيًّا، ينمو نفسيًّا. لا يجوز الاعتقاد أنّ طالب المعهد اللاهوتيّ هو إنسان شخصيّته ناقصة، لا يجوز. كيف تقدرون غدًا أن تجذبوا، كيف تقدرون اليوم أن تجذبوا الجيل الحديث؟ كلّ سنة يلزمها تجديد، يلزمها أشخاص عندهم موهبة ورؤيا. حاليًّا، نريد أن نفتّش عن وسائل عمليّة نقدر عبرها أن نجذب شبابنا وأولادنا إلى الكنيسة، وإلى ربّنا.
    تعرفون اليوم التيار العالميّ هو تيّار إلحاديّ، هو تيّار يبعد الله عن الحياة، ونحن نؤمن أنّ الإنسان لا يكتمل من دون ربّنا. وهذا شيء علينا أن نتدرّب عليه ابتداءً من المعهد اللاهوتيّ. الانسان ينمو في المعرفة. ستتعلّمون كيف يقول، وماذا يقول الآباء القدّيسون، وما هي خبرتهم في كيف ينمو الإنسان، وكيف يقترب من الله، وكيف يكتمل، وكيف ينمو فكره، وكيف ينمو قلبه.
    الإنسان، بشكل عامّ، لا يستطيع أن يصل إلى ما يسمّيه القدّيس إسحق السريانيّ: المعرفة الروحيّة. لا يستطيع أن يصل إلى المعرفة الروحيّة من دون أن يلاحظ: أخطاءه، أهواءه، وضعفاته... عند ذلك، يكتمل الانسان الضعيف، الانسان الناقص. من يكمّله برأيكم؟ النعمة، النعمة الإلهيّة، الروح القدس. هذه خبرة. الحياة المسيحيّة خبرة لا بدّ من عيشها.
    نحن نصلّي، ونشكر الله أنكم أتيتم إلى المعهد، لا لتتعلّموا وحسب، ولكن أيضًاً حتّى تتقدّسوا، وحتّى تكتسبوا هذه النعمة الإلهيّة، أي الروح القدس الذي ينيركم، وينير الفكر، أوّلًا، بالمعلومات التي تأخذونها ثمّ ينير القلب. ساعتئذٍ يعرف الإنسان كيف يتكلّم، وكيف يخدم، وهذا شيء أساسيّ، اليوم، بالنسبة إلى الكاهن في وسط هذا المجتمع الذي نعيش فيه، وفي هذا العالم، بشفاعة السيّدة العذراء صاحبة هذا الدير، والقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، وجميع القدّيسين، آمين.
     


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies