الكرمة - الأحد 1 حزيران 2014

 
الأحد 1 حزيران 2014
العدد 22
أحد أباء المجمع المسكوني الأوّل
اللحن السادس   الإيوثينا العاشرة
 
* 1:  الشَّهيد يوستينوس الفيلسوف. *2: نيكيفورس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيِّة. * 3: الشَّهيد لوكليانوس، الشَّهيدة باڤلا
* 4: مطروفانس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، مريم ومرتا أختا لعازر . *5: الشَّهيد دوروثاوس أسقف صور. * 6: وداع الصّعود، إيلاريون الجديد رئيس دير الدلماتن، الشَّهيد غلاسيوس. *7: سبت الأموات، الشَّهيد ثاودُوتُس أسقف أنقرة، الشَّهيد باييسيوس (كفالونيَّة). 
 
 
 
الترتيل الكنسي الموسيقى
 
الترتيل الصحيح في الكنيسة يُحيي الكلمة، وهو أفضل وسيلة لإيصال البشارة إلى المؤمنين. فكيف نجعله صحيحاً في كنيستنا الأرثوذكسيّة؟ الاشتراك في الخدمة الليتورجيّة يكون عادةً عن طريق السماع akououi. طبعاً رسم إشارة الصليب، السجود، الإيقونات، البخور... كلّها تساعد. الخدمة تحاكي القلب أكثر من العقل. وأيضًا إن كان أحدٌ يستطيع مشاركة الجوق فهذا يساعد كذلك. السؤال يُطرح: لماذا لا تُستخدم في الكنيسة الآلاتُ الموسيقيّة؟ الامتناع عن هذه الأخيرة كان في الكنيسة جمعاء حتّى القرن التاسع. ذلك حتى لا تطغى النغمة الموسيقيّة على الكلام. الآلات في القسطنطينيّة قديماً كانت مخصّصةً للحفلات خارج الخدمة الليتورجيّة في الكنيسة. الأُرغن orgue دخل الغرب في القرن التاسع من القسطنطينيّة إلى  Charlemagne ومنه إلى الكنائس الغربيّة، بقيت الأديار هناك تستخدم الصوت الواحد monophonie فترةً طويلة. دخلت التراتيل ذات الأصوات المتعدّدة في بعض الكنائس الأرثوذكسيّة تحت تأثيرٍ غربيّ عن طريق روسيا في القرنين التاسع عشر والعشرين. التجديد الروحيّ في كنيستنا كان دوماً حاصلاً في العالم كلّه بالعودة إلى الترتيل التقليديّ ذي الصوت الواحد monophonie لنفهم لماذا؟ مع الأصوات المتعدّدة polyphonie لا يعود الكلام مع مضمونه واضحاً، تطغى النغمات الموسيقيّة فنتوجّه إلى الحسّ الشعوريّ أكثر منه إلى القلب. يقول البعض إنّ الخِدَمَ الليتورجيّة القصيرة والأنغام المتعدّدة الصوت تشدّ المؤمنين وبخاصّةٍ الشباب أكثر من غيرها. هذا وهمٌ عصريٌّ وغربيّ. لقد ذاقت روسيا مثل هذه الخبرة كما اليوم تذوقها كنيستنا في أميركا، وقد بدّلت وجهة نظرها في كثير من الأماكن، وعادت إلى تقليدها القويم. الرسائل، مع الصلاة الطويلة الدائمة "صلّوا بلا انقطاع، اشكروا الله في كلّ شيء لأنّ هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" (1 تسالونيكي 5: 17). هناك طبعاً السَّحَريّة الطويلة (خصوصاً في السهرانيّات)، لكن القدّاس الاعتياديّ لا يتخطّى الساعة، والشعب يأخذ عادةً حرّيّتَه في الدخول والخروج، وهذا أمرٌ طبيعي. المهمّ أن نتجنّب الأمور الشكليّة في الطقوس لا عن طريق تقصير الخدم، بل عن طريق المواظبة والانتباه في الصلاة القلبيّة.
 
نعم أيّها الأحبّاء، الأرثوذكسيّة قابلة للتطوّر عبر القرون، لكن لا على حساب الجوهر الروحيّ وتقطيع الأوصالِ الّتي تربطها بالتقليد القويم. التغيير في الليتورجيا لا بدّ أن يكسب موافقة الكنيسة الجامعة. الصلوات الآبائيّة القديمة يبقى لها الأولويّة على الصلوات العفويّة، مع فائدة هذه الأخيرة في بعض الأحيان.
                               
                                       + أفرام
                     مطران طرابلس والكورة وتوابعهما 
 
 
طروباريَّة القيامة لِلَّحن السادس
 
إنَّ القوَّاتِ الملائكيَّة ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صاروا كالأموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القبر طالِبَةً جسدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّبْ منها، وصادَفْتَ البتولَ مانِحًا الحياة، فيا مَنْ قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.
 
 
طروباريَّة الآباء باللَّحن الثَّامِن
 
أنتَ أيُّها المسيحَ إلهُنا الفائِقُ التَّسبيح، يا مَنْ أَسَّسْتَ آباءَنا القدِّيسينَ على الأرضِ كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيْتَنَا جميعًا إلى الإيمانِ الحقيقي، يا جزيلَ الرَّحمةِ المجدُ لك.
 
 
طروباريَّة الصُّعود باللَّحن الرَّابِع
 
صَعِدْتَ بمَجْدٍ أيُّها المسيحُ إلهُنا، وفرَّحْتَ تلاميذَك بموعِدِ الرُّوح القُدُس، إذ أيقَنُوا بالبَرَكَة أنَّكَ أَنْتَ ٱبنُ اللهِ المنْقِذُ العالَم.
 
 
القنداق باللَّحن السَّادِس
 
لـمَّا أَتْمَمْت َالتَّدبيرَ الَّذي من أجلِنا، وجعلتَ الَّذين على الأرض مُتَّحِدِينَ بالسَّمَاوِيِّين، صَعِدْتَ بمجدٍ أَيُّهَا المسيحُ إلهُنا، غيرَ مُنْفَصِلٍ من مكانٍ، بل ثابتًا بغيرِ ٱفتِرَاق، وهاتِفًا بِأحِبّائِكَ: أنا معكم وليسَ أحدٌ عليكم.
 
الرِّسالة 
أع 20: 16-18، 28-36
 
مُبَارَكٌ أَنْتَ يا رَبُّ إلهَ آبائِنا 
فإنَّكَ عّدْلٌ في كلِّ ما صَنَعْتَ بِنَا
 
في تلكَ الأيَّامِ ارتأَى بولسُ أنْ يتجاوَزَ أَفَسُسَ في البحرِ لِئَلَّا يعرِضَ له أن يُبْطِئَ في آسِيَةَ. لأنَّه كان يَعْجِلُ حتَّى يكون في أورشليم يومَ العنصرةِ إِنْ أَمْكَنَهُ. فَمِنْ مِيلِيتُسَ بَعَثَ إلى أَفَسُسَ فاسْتَدْعَى قُسوسَ الكنيسة. فلمَّا وصَلُوا إليه قال لهم: ﭐحْذَرُوا لأنفُسِكُم ولجميعِ الرَّعِيَّةِ الَّتي أقامَكُمُ ﭐلرُّوحُ القُدُسُ فيها أساقِفَةً لِتَرْعَوُا كنيسةَ اللهِ الَّتي ﭐقْتَنَاهَا بدمِهِ. فإنِّي أَعْلَمُ هذا، أَنَّهُ سيدخُلُ بينَكم بعد ذهابي ذئابٌ خاطِفَةٌ لا تُشْفِقُ على الرَّعِيَّة، ومنكم أنفُسِكُم سيقومُ رجالٌ يتكلَّمُون بأمورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلامِيذَ وراءَهُم. لذلكَ، ﭐسْهَرُوا مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي مُدَّةَ ثَلاثِ سنينَ لم أَكْفُفْ ليلًا ونهارًا أنْ أَنْصَحَ كلَّ واحِدٍ بدموع. والآنَ اَسْتَوْدِعُكُم يا إخوتي اللهَ وكلمةَ نعمَتِه القادِرَةَ أَنْ تبنيكُم وتَمْنَحَكُم ميراثًا مَعَ جميعِ القدِّيسين. إنِّي لم أَشْتَهِ فِضَّةَ أَحَدٍ أو ذَهَبَ أو لِبَاسَ أَحَدٍ، وأنتم تعلَمُونَ أنَّ حاجاتي وحاجاتِ الَّذين معي خَدَمَتْهَا هاتان اليَدان. في كلِّ شيءٍ بَيَّنْتُ لكم أنَّه هكذا ينبغي أن نتعبَ لنساعِدَ الضُّعَفَاء، وأن نتذكَّرَ كلامَ الرَّبِّ يسوعَ. فإنَّه قال: إنَّ العطاءَ مغبوطٌ أكثرَ من الأَخْذِ. ولـمَّـا قال هذا جَثَا على رُكْبَتَيْهِ مع جميعِهِم وصَلَّى.
 
الإنجيل
يو 17: 1-13
 
في ذلكَ الزَّمان رَفَعَ يسوعُ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: يا أَبَتِ قد أَتَتِ السَّاعَة. مّجِّدِ ٱبْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ٱبنُكَ أيضًا، كما أَعْطَيْتَهُ سُلطَانًا على كُلِّ بَشَرٍ ليُعْطِيَ كُلَّ مَن أعطيتَه لهُ حياةً أبديَّة. وهذه هي الحياة الأبديَّةُ أن يعرِفُوكَ أنتَ الإلهَ الحقيقيَّ وحدَكَ، والَّذي أرسلتَهُ يسوعَ المسيح. أنا قد مجَّدْتُكَ على الأرض. قد أَتْمَمْتُ العملَ الَّذي أعطَيْتَنِي لأعمَلَهُ. والآنَ مَجِّدْني أنتَ يا أَبَتِ عندَكَ بالمجدِ الَّذي كانَ لي عندَك من قَبْلِ كَوْنِ العالَم. قد أَعْلَنْتُ ٱسْمَكَ للنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَهُمْ لي مِنَ العالم. هم كانوا لكَ وأنتَ أعطيتَهُم لي وقد حَفِظُوا كلامَك. والآنَ قد عَلِمُوا أنَّ كُلَّ ما أعطَيْتَهُ لي هو منك، لأنَّ الكلامَ الَّذي أعطَيْتَهُ لي أَعْطَيْتُهُ لهم. وهُم قَبِلُوا وعَلِمُوا حَقًّا أَنِّي مِنْكَ خَرْجْتُ وآمَنُوا أنَّك أَرْسَلْتَنِي. أنا من أجلِهِم أسأَلُ. لا أسأَلُ من أجل العالم بل من أجل الَّذينَ أَعْطَيْتَهُم لي، لأنَّهم لك. كلُّ شيءٍ لي هو لكَ وكلُّ شيءٍ لكَ هوَ لي وأنا قد مُجِّدتُ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالم وهؤلاء هم في العالم. وأنا آتي إليك. أيُّها الآبُ القدُّوسُ ٱحْفَظْهُمْ بـٱسمِكَ الَّذينَ أعطيتَهُمْ لي ليكُونُوا واحِدًا كما نحنُ. حينَ كُنْتُ معهم في العالم كُنْتُ أَحْفَظُهُم بٱسمِكَ. إِنَّ الَّذينَ أَعْطَيْتَهُم لي قد حَفِظْتُهُمْ ولم يَهْلِكْ منهم أَحَدٌ إلَّا ٱبْنُ الهَلاك لِيَتِمَّ الكِتَاب. أمَّا الآنَ فإنِّي آتي إليك. وأنا أتكلَّمُ بهذا في العالَمِ لِيَكُونَ فَرَحِي كامِلًا فيهم.
 
في الإنجيل
 
كلّ شيء في الدنيا نراه يفرّق، حتى ولو بدا أنّه يجمع الناس في مجموعاتٍ صغيرة: السياسة، الأحزاب، الطوائف، الجمعيّات وغيرها. وكلّ هذه التجمّعات مرتبطة بروابط واهية، ومسيّرة بغاياتٍ قابلة للتبدّل. من هنا أهمّيّة الوحدة التي  يعدنا بها المسيح.  فالواضح من الصلاة التي قرأنا عنها في إنجيل اليوم، أنّ وحدة المسيحيّين مرتبطة بحياة الله، وهي على مثال وحدة الثالوث "ليكونوا واحداً كما نحن واحد". تقوم الوحدة في الثالوث على رباط المحبّة، فالآب هو مصدر الوحدة، والابن الذي هو مع الآب دائماً جاء إلى الأرض ليوحّد الناس أي ليعرّفهم على الآب: "وهذه هي الحياة أن يعرفوك أنّك الإله الحقيقيّ ومَن أرسلتَ هو يسوع المسيح". لقد جاء الابن ليوجّه الجميع نحو الآب. هذا كان عمل الرّبّ يسوع حتى الصعود، وهذه هي صلاته الآن، وهذا هو عمل الروح بدءاً من العنصرة.
 
إنّ كمالنا ونموّنا وشفاءنا من الخطيئة المنتشرة في كلّ مكان كعنصر تفريق، يتحقّق حين يكون الربّ يسوع فينا فنكمل به إلى واحد. المسيح فهو الذي يوحّدنا، لأنّه يوحّد لنا الغاية والحياة. وهذا يتمّ دون أن يلغي المواهب والتنويع. 
 
يضع المسيح أمامنا الغاية الحقيقيّة من حياتنا وهي أن نشترك في مجده "وأنا أعطيتُهم المجد الذي أعطيتَني ليكونوا واحداً...” مجد الابن هو إظهار مجد الآب. إنّ اشتراكنا بمجد المسيح يعني اشتراكنا في آلامه ورسالته. هُوَ أعطانا موهبة المشاركة في مجده، أي في رسالته، لنصير نحن أيضاً شهوداً للآب، وبالتالي نتحوّل من أبناء هذا الدهر إلى أبناء الله، وندرك أننا جميعاً شركاء في الرسالة وشركاء في النعمة. نحن رسل الله في العالم وغايتنا واحدة، ونحن في الوقت نفسه أبناء الله وموهوبون بالمحبّة نفسها من الآب، ولنا بالتالي الكرامة نفسها. هكذا يوحّدنا المسيح إذ وهبنا نعمة الشهادة والتبنّي.
هذا ما تعيّد له الكنيسة في هذا الأحد، أحد آباء المجمع المسكونيّ الأول. لهذا المجمع أهمّيّة خاصّةٌ من بين سائر المجامع، لأنّه خطّ طريق المحافظة على الإيمان، وأشار إلى ضرورة وحدة الحياة والغايات، لتبقى التعاليم واحدة. آباء المجمع هم الجماعة الذين حملوا التقليد ودحضوا كلّ ما هو غريب، حملوا التقليد أي حملوا الروح القدس. لهذا، الوحدة غير ممكنة إذا لم يكن الابن فينا، لأنه هو الذي ينمو بنا إلى أبناء الله ويكمّلنا لنكون واحداً في الغاية والشهادة، وفي الحياة والتقليد، ويقودنا جميعاً إلى الآب متّحدين.
 
الحبّ الإلهيّ جوهر العقيدة
 
ودّعنا، قبل بضعة أيّام، الفصحَ، وما من مرّة ودّعناه، إلاّ اعتصرت قلوبَنا غصّةُ فراقه. بالرغم من أنّ كلّ يوم أحدٍ هو بالفعل عيدٌ للقيامة، فصحٌ صغير، تمتاز الفترة الفصحيّة بنكهة خاصّة من البهجة، بثّتها في العالم قيامةُ المسيح. تعبّر الليتورجيا الأرثوذكسيّة عن الحضور الفصحيّ الكثيف في هذه الفترة بافتتاح الصلوات بنشيد القيامة. المؤمنون يتناغمون والليتورجيا. ثمّة أناس يبكون، حين يودّعون الفصح، وهم على رجاء أن يغمرهم بهاؤه في العام القادم. 
 
بين الصعود والعنصرة، نعيّد لآباء المجمع المسكونيّ النيقاويّ الأوّل، الذين وضعوا من دستور الإيمان جزءه الأوّل، الذي يتكلّم عن ألوهة المسيح. وعن أولئك الآباء خطورةَ ما اضطروا أن يفعلوه. أجبرهم تفشّي بدعة آريوس على أن يضعوا، في قالب التعبير اللغويّ، ما لم يكن، ليُحكى عنه، بل ليُعاش. فالتجسّد والاِنصلاب والقيامة ليست أعمالاً بطوليّة قام بها الربّ يسوع، لتُنسَج حولها الروايات المنمّقة، ويتغنّى بها المنشدون. يسوع لم يأتِ بطلاً تراجيديًّا، ينتزع الخلودَ بعظمة أفعاله، وبأنّه تغلبُ، في بشرته، القوةُ الضعفَ. يسوع المسيح، ابن الله المتجسِّد، قولُ حبِّ الله للإنسان، فِعْلٌ حياتيٌّ، إلهيُّ الجوهر، صار بشريًّا بالحقيقة، وبشكل تامّ، ليكون نموذجَ حياة، يمكن الناسَ أن يحيوها، بنعمة الله وإن شاؤوا. 
 
الصعوبة التي واجهها الآباء، حين صاغوا دستور الإيمان، كانت أنّهم اضطرّوا إلى ضبط فعل الحبّ الإلهيّ غير المحدود بكلمات محدودة القدرة على التعبير، وإلى الكلام على الحياة الإلهيّة بلغة بشريّة. ليقوموا بذلك، بشكل لائق، استندوا، إلى جانب خبرتهم الإيمانيّة، إلى العلوم والمعارف الفلسفيّة التي كانوا يحوزونها في عصرهم. واللاهوت المسيحيّ هاضم للكثير من فلسفة الإغريق. فالمسيحيّة، جوهرًا، ليست منظومة إيديولوجيّة، تنافس المدارس الفكريّة، وتخشى منافستها. المسيحيّة حياة، تنبثّ في كلّ ما يقبلها، فتُمَسحِنه، أي تجعل فيه صورة المسيح.
 
حين صاغ الآباءُ العقيدة، فعلوا ذلك مُجبَرين. أدركوا أنّهم ينطقون بما لا يُنطَق به، وأنّ لغة البشر ومقولاتهم العقليّة تقصّر، بالطبع، عن وصف فعل الحبّ الإلهيّ الذي أعطي للناس ليحيوا بحسبه، لا ليتكلّموا عنه، وحسب. حين ننطق بدستور الإيمان، علينا أن نعي تمامًا أنّ ما نقوله، لم يَصُغْهُ آباء نيقية سنة ٣٢٥ - وأكملته مجامع تالية، بحسب الحاجة، أي بسبب انتشار البدع - ليقال ويدرَس ويدرَّس، فقط. كلّ هذا حسن، ولا بدّ من القيام به، طالما أنّ البشر يفكّرون ويتساءلون. لكنّ ما ننطق به في دستور الإيمان يحوي ما هو أكثر من ذلك. كلماتُ العقيدة معبرٌ إلى جوهر العقيدة. وليس هذا الجوهر إلا الحبّ الإلهيّ الذي صار بشريًّا ليكون للبشر نموذجًا، كيف يحبّون. وإن أحبّوا، يحيون. العقيدة كلمة حياة، إذا فُهِمت وانعاشت. 
 
الأحد الحاضر، بين الصعود والعنصرة، يدعونا إلى حفظ تراثنا، عقيدة نفهمها أنّها ليست مجرّد تعاليم، نردّدها ونجادل الآخرين مدافعين عنها. هذا ليس إلاّ شيئًا يسيرًا ممّا سلّمه إلينا الآباء. الأهمّ منه بكثير هو أن نعي أنّ جوهر العقيدة هو المسيح الذي انصلب حبًّا بنا، فغلب بذلك الموتَ. وأنّه إنّما وضع لنا بذلك نموذجًا، كيف نحيا، فنصير من أهل السماء. صعود المسيح، بمجد، على الصليب مقدّمة لصعوده، بمجد، إلى السماء. وجهان لنموذج حياة واحدة، أُعطِيت لنا لنحياها. ليس الأمر سهلاً. إلاّ أنّ لدينا قوّة لبسناها، من العلاء، بحلول الروح القدس، الذي ننتظر عيده الأحد القادم.
 
أخبـــارنــــا
 
 المركز الرعائيّ للتراث الآبائيّ: رحلة حجّ إلى صور
 
نظّم المركز الرعائيّ للتراث الآبائيّ رحلته الأُولى الى مدينة صور، يوم الأحد ٢٥ أيّار ٢٠١٤. كان هدفُ الرحلة زيارةُ الأماكن الّتي بارَكَها السيّدُ ورُسُلُهُ القدّيسون. باكرا جدّاً انطلقنا من أمام دار المطرانيّة في طرابلس، ووجهة الانطلاق كانت كنيسة الرسول توما، حيث اشتركنا مع أبناء الرعيّة  بالقدّاسِ الإلهيّ برئاسة كاهن الرعيّة الارشمندريت يعقوب خليل أستاذ العهد الجديد في معهد اللاهوت في البلمند، خدمَ القدّاس ترتيلاً بعضٌ مِن أفراد الجوقة. بعد القدّاسِ كان هناك لقاءٌ مع أبناء الرعيّة في مبنى المطرانيّةِ الملاصق للكنيسة، ثُمّ انطلق الجميع الى بحر صور حيث كان هناك جولة بحريّة تيَمُّنًا بالّذِين رَسَوا وصَلَّوا على بحر صور، ومنهم الرسولان بولس وبرنابا. وبعدَ الغداء، تَمّت زيارة آثار صور الغنيّة بالمقابر المسيحيّة التي تعود الى القرون الأولى، والّتي ضمَّتْ كثيرًا من أجسادِ الشُّهَداءِ القدّيسين.
 
مدينة صور شهدت للمسيحيّة منذ أيّامِ المسيح، وعبّرَتْ عن إيمانها وإيمان ذلك الشعب منذ المرأة الكنعانيّة، وكثيرون هم الشهداء الذين رووا هذه المنطقة بدمائهم!
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies