الكرمة - الأحد 14 نيسان 2013

 

الأحد 14 نيسان  2013
 العدد 15
الأحد الرَّابع من الصَّوم
اللَّحن الرابع      الإيوثينا الأولى
 
*14: (يوحنَّا السُّلَّميّ)، أريسترخس وبوذس وتروفيمس وهم من الرُّسل السَّبعين. *15:  الشَّهيد كريسكس * 16: الشَّهيدات أغابي وإيريني وشيونيَّة الأخوات العذارى، القديسة غاليني. * 17: الشهيد في الكهنة سمعان الفارسي ورفقته. *18: البار يوحنَّا تلميذ غريغوريوس البانياسي، خميس القانون الكبير*19: الشهيد في الكهنة بفنوتيوس، (المديح الكبير). *20: البار ثاوذوروس الشَّعريّ، أنستاسيوس بطريرك أنطاكية المعترف، زكّا العشَّار. * 
 
عطيَّةُ التَّمْييزِ عندِ الأَبِ الرُّوحِيِّ
 
تَمَيَّزَ الآباءُ الرُّوحيُّون، ومنهم القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ، بمواهب روحيَّة منها نعمة التَّمْييز (Diakrisis) والبصيرة الَّتي سنتكلَّم عنها اليوم. 
التَّمْييز هو نعمةٌ إلهيَّة تَمْنَحُ القدرةَ على الإدراك الحَدْسِيِّ لأسرارِ قلبِ الآخَر، لفَهْمِ الخفايا العميقَة فيه. الأبُ الرُّوحِيُّ يخترِقُ القشورَ والمواقِفَ التَّقْلِيدِيَّة وَيَعْبُرُ إلى حيثُ نُخْفِي شخصيَّتَنا الحقيقيَّة عن الآخَرِين وعن أنفسِنا، فيبدَأُ حينَئِذٍ بالتَّعامُلِ مع هذا الشَّخص الفريد الَّذي هو على صورةِ اللهِ ومثالِه. هذه القوَّة هي روحيَّة وليست نفسيَّة. فالبصيرَةُ ليست مجرَّد نوعٍ من الإدراك خارج الحواسّ أو إستبصار، بل هي ثمرة النِّعمة الَّتي هي نتيجة الصَّلاة المرَكَّزَة الحثيثة وجهاد التَّقَشُّف.
الأبُ الرُّوحِيّ يستخدِمُ كلمات قليلة وأحياناً لا يستعملُ الكلامَ البتَّة. ولكن، من خلال هذه الكلمات القليلَة ومن خلال صمتِهِ هو قادِرٌ على تغييرِ مسيرةِ هذا الإنسان. إستخدَمَ المسيحُ في بيت عنيا ثلاث كلمات: "لعازَر هَلُمَّ خارِجاً" (يوحنَّا ٤٣:١١)، وهذه الكلمات الثَّلاث كانت كافيةً لِتَرُدَّ الحياةَ للمَيْتِ. فَمِنَ المهمّ إعادة اكتشاف قوّة الكلمة، وهذا يعني إعادة اكتشاف طبيعة الصَّمْت. معظَمُ المعلِّمِين والدُّعاة يتكلَّمُون أكثرَ ممَّا ينبغي، أمَّا المعلِّمون الرُّوحِيُّون فيتميَّزُون بتقشِّفِ كلامِهِم.
إِنْ سأَلَ أحدُهُم الأبَ الرُّوحِيّ بدافِع الفُضُول فإنَّه
 
سيتلقَّى القليلَ من الفائِدَة، ولكن إذا كان يتقرَّبُ من الأبِ الرُّوحِيّ بإيمان مُتَّقِدٍ وعَطَشٍ شديد فالكلماتُ الَّتي سيسمعُها ستُحَوِّلُ كيانَه. الكلماتُ الَّتي يتفوَّهُ بها الأبُ الرُّوحِيُّ بمعظمِها بسيطة في التَّعبير اللَّفْظِيِّ وخالية من الحِيَلِ الأدبيَّة، فالَّذِين يسمعونَها بطريقةٍ سطحيَّةٍ تبدو لهم كلمات عاديَّة وساذَجَة.  
يركِّزُ الآباءُ الرُّوحِيُّون أيضاً على ممارسَة "الكشفِ عن الأَفكار" (Logismoi). فمع بداية نشأةِ الرَّهبَنَةِ في الشَّرق، كان يُطلَبَ من الرَّاهِب المبتَدِئ بأن يذهب يوميًّا إلى أبيه الرُّوحِيّ ليطرَحَ الأفكارَ الَّتي راودَتْهُ في اليوم. هذا الكشف عن الأفكار هو أكثر بكثير من مجرَّد اعتراف بالخطايا، كون الراهب المبتَدِئ يتكلَّم أيضاً عن تلك الأفكار والدَّوافِع الَّتي قد تبدو بريئة له ولكنَّ الأبَ الرُّوحِيّ يمكنُهُ أن يتبيَّنَ المخاطِرَ السِّرِّيَّة والعلامات الهامَّة. للإعترافِ أثرٌ رجعيٌّ في التَّعامُلِ مع الخطايا الَّتي حَصَلَت، كما أنَّ كشفَ الأفكارِ من ناحيةٍ أُخرَى هو وقايَة لأنَّه يطرَحُ عنَّا الأفكارَ الَّتي قد تؤدِّي بنا إلى الخطيئة، وبالتَّالي تقطَعُ سلطَةَ الأفكار الضَّارَّة. الغرضُ من هذا الكشفِ ليس ضمان الغفران من ذَنْبٍ ولكن معرفة النَّفس بحيث أنَّ كلَّ شخصٍ يرى نفسَهُ على ما هي عليه حقيقةً.
الأبُ الرُّوحِيُّ لا ينتظِرُ الابنَ الرُّوحِيَّ ليكشفَ عن نفسِه بل يُظهِرُ )أي الأبُ الرُّوحِيّ( له الأفكارَ المخبَّأَة في داخِلِه. عندما كان يأتي النَّاس إلى القدِّيس سيرافيم ساروفسكي، غالباً ما كان يجاوب على صعوباتهم قبل أن يطرحوا له أفكارَهُم. في عدَّة مناسبات كان الجواب لا صلَةَ له بالموضوع وحتَّى سخيف وغير مسؤول، فالقدِّيس عندما كان يجيبُ على السُّؤال لم يكن يجيبُ النَّاس على سؤالهم بل على السُّؤال الَّذي يجب أن يطرحوه على أنفسِهِم، وفي كلِّ هذا كان الرُّوح القدس هو الَّذي يُنيرُ القِدِّيس وهو الَّذي يُرشِدُهُ وليست خبرته الشَّخصيَّة.
 
 طروبارية القيامة  
باللحن الرابع
إنَّ تلميذات الرَّبّ تَعَلَّمْنَ من الملاك الكَرْزَ بالقيامةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القضاءَ الجَدِّيَّ، وخاطَبْنَ الرُّسُلَ مُفْتَخِرَاتٍ وقائِلات: سُبِيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
طروباريَّة القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ        باللَّحن الثَّامِن
 
للبرِّيَّة غَيرِ المُثمِرَة بمجاري دُموعِكَ أمْرَعْتَ، وبالتَّنَهُّدَاتِ الَّتي منَ الأعماق أَثْمَرْتَ بأتعابِكَ إلى مئةِ ضِعْفٍ، فَصِرتَ كَوكَبًا للمَسْكونَةِ مُتلألِئًا بالعجائِب يا أبانا البارَّ يوحنَّا. فتشفَّعْ إلى المسيحِ الإله في خلاصِ نفوسِنا.
 
القنداق     باللَّحن الثَّامن
إِنِّي أَنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أَكتُبُ لكِ راياتِ الغَلَبَة يا جُنديَّة محامِيَة، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكْرَ كَمُنْقِذَةٍ مِنَ الشَّدائِد. لكنْ، بما أَنَّ لكِ العِزَّةَ الَّتي لا تُحارَبِ، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدِائِد، حتَّى أَصرُخَ إِليكِ: إِفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.
 
الرسالة
عب 6: 13-20
 
الرَّبُّ يُعطِي قوّةً لشَعبْه  قدّموا للرّبّ يا أبناءَ الله
 
يا إخوةُ، إنَّ اللهَ لمَّا وَعَدَ إبراهيمَ، إذ لم يُمكِنْ أنْ يُقسِمَ بما هُوَ أعظَمُ منهُ، أقسَمَ بنفسِهِ قائلاً: لَأُبارِكَنَّكَ برَكَةً وأُكَثِّرنَّكَ تكثيراً. وذاكَ إذ تَأنَّى نالَ الموعِد. وإنّما النَّاسُ يُقسِمُونَ بما هُوَ أعظَمُ منهمُ، وتنْقَضِي كلُّ مُشاجَرَةٍ بينَهُم بالقَسَم للتَّثْبِيتِ. فَلِذلك، لمَّا شاءَ اللهُ أنْ يَزيدَ وَرَثَةَ الموعِد بَيَاناً لعدَمِ تَحوُّلِ عزْمِهِ، توسَّطَ بالقَسَمِ حتَّى نَحصُلَ، بأمْرَيْنِ لا يتحوَّلان ولا يُمْكِنُ أنْ يُخْلِفَ اللهُ فيهِما، على تعْزيَةٍ قويَّةٍ نحنُ الَّذين التجَأْنَا إلى التَّمَسُّكِ بالرَّجاءِ الموضوعِ أمامَنا، الَّذي هو لنا كَمِرسَاةٍ للنَّفْسِ أمينةٍ راسِخَةٍ تَدْخُلُ إلى داخِلِ الحِجابِ حيث دَخَلَ يسوعُ كسابقٍ لنا، وقَدْ صارَ على رُتبةِ مليكصادَق، رئيسَ كهنةٍ إلى الأبَدِ.
 
الإنجيل
مر 9: 17-31
 
في ذلك الزَّمان، دنا إلى يسوع إنسانٌ وسَجدَ له قائلاً: يا مُعَلِّمُ قد أتيْتُك بابْني بِه روحٌ ْأبْكَم، وحيثما أَخَذَهُ يصرَعُهُ فيُزْبِدُ ويصرفُ بأسنانِه وَيـَيْبَس. وقد سأَلْتُ تلاميذَكَ أن يُخرِجوهُ فلم يَقدِرُوا. فأجابَهُ قائلاً: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن، إلى متى أكونُ عِندَكُم، حتَّى متى أَحْتَمِلُكُم؟ هَلُمَّ بهِ إليَّ. فأَتوهُ بهِ. فلمَّا رآهُ للوَقتِ صَرَعَهُ الرُّوحُ فسَقَطَ على الأرض يَتَمَرَّغُ ويُزْبِدُ. فسألَ أباهُ: منذ كَمْ مِنَ الزَّمان أصابَهُ هذا؟ فقالَ: مُنذُ صِباهُ، وكثيراً ما ألقاهُ في النَّار وفي المياه ليُهلِكَهُ، لكنْ إنْ استَطَعْتَ شيئاً فَتَحَنَّنْ علينا وأَغِثْنَا. فقال لَهُ يسوعُ: إنْ استَطَعْتَ أنْ تُؤْمِنَ فكُلُّ شيءٍ مُستَطَاعٌ للمؤْمِن. فصاحَ أبو الصَّبِيّ مِنْ ساعَتِه بدموعٍ وقالَ: إنّي أُؤْمِنُ يا سيِّد، فأَغِثْ عَدَم إيماني.
فلمّا رأى يسوعُ أنَّ الجميعَ يتبادَرُون إليهِ انتهَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ قائلاً لَهُ: أَيُّها الرُّوحُ الأَبْكَمُ الأصَمُّ، أنا آمُرُكَ أنْ اخْرُجْ مِنهُ ولا تَعُدْ تَدخُل فيه، فصرَخَ وخبَطَهُ كثيراً وخرجَ مِنهُ فصارَ كالمَيْت، حتى قال كثيرون إنَّه قدْ ماتَ. فأَخَذَ يسوعُ بيدِه وأنهضَهُ فقام. ولما دخلَ بيتًا سألَهُ تلاميذُه على انفراد: لماذا لم نستَطِعْ نحن أنْ نخرجَه؟ فقال لهم: إنَّ هذا الجنسَ لا يُمْكِنُ أنْ يخرُجَ بشيءٍ إلاَّ بالصَّلاة والصَّوم. ولما خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِدْ أن يدريَ أحَدٌ، فإنَّه كان يُعَلِّمُ تلاميذَه ويقولُ لهم: إنَّ ابنَ البشرِ يُسَلَّمُ إلى أيدي النَّاس فيقتُلُونَهُ وبعد أَنْ يُقْتَلَ يقومُ في اليوم الثَّالِث.
 
أحد القدّيس يوحنّا السُّلَّميّ
 
تتَّجِهُ أَبصارُ الكنيسة الأرثوذكسيّة في الأحدِ الرَّابع من الصَّوم إلى ثمارِ الجِهاد الرُّوحِيّ وسيرَةِ الفضيلة الَّتي تجعَلُ من قلبِ الإنسانِ مَسْكَناً للخيرات الرُّوحِيّة ومحَلاًّ لمواهِب الرُّوح القُدُس. وهي في تعييدِها، هذا اليوم، لتَذْكَار القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ، تُبرِزُ لنا مِنهاجَ التَّوبَة الَّذي يَرقَى بالإنسان إلى السَّماء، واضِعَةً أمامَنا سيرةَ القِدِّيس وتعليمَه كمثالٍ حَيٍّ لعيش وصايا الإنجيل والنُّموِّ "في الحكمة والقامة والنِّعمة" (لوقا 2: 52).
وتقومُ طروحات القدِّيس يوحنَّا السُّلّميّ على لاهوتِنا الأرثوذكسيّ الّذي يُعَلِّمُنا أنَّ كلَّ توبةٍ هي "خروج" للإنسان من أرض الخطيئة، إلى مسيرة فصحيّة، ليَعْبُرَ، بواسطة الصَّوم، ميدانَ التَّنَقّي من كلّ أدرانِ الأنانيّة، والَّتي هي أساسٌ للشُّرور في النَّفس البشريّة. سائر الأهواء المُعابَة والشَّهوات الخاطِئة في الإنسان تنبعُ من "محبّة" أنانيّة قوامها الأخذ في كلِّ شيء لا العطاء. فالرَّذائِل تجِدُ مكْمَنًا في النَّفس الَّتي تحبّ ذاتَها، وتعشِّشُ فيها لتصير عادَةً، بل طَبْعًا ثانِيًا في الإنسان. ومهما حاول المرءُ أن يبدو على خُلُقٍ كريم، إلاّ أنَّه يقبَعُ في دائرة الأنانيّة الـمُغْلَقَة، ما لم يستَعْطِف، بالصَّوم والتَّضرُّع والاعتراف الصَّادِق، الرُّوحَ المعزّي.
آباؤنا القدِّيسون يؤكّدون أنّ إمكانيّة تَبَدُّلِ الإنسان، عبر منهجيّة التّوبة، هي في مُتَنَاوَلِ كلّ مؤمن بفضل قوّة الرّوح القدس وحضوره، الَّذي يفتقِدُ الإنسان ويعطيه شوقاً إلهيًّا والرَّجاء والاندفاع الضروريَّين من أجل المثابَرَة في الْتِماسِ رحمةِ الرَّبّ ووجهه الكريم. وحدها نعمة الرَّبّ، إذا أتت، تُـمَكِّنُ الإنسانَ الـمُقْعَدَ بضُعْفِ الخطيئة، من أن يحملَ سريرَه ويذهبَ إلى بيته. وهذا كثيراً ما يحصلُ في الكنيسة، لكن بخفرٍ وسُكُون، أي دون هتافات وإعلانات. يحصلُ سرِّيًّا في قلوبِ إخوةٍ لنا يتواضَعُون إلى الغاية أمامَ المسيح طبيب النفوس والأجساد وينهَلُون بوفْرَةٍ من فيضِ نوره.
الإنسانُ اليوم هو بأمسِّ الحاجة إلى منطِق "سُلّم السَّماء". كتابٌ كهذا يعلِّمُنا المواجَهَة الصَّادِقَة للنَّفس، ويشرحُ لنا العلّة الحقيقيّة لابتعادِنا عن غاية حياة الإنسان. والمسألة الأعمق أنّ الكنيسةَ توجِّهُنا، في هذا الأحد الرَّابع من الصَّوم، لتصير حياتنا اليوميّة، في حَلِّنَا وتَرحالِنا، في دراستِنا وعملِنا، وفي علاقاتنا الإجتماعيّة والعائليّة، سلَّمًا تصلُ الأرضَ بالسَّماء، وتشهَدُ، في زمنٍ تركَ فيه الأكثرون الإيمانَ والرَّجاء، أنّ القداسة مُـمْكِنَة في كلِّ عصرٍ ووقت، وأنّ في الكنيسة، بيننا اليوم، أُمَّهَات وآباء وموظّفين وطلابًا...، يحبّون المسيح، ويشهدون بعطاءٍ وتضحيةٍ وشفافية، أنّ ملكوت السَّماوات قريب.
 
"السُّلَّمُ إلى الله" منصوبٌ أبدًا
 
تذكِّرُنا الكنيسة المقدّسة في هذا الأحد الرّابع من الصّيام بالأب البارّ القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ. بعد أن قطعنا نصف الصّيام تضع الكنيسة أمامنا هذا القدِّيس النّاسك الكبير مِثالاً يبلُغُ إليه المؤمنُ إذا ما قضى حياتَه في جهاد الصّوم، وتواتُرِ الإبتهال وسلوك التَّوبة النَّصُوح المستمِرَّة. هذه المسيرة هي مسيرة القداسة، وهي تصل بصاحبها إلى الرّؤية الإلهيّة السّعيدة والظّفر بمعيّة الأبرار والقدِّيسين. لقد تمكّن أبونا البارّ يوحنَّا وصار قدّيسًا بعد زهده وتنسّكه، وهكذا يتمكّن كلّ مؤمن يسلك الطريقَ نفسَه أن يصير قدّيسًا. ألم يَدْعُ الكتابُ المقدّسُ المؤمنين في الكنائس "قدّيسين"؟ رجاؤنا، نحن الصّائمين، أن نتمثّل بالقدِّيس يوحنَّا السّلّميّ ونبلغ إلى ما بلغ من غبطة ورِفْعَة.
ويحمل قدّيسنا اليوم لقب "السّلّميّ" لأنّه خلَّفَ لنا مؤلَّفًا روحيًّا هامًّا هو كتاب "السّلّم إلى الله" أو "سلّم الفضائل". ويتحدّث هذا الكتاب عن الطّريق الّذي يسلكه المؤمن في توجّهه نحو ربّه، إنه مرقاة، إنه سُلَّم يصعد عليه. يرتقي من فضيلة ويكتسب نتيجة جهاد وسهر إلى فضيلة أخرى. إنّ سلوكَنا "الحياة في المسيح" جهاد موصول لا نهاية له، سُلَّمُها فضائل – درجات، وأعلى هذه الدّرجات التّواضع. وهذا المسرى، الإرتقاء، نعرف فيه وقوعًا وقيامًا. نكتسب فضيلة ونهجرها. نتوب فنعود إلى حيث وقعنا ونرتقي، ثم نهبط من جديد وهكذا نبقى مدى حياتنا الفانية هذه في عراك وحراك، ننتقل من نصر  إلى فشل، ومن جبّ الفشل نلتفت إلى فوق فنعلو بنعمة الله ومنه.
لا يتوهمنّ المؤمنُ أنّه، في هذه الدّنيا الزّائِلَة والفاسِدَة، يبلغ إلى قمّة السُّلَّم فيهنَأَ ويستريحَ إلى الأبد. "الحياة في المسيح" حربٌ لا منظورَة، لا نذوقُ فيها النَّصْرَ النّهائيّ ونحن على وجه هذه البسيطة. لا نبلغ إلى المرجوّ ونستريح إلاّ في الإنقضاء. وكذلك، لا يمكن أن نتصوّر جماعة في الكنيسة أو أفرادًا يهدأُون ويستَكِينُون. الحركةُ نحو الله لا تَعرِفُ هنا، ولن تَعْرِفَ، نهايةً وراحة. ومَن ينتظر ذلك ينتظر سرابًا. سُلَّمُنا إلى الله منصوبٌ أبدًا بين الأرض والسّماء، ولن يأتي يوم يبطل السُّلَّم منصوبًا.
         
كلمة صاحب السِّيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) 
في رسامة الأخ بارثينيوس شمَّاسًا إنجيليًّا
كفرحزير - 24 /3/2013
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، آمين. 
أيُّها الأحبّاء، اليوم أحدُ الأرثوذكسيّة وأحدُ تكريمِ الأيقونة. في إنجيل اليوم، الرَّبُّ يسوع يدعو فيلبُّسَ بعد أن دعا أندراوس وسمعانَ بطرس. فيلبُّسُ يدعو نثنائيلَ الَّذي ربما يكون برثلماوس. يقول فيلبُّس لنثنائيل: "قد وجدنا من كَتَبَ عنه موسى في النَّاموس والأنبياء، وهو يسوع بن يوسف الَّذي من النَّاصِرَة". أجابه نثنائيل: "أمِنَ النَّاصرة يمكن أن يكونَ شيءٌ صالحٌ ؟!"، أمِنْ بسكنتا "يمكن أن يكون شيءٌ صالحٌ"؟!، فقال له فيلبُّس هذه العبارة الحاسِمَة: "تعالَ وانظُر"، تعالَ وانظُر وتحقَّقْ بنفسِك.
أَنْطَلِقُ من هنا لكي أُكَلِّمَ أخانا الحبيب برثينيوس قائلاً له: كلامُكَ، تعليمُكَ، خدمتُكَ، كلُّ شيءٍ صادرٌ عنكَ، شاهِدٌ لإيمانك. في الأرثوذكسية، الإيمانُ القويم مرتَبِطٌ بالسُّلوك القويم. 
* *   *
وما تكون خدمةُ الشمَّاس؟ ليست هي في الثِّياب الجميلة، ولا في الصَّوت الرَّخيم، ولا في أداء الطّلبات "أيضاً وأيضاً بسلامٍ من الرَّبِّ نطلب". مقياسُها للنَّجاح، التَّضحيةُ تَشَبُّهاً بالمسيح. 
"تعالَ وانظُرْ". عليكَ أن تغسلَ أرجلَ النَّاس كما فعلَ الربُّ يسوع مع تلاميذه. لقد قالَ لهم بعد أن أتمَّ هذا العمل أثناء العشاء السِّرِّيّ: "إن كنتُ وأنا السَّيِّدُ والمعلِّمُ قد غسلتُ أرجلَكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسلَ بعضكم أرجلَ بعضٍ، لأنِّي أعطيتكم مثالاً". في كلِّ هذا يقلبُ المسيحُ كلَّ المفاهيمِ البشريَّة، بخاصّةٍ عندما يقول أيضاً: "من أرادَ أن يكون فيكم أوَّلاً فليكُن للكلِّ خادِماً، إنَّ ابنَ الإنسان – أي يسوع – لم يأتِ ليُخدَمَ بل ليَخدُمَ وليبذُلَ نفسَهُ فِديةً عن كثيرين" (متى 20: 26-28). 
هذا ينبغي أن ينطبِقَ على كلِّ خادِمٍ، إن كانَ مطراناً، كاهناً، شمَّاساً، أو أيَّ خادمٍ في الكنيسة، بل وأيضاً في الدَّولة وفي الإدارة.
* *   *
أيُّها الابن الحبيبُ برثينيوس، لقد اتَّخذْتَ اسمَ الشَّيخِ الرُّوحِيّ برثينيوس الَّذي تعرَّى من بهجةِ وملذَّاتِ هذه الدُّنيا، ليتكرَّسَ للرَّبِّ منذ حداثته، لذلك هذه الرُّتبة الَّتي تأخذها بنعمةِ الله، ليست للوجاهَة ولا للمركز. فيها – إن أردتَ أن تتقدَّس – تعبٌ كثير، لكن فيها أيضاً فرحُ العطاء، لأنَّ عظمةَ المسيحيِّ ليست في قوَّته وليست فقط في فكره وعقيدته وإيمانه، بل هي في خدمته، في عطائه المجَّانيّ.
إن سلكتَ على هذا النَّحو وجاهدتَ في كبحِ هجماتِ الأهواء، عن طريق الصَّلاة والصَّوم، وتسلَّحْتَ بكلمات الإنجيل، عندها تصبح حقيقةً تلميذاً للمسيح لا غشَّ فيه على مثال نثنائيل ويعقوب، فتُبصِرُ السَّماءَ مفتوحةً وملائكةُ الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان، عندها تصبحُ أيقونةً حيَّةً للمسيح، آمين.
 
أخبـــارنــــا
 
 سلسلة أحاديث روحيَّة في الأبرشية 
 
المحاضر عنوان المحاضرة التاريخ المكان السَّاعة
الأب منيف (حمصي) سلم الفضائل وحياتنا 14 نيسان سرجيوس وباخوس كوسبا 6,00مساءً
الأب نقولا (مالك) من تعاليم القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ 18 نيسان مار سمعان
فيع 6,30 مساءً
سيادة المطران أفرام (كرياكوس) التوبة 18 نيسان تجلِّي الرَّبّ شكا 6,00مساءً
الأسقف غطاس (هزيم) مثل الخادم العديم الشفقة 18 نيسان السَّيِّدَة بشمزين 6,00مساءً
الأب أثناسيوس (شهوان) العذراء في الإيقونة 19 نيسان قزما ودميانوس بطرام 6,00 مساءً
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies