الكرمة - الأحد 27 نيسان 2014

 
الأحد 27 نيسان 2014   
العدد 17
أحــد تومــا
الإيوثينا الأولى
 
*27:  الشهيد في الكهنة سمعان نسيب الرَّب. *28: التسعة المستشهدون في كيزيكوس. *29:  الرَّسولان ياسنوس وسُوسيباترس ورفقتهما * 30: الرَّسول يعقوب أخو يوحنَّا الثاولوغوس. * 1: النبيّ إرميا، البارة إيسيذورة. *2: نقل جسد القدِّيس أثناسيوس الكبير. 
*3: الشَّهيدان تيموثاوس ومفرة. *
 
 
"أريدُ للكلّ أن يَخلُصوا"
 
على الرغم من الصباح الباكر جداً في يوم القيامة فقد حُمِلتْ الأنباء الطيّبة إلى كلّ الخليقة. الملائكة أخبرت في السماء (مرقس 16: 6) وحاملات الطيب على الأرض (لوقا 24: 9) وحتّى الحرّاس نقلوا خبر المعجزة إلى المجمع اليهوديّ الذي حكم على يسوع بالموت (متى 28: 11). كان الرسل لا يزالون في حالة من الخوف والشكّ، فهم مختبئون خلف الأبواب المقفلة "لسبب الخوف من اليهود" (يوحنا 20: 19). 
 
شكّ التلاميذ ليس مستغرباً، لأنّهم كانوا شاهدين على أعظم معجزة في تاريخ الخلق. فالبشر قتلوا الله، ثمّ قام من بين الأموات، وحفظ الجنسَ البشريَّ من الموت في الجحيم. بعد اعتقال المعلّم، نَسِيَ الرّسلُ كلّ ما قاله لهم الربّ من النبوءات حول موته وقيامته، فلم يصدّقوا المعجزة التي حدثت مع حاملات الطيب (مرقس 16: 11، لوقا 24: 11). وحتّى خلال حديثهم مع القائم من بين الأموات وجهاً لوجه، فقد تردّدوا في الوثوق (لوقا 24: 25) بهذه المعجزة التي كانت تحرق وتُلهب قلوبهم خلال وجود الله معهم (لوقا 24: 32). هذا العجب الذي لا يمكن تصديقه (لوقا 24: 41)، بالإضافة إلى الضعف البشري، وعدم القدرة على استيعاب حجم المعجزة التي وقعت، كلّ هذا  ينعكس على كلمات الرسول توما "إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لا أؤمن" (يوحنا 20: 25).
 
غالباً ما يشير الناس إلى توما على أنه المُشكِّك، بدون الأخذ بعين الإعتبار عمق وذروة "شكّ" الرسول القديس. دعونا نلقي نظرة بعناية أكثر إلى هذا التلميذ. 
 
هل كان شكُّه كَشَكِّ اليهود الذين صرخوا ليصلبوا المخلّص؟ "فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به". (متى 27: 42) 
 
هل شَكُّهُ كان كَشكِّ الشعب المُعاصر الذي عند كلّ مصيبة يسأل أين الله: "إن كان هناك إله، فليُظهر نفسه للكلّ، فنؤمن به".. "أين كان الله عندما حَلَّتْ هذه الكارثة؟ "لماذا الله لا يساعدني في مصيبتي؟".
 
الكتبة والفريسيّون عَلِموا بكلّ معجزات المسيح، وعلى ما يبدو أنهم قدَّروا مَن هو يسوع الجليليّ حقيقةً. لكنّهم في كلّ مرّةٍ كانوا يواجهون الإلهيّات، كانوا يصبحون أكثر تجذُّراً بالتجديف. بعد أن وجدوا أنّ المسيح شفى مَن هو منذ مولده أعمى، بدل رفع الصلوات والحمد لله قاموا بالشتم. "هذا الإنسان خاطئ" (يوحنا 9: 24) "في الخطايا وُلدتَ أنت بجملتك" (يوحنا 9: 34).
 
بعد أن سمعوا أنّ المسيح أقام ميتاً ذا أربعة أيّام قد أنتن في القبر، وعلى ما يبدو، لم توجد لهم شكوك حول ألوهيّة المسيح، فتشاوروا "ليقتلوا لعازر" (يوحنا 12: 10). أخيراً بعد أن واجهوا المسيح فعليّاً من خلال معجزة القيامة وسمعوا روايات شهود العيان أي الحرّاس (متى 28: 11) الذين ارتعدوا خوفاً "وصاروا كالأموات" (متى 28: 4) عند مشاهدتهم الملاك الذي دحرج الحجر وكان منظره كالبرق، بالرغم من كلّ ذلك، قرّر شيوخ المجمع أن يعطوا الحرّاسَ رشوةً ليخدعوا الناس، وذلك ليُزاد كُفرُهم على تجديفهم.
 
لكنّ القدّيس توما لم يكن مثلهم. نعرف إيمانه وإخلاصه لِمعلّمِه. بعد اتّباعِ المخلّص لثلاث سنين، فَهِمَ توما جيّداً المَخاطر التي واجهت المسيح من قبَلِ الكَتَبَةِ والفرّيسيّين. التلاميذ الآخرون فهموا هذا الأمر أيضًا. لهذا السبب عندما قرّر المسيح الذهاب إلى أورشليم، حاول تلاميذه أن يحذّروه من الخطر (يوحنا 11: 8). 
 
لكنّ القدّيس توما قال "لنذهب نحن أيضًا لكي نموت معه"(يوحنا 11: 16).
 
وهل يمكن لِمُشَكِّكٍ أن يتكلّم هكذا؟ 
 
في ذلك اليوم بعد الفصح بأسبوع، عندما أتى الرّبّ إلى التلاميذ وكان معهم توما، كان الرسول بحاجة فقط إلى خطوة واحدة ليدرك مَن هو معلّمُه حقيقةً" الذي أحبّه توما بِتَفانٍ وكرّس حياته له واستشهد في سبيل الكرازة به. فمِن أجل خلاص توما أتى المسيح إليه وأظهر له نفسه وتحمَّل لمس جراحاته. فالمسيح في سبيل خلاص البشر احتمل الآلام، الهزء، التعذيب والموت ولمس جراحاته بعد قيامته. المسيح أتى إلى التلاميذ والأبواب مغلقة، وهو مستعدّ ليدخل قلوبنا. ولكن ماذا سيسمع عندما سيدخل إلى قلوبنا؟ هل سيسمع مِنّا كلمات "ربّي وإلهي"؟ أم كلمات الهزء، السخرية وعدم الاكتراث؟
 
هل سنعبده كما فعل توما، أم سنصلبه بسبب عدم توبتنا، ونرجمه بصخور وحجارة خطايانا؟
 
فيا ربّ، بصلوات القدّيس الرسول توما هلمّ إلينا وادخُلْ قلوبنا. أعطنا الإيمان "أعِنْ عدَمَ إيماننا" (مرقس : 9: 24) آمين.
 
 
طروباريّة الأحد الجديد باللحن السابع
 
إذ كان القبرُ مختوماً أشرقتَ منه أيّها الحياة، ولمّا كانتِ الأبوابُ مغلقة، وافيْتَ التلاميذَ أيّها المسيحُ الإلهُ قيامةُ الكلّ. وجدّدتَ لنا بهم روحًا مستقيماً، بحسب عظيم رحمتك.
 
 
قنداق الفصح  باللَّحن الثامن
 
وَلَئِنْ كُنْتَ نزَلتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إلّا أنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّة الجحيم، وقُمْتَ غالِباً أيُّها المسيحُ الإله، وَلِلنِّسْوَةِ حاملاتِ الطيب قلتَ افرحنَ، وَوَهبتَ رُسُلَكَ السلام، يا مانحَ الواقعينَ القيام.
 
 
الرِّسالة
أع 5: 12-20
 
عظيم هو ربُّنا وعظيمة هي قوّتُه
سبِّحوا الربَّ فإنَّه صالِحٌ
 
في تلكَ الأيّام جَرَتْ على أيدي الرُّسُل آياتٌ وعَجائبُ كثيرةٌ في الشَّعب. (وكانوا كلُّهُم بِنَفْسٍ واحِدَةِ في رِواقِ سُليمان، ولم يكُنْ أحَدٌ من الآخَرينَ يَجترِئُ أنْ يُخالِطَهُمْ. لكنْ كانَ الشَّعبُ يُعظِّمُهمُ. وكانَ جماعاتٌ مِنْ رجال ونِساء ينضَمُّونَ بِكَثَرَة مُؤمِنينَ بالرّبّ)، حتى إنَّ الناسَ كانوا يَخرُجونَ بالمرضى إلى الشَّوارِع ويضعونهُم على فرُشٍ وأَسِرَّةِ ليَقَعَ ولَوْ ظِلُّ بطرسَ عنِدَ اجتيازِهِ على بعْضٍ منهم. وكانِ يجْتمِعُ أيضاً إلى أورَشَليمَ جُمهورُ المدُنِ التي حَولَها، يَحمِلون مرضىً ومعذَّبينَ مِنْ أرواح نَجِسة، فكانوا يُشْفَوْنَ جَميعُهُم. فقامَ رئيسُ الكهَنةِ وكلُّ الذينَ معهُ، وهُمْ مِن شيعَةِ الصدُّوقِيّينَ، وامتلأوا غَيرةً، فألقَوا أيدِيَهُم على الرُسُلِ وجَعَلوهُم في الحبسِ العامّ، ففَتَحَ ملاكُ الربِّ أبوابَ السِّجنِ ليلاً وأخرَجَهُم وقالَ: امْضُوا وَقفِوا في الهيكل، وكَلِّموا الشَّعبَ بِجميع كلِماتِ هذه الحياة.
 
 
الإنجيل
يو 20: 19-31
 
لمّا كانت عَشيَّة ذلِكَ اليومِ، وَهُوَ أوَّلُ الأُسبوع، والأَبوابُ مُغلَقةٌ، حيثُ كانَ التلاميذُ مجتمِعينَ خوفاً مِنَ اليهودِ، جاءَ يسوعُ ووقفَ في الوَسْط وقالَ لَهم: السلامُ لكم. فلمَّا قالَ هذا أراهم يَدَيهِ وجَنبَهُ. ففرِحَ التلاميذُ حينَ أبصَروا الربّ. وقال لهم ثانية: السلامُ لكم، كما أرسَلني الآبُ كذلكَ أنَا أرسِلُكم. ولمّا قالَ هذا نَفَخَ فيهم وقالَ لهم خذوا الروحَ القُدُس، مَن غفرتُم خطاياهم تُغْفَرْ لهم، ومَن أمسكتُم خطاياهم أُمسِكَتْ. أمَّا توما أحَدُ الاثنيَ عشرَ الذي يقالُ لهُ التوأَم، فلم يكنْ معَهم حينَ جاءَ يسوع. فقالَ لهُ التلاميذُ الآخرونَ: إنَّنا قد رأيْنا الربَّ. فقالَ لهُم: إنْ لم أُعايِنْ أثرَ المساميرِ في يدَيْه، وأضَعْ إصبَعي في أثرِ المسامير، وأضَعْ يدي في جَنبِهِ لا أُومنِ. وبعدَ ثمانيةِ أيّامٍ كانَ تلاميذهُ أيضاً داخِلاً وتوما معَهم، فأتى يسوُعُ والأبوابُ مُغلقَة، ووقفَ في الوَسْطِ وقالَ: السلامُ لكم. ثمَّ قالَ لتوما: هاتٍ إصبَعَكَ إلى ههنا وعَاينْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ وضَعها في جَنبي، ولا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمناً.
 
أجابَ توما وقالَ لهُ: رَبِّي وإلهي. قالَ لهُ يسوعُ لأنَّكَ رأيتني آمنت، طوبىَ للذينَ لَمْ يَرَوا وآمنُوا، وآياتٍ أُخرَ كثيرة صَنَعَ يسوعُ أمامَ تلاميذِهِ لم تكتَبْ في هذا الكتاب، وأمَّا هذهِ فقد كتبَتْ لتُؤمِنوا بأنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولكي تكونَ لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمِهِ.
 
 
في الإنجيل
 
إنّ الصورة الأولى التي تتبادر إلى ذهن القارئ، عند قراءة هذا النصّ، هي صورة الاجتماع الإفخارستيّ [الجزء الثاني من القدّاس الإلهيّ] الذي يتمّ والمؤمنون مجتمعون في الداخل والأبواب مغلقة. كان رئيس الشمامسة ينبّه الشمامسة البوّابين في بداية الاجتماع الإفخارستيّ ليتيقّظوا في ضبط الأبواب: "الأبوابَ، الأبوابَ". 
 
وهو نداءٌ ما تزال تحتفظ به الليتورجيا الإفخارستيّة لدينا قبل تلاوة "أؤمن بإله واحد ..." بالرغم من انتفاء الحاجة العمليّة إليه.
 
 ويفتتح الاحتفال بالتحيّة: "السّلام لكم"، أو "الربّ مع الجميع" [تمّ استبدالها في ممارستنا بالتحيّة الثالوثيّة المقتبسة من بولس الرسول: "نعمة ربّنا يسوع المسيح ومحبّة الله الآب وشركة الرّوح القدس، فلتكن مع جميعكم"]، ويكون يسوع حاضرًا في الوسط والمؤمنون مجتمعون إليه.épi to afto هي العبارة التقنيّة المستعملة في الكنيسة الأولى (بولس، أعمال الرسل، يوستينوس) للتعبير عن اجتماع التلاميذ إلى يسوع في الاجتماع الإفخارستيّ بفرح وابتهاج.
 
وفي بدايات المسيحيّة، كان للجماعات مسيحيّة اجتماعان: الأوّل فجر الأحد لقراءة الكتاب المقدّس والوعظ ورفع الطلبات لأجل الجميع وترنيم الأناشيد والتّسابيح؛ والثاني مساء الأحد للاحتفال الإفخارستيّ في افتتاح المائدة المشتركة ("مائدة المحبّة" أو الأغابي). والمصدر الذي يشهد يأتي من خارج الجماعة المسيحيّة.
 
ففي سنة 112 م، وجّه والي بيثينية (المقاطعة التي بُنيت فيها القسطنطينيّة فيما بعد) رسالةً إلى الإمبراطور تراجان، بخصوص المسيحيّين، وممّا جاء فيها: "لقد أعلنوا لي أنّهم قد اعتادوا أن يجتمعوا في يوم محدّد في الفجر قبل بزوغ النّور؛ ومن بين عبادتهم ما يرتّلونه فيما بينهم بالدَّور تسبحةً للمسيح كإله. ثمّ في اجتماع آخر يلتئمون مرّةً أُخرى من أجل وليمة عامّة ليس فيها أيّ ضرر؛ وهذه توقّفوا عنها بعد منشور الإمبراطور الذي يحرّم قيام اجتماعات في النّوادي".
 
وهكذا فإنّ إصرار الإنجيليّ يوحنّا على ذكر حضور يسوع بين التلاميذ المجتمعين مساء أحد القيامة وفي الأحد الذي يليه، إنّما هو تأكيد على حضور يسوع بين تلاميذه الملتئمين، في كلّ اجتماع إفخارستيّ إلى أن يأتي ثانية و"يسمع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السّيّئات إلى قيامة الدينونة".
 
ونحن اليوم نتهيّأ للاجتماع الإفخارستيّ بترنيم الأنتيفونات: "بشفاعات والدة الإله، يا مخلّص خلّصنا"، "خلّصنا يا ابن الله، يا من قام من بين الأموات، نحن المرتّلين لك: هلّلويا"، "يا كلمة الله الاِبن الوحيد ...؛  خلّصنا". ونرنّم بفرح وابتهاج بعد المناولة: "قد نظرنا النّور الحقيقيّ وأخذنا الرّوح السّماوي ووجدنا الإيمان الحقّ؛ فلنسجد للثالوث غير المنقسم، لأنّه خلّصنا".
 
وللأسف، كثيرًا ما يغفل المؤمنون عن حضور المسيح بينهم واجتماعهم إليه (épi to afto) في الاجتماع الإفخارستيّ، وقد استبدلوا عيشَ حضور المسيح القائم بينهم حضورًا حقيقيًّا، بحضوره بينهم رمزيًّا في الخبز والخمر قبل تقديسهما!!! وقد غذّت هذا الفهمَ الخاطئَ ممارسةٌ ليتورجيّةٌ متأخّرة، أضيفت إلى تفسير قديم، قضت بقسمة ترنيمة "أيّها الممثّلون الشيروبيم" إلى قسمين، والقيام بزياح القرابين عند ترنيم "إذ إنّنا مزمعون أن نستقبل ملك الكلّ". فأعطت تلك الممارسة الاِنطباعَ بأنّ مجيء المسيح ملك الكلّ إلينا هو مرتبط بزياح القرابين، وليس بحضوره معنا لنجتمع إليه ولنرفع باسمه ذبيحة التسبيح وقرباننا إلى الله الآب، فيحملها إلى العرش الإلهيّ، ويشفع بنا أمام أبيه ليتقبل بمسرّة ورضى ذبيحة تسبيحنا وقرابيننا، وليرسل روحه القدّوس علينا وعلى القرابين ليقدّسنا ويقدّسها.
 
أين نحن من المحبّة الأخويّة المعاشة التي تجعلنا نشعر بفرح لقائنا مع الإخوة ومع أخينا البكر يسوع، في حضرة الله أبينا؟ نحن مدعوّون للفرح إذ نرى الربّ يسوع في وسطنا في كلّ اجتماع إفخارستيّ، كما "فرح التلاميذ حين أبصروا الربّ". أنت مدعوّ لتسجد مع توما للمسيح الحاضر أمامك صارخًا إليه: "ربّي وإلهي". وردّد بفرح من كلّ كيانك بُشرى القدّيس سارافيم ساروفسكي: "يا لفرحي! المسيح قام".
 
 
العنف المنزليّ
 
ليس الغريب في المجتمعات أن يبرز العنف بين جدران المنازل التي تحتضن العائلات. فالنزعة الأنويّةُ موجودةٌ ومترسّخةٌ في أعماق النفس منذ خلقه وتشوّهت بعد سقوطها. والعنف ليس إلّا تعبيراً ملموساً عن مدى تسلّط الأنا في الإنسان إلى حدّ إلغاء الآخر معنويًّا او وجوديًّا.
 
العنف الزوجيّ ليس حكرًا على فئة أو شريحة من الناس، ليس مرتبطًا بالأنوثة أو بالذكورة، لا بالغنى أو الفقر، لا بالعرق أو السياسة، ولو كان يطغى على فئة أكثر من فئة. لأنّه بقدر ما يطال العنف المرأة في مكان ما، تراه يطال الرجل في مكان آخر، والأولاد يتلقّون اللطمات من كلّ الجهات.
 
ليس الغريب في مجتمعنا العربيّ، الذكوري (بين قوسَين)، أن يكون العنف الجسديّ أو النفسيّ الذي يُمارس على الآخر وسيلةً هدفُها  تملُّكُ كيانِ الآخر الأضعف. شريعة الغاب بكلّ وحشيّتِها لا تصل إلى ما تصل إليه وحشيّة الإنسان.
 
الإنسان يُساكن الآخر على أساس الوعد بالأمان والطمأنينة والسلام الذي يتوق أن يجده المرء تحت سقف بيته. الأولاد يبنون أحلامهم تحته وهم مغمورون بالحبّ والحنان. المنزل هو المكان الذي يجب أن  يتمّ فيه احتضان الكلّ، وأن يكون هو الملاذ الأمين و المريح ليلتجئ إليه المرء إذا عصفت رياح التجارب وهموم الدنيا والضيقات الآتية من العالم. المنزل يجب أن يكون الحضن الأبويّ والأحشاء الأنثويّة بآنٍ معًا.
 
ما هو ليس بغريب في الدنيا يجب أن ينتفي وجوده في العائلة المسيحيّة. لا يمكن أن يتواجد العنف، لا بل من غير المسموح أن يتواجد في المنازل المسيحيّة. كما لا يلتقي النور والظلام، المحبّة والكراهيّة كذلك من المستحيل أن يتواجد العنف بين من تعاهدُوا أمام الرّب بالتضحيّة والوفاء.
 
العنف لا يتجلّى بالضرب والأذيّة فقط، وإن كانت هذه دلائل صارخة عن مستوى القسوة والإذلال، لكنّه يظهر أيضًا بمستوى أعلى من الأذيّة البدنيّة ليطال النفس البشريّة، ليحطم نفسيًّا الشخص الآخر، فيطلب هذا الأخير الموت مئات المرّات عوض الاِستمرار تحت هذا الضغط غير المحتمل.
 
أليس من الصعب على الزوج (ة) أن يحيا تحت سقف البخل والقحط شبيهًا بالمتسوّلين، وهو في بيته؟ أليس من باب الدّعارة أن يكون الإكراه الجنسيّ هو السائد بين الزوجين؟ أوليس من ضرب الجنون أن يعيش الزوج(ة) أو الأولاد تحت خيمة من التهديد والوعيد الدائم؟ ألا تـترسّخ في أذهان الأطفال صورة مشوَّهة عن الحياة الزوجيّة ودور كلّ من الزَّوجين؟ ما لا يُقبل أن يُمارس بين الأمم هل نقبل أن يكون تحت سقف مَن يُردِّدُ بعزَّةٍ وعنفوان أنّه مسيحي؟
 
الاِرتباط في الكنيسة مثاله المسيح والكنيسة. عنوانه التضحية بالنفس من أجل الآخر وليس بالعكس. وهدف الزواج الاِرتقاء نحو الكمال وليس الاِنحدار إلى مستوى الحيوانيّة. وإن كانت للأمم قوانينها في الحفاظ على كينونة وديمومة حقّ الإنسان في الحياة، فكم بالحريّ على الكنيسة؟ العنف ضعفٌ للمُعَنِّفِ وَلِلمُعنَّف. كيف يُداوى؟ هل المحاكم تداوي أو تزيد الهوّة؟ هل القوانين تحفظ الحقّ أم تبدد الحبّ؟ هل يبقى شيءٌ من هذا الحبّ والاحترام أصلاً في أجواء كهذه؟ ما هو دور الكنيسة بكلَّ مؤسّساتها في هذا المجال؟ كيف تتمُّ التوعية في هذا المجال؟ وهل من الضرورة أن يُصار إلى إنشاء جمعيّة خاصة كنسيّة تُعنى بهذا الموضوع؟ من يهتم بالمُعنَّف؟ من يحتضنه إن كان الساكن المنزل هو الجاني؟ 
 
كُلُّ هذه الأسئلةِ، ونظائرُها، بحاجةٍ إلى إجابة.
 
 
أخبـــارنــــا
 
حاملات الطيب
 
ببركةِ صاحب السّيادة راعي الأبرشيّة وإذنِه، تحتفل جمعيّة حاملات الطّيب بعيدها السّنويّ، يوم الأحد الواقع في 4/5/2014، في دار حاملات الطّيب في ددّه، حيث تبدأ خدمة القدّاس الإلهيّ في تمام السّاعة التاسعة والنصف صباحاً. يلي القدّاس تقبُّل التّهاني.
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies