الكرمة - الأحد 9 شباط 2020

 
الأحد 9 شباط 2020
العدد 6
 
أحد الفريسي والعشار
 
اللَّحن الأوّل -الإيوثينا الأولى
 
* 9: وداع عيد الدُّخول، الشَّهيد نيكيفوروس، * 10: الشَّهيد في الكهنة خارالمبوس، البار زينون، * 11: الشَّهيد في الكهنة فلاسيوس ورفقته، الملكة ثاوذورة، 12: ملاتيوس أسقف انطاكية، * 13: الرَّسولان برسكيلاَّ وأكيلاَّ، البار مرتينيانوس، * 14: البار أفكسنديوس، البار مارون النَّاسك، * 15: أونيسموس أحد الرُّسل السَّبعين، البار أفسابيوس.
 
 
مُحَرِّك النَّفْس
"لأنَّ كُلَّ من رَفعَ نَفسَهُ اتَّضَع، ومَن وَضَعَ نَفسَهُ ارتَفَع" (لوقا 18: 14)، آيةٌ تضعُنا أمام واقعٍ يفرض علينا أن نعرف معايير تقييم ومقاربة موضوع التّواضع، والمنظار الذي من خلاله نحكم على تصرّفاتنا عمليًّا، ومع الآخرين فكريًّا، ومع اللّه روحيًّا.
 
ليس التّواضعُ عقدةَ نقصٍ complexe d’infériorité، أو إمّحاءَ شخصيّة، أو غيابَ مكانةٍ إجتماعيّة، أو عدمَ معرفةٍ ناتجة عن جهلٍ فكريّ... التّواضع هو أوّلًا صفة السيّد القائِل "تعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَديعٌ ومُتَواضِعُ القلبِ فتَجِدُوا راحَةً لِنُفُوسِكُم" (متى 11: 29)، بالتّالي هو نفَسُ حياةٍ أبديّة، نأخذه لنَتنقّى من تلوّث بيئةٍ ماديّة ضاغِطة.
 
وأمّا التّكبّر فهو مختلفٌ عن جُنون العَظمة folie des grandeurs، المُتأتّي من سَكَر السُّلطَة، والوصوليّة، وإلغاء الآخرين... تكبُّر القلبِ يخدَع (عوبديا 1: 3، إرميا 49: 16)، لهذا يكون للمُتكبِّر كيانٌ مستقلّ عن الكائن، وقفةُ مقارنةٍ "فوقيّة" مع اللّه ومع القريب،

وهمٌ بامكانيّة الاستقلال عنهما، والاكتفاء بالذّات. التّكبُّر هو تأليه الأنا.
 
"لأنَّكُم بدوني لا تَقدِرُونَ أن تفعَلُوا شيئاً" (يوحنا 15: 5)، لهذا نفهم أنّ التّواضعَ إنّما هو دعوةُ اللّهِ كي يَضبُط كلَّ حياتنا، هو استدعاءٌ لملكوت الآب السّماويّ ومشيئَته؛ هو إدراكٌ بنقصٍ روحيّ أمام كمالٍ إلهيّ.
 
التّواضع هو مفتاح التّوبة، لأنّ التّخشّع يفتح القلب وبه يَدخلُ الإنسان إلى حقيقته المُجرّدة، فيُدخِل اللّهَ ليُنقّيه من رجاسة الأهواء، ويُقوّي ضعفاته للقداسة. "القَلبُ الخاشِع والمُتواضع لا يَرذُلُه اللّه" (مزمور 50: 17)، بل فيه يستقرّ ويستَريح.
 
فكما أنّ التّكبّر هو سبب المعصية والسّقوط، كذلك التّواضع هو طريق التّوبة والخلاص: به ننتقل من الأمور الدّنيويّة إلى السّماويّة، من الجسد إلى الرّوح، من المنظور إلى حضرة الآب.
 
التّواضع يُعيد لنا الصّورة الحقيقيّة التي خُلقنا على أساسها، نتألّه بالنّعمة الإلهيّة، وليس بالمشيئة الذّاتيّة.
 
طروباريّة القيامة باللّحن الأوّل
 
إن الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدك الطاهر حُفِظَ من الجند، قمت في اليوم الثّالث أيّها المخلِّص، مانحاً العالم الحياة. لذلك، قوّات السّماوات هتفوا اليك يا واهب الحياة: المجد لقيامتك أيّها المسيح، المجد لملكك، المجد لتدبيرك يا محبّ البشر وحدك.
 
طروبارية دخول السيّد إلى الهيكل باللّحن الأول
 
إفرحي يا والدة الإله العذراء الممتلئة نعمةً، لأنّ منكِ أشرقَ شمسُ العدل المسيحُ إلهنا، منيراً الّذين في الظّلام. سُرَّ وابتهج أنت أيّها الشّيخ الصدِّيق، حاملاً على ذراعيكَ المعتقَ نفوسنا، والمانح لنا القيامة.
 
قنداق دخول السيّد إلى الهيكل باللّحن الأول
 
يا من بمولدِك أيّها المسيحُ الإلهُ للمستودعِ البتوليِّ قدَّست، وليدَي سمعانَ كما لاق باركْتَ، ولنا الآن أدركتَ وخلَّصْتَ، إحفظ رعيتك بسلام في الحروب، وأيِّدِ المؤمنين الذين أحببْتَهم، بما أنّك وحدك محبٌّ للبشر.
 
الرِّسَالة
2 تيمو 3: 10-15
 
صَلُوا وَأوْفوا الربَّ إلهَنا اللهُ مَعْروفٌ في أرضِ يهوَذا
 
يا ولدي تيموثاوس، إنّك قد استقرأتَ تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبّتي وصبري واضطهاداتي وآلامي، وما أصابني في إنطاكية وإيقونية ولِسترة، وأيّة اضطهاداتٍ احتملتُ، وقد أنقذني الرّبُّ مِن جميعها. وجميعُ الّذين يريدون أن يعيشوا بالتّقوى في المسيح يسوعَ يُضطَّهَدون. أمّا الأشرارُ والمغوِونَ من النّاس فيزدادون شرًّا مُضلِّين وضالّين. فاستمِرَّ أنتَ على ما تعلَّمتَه وأيقنتَ به، مِمَّن تعلَّمتَ، وأنَّكَ منذ الطُّفوليّةِ تعرف الكتبَ المقدّسة القادرةَ أن تصيّرَك حكيمًا للخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع.
 
الإنجيل
لو 18: 10-14
 
قال الربُّ هذا المَثَل: إنسانانِ صعِدا إلى الهيكلِ ليُصلِّيا، أحدُهما فرّيسيٌّ والآخَرُ عشّار. فكان الفرّيسيُّ واقفًا يصلّي في نفسه هكذا: أللهم إنّي أشكرك لأنّي لستُ كسائر النّاس الخَطَفَةِ الظّالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشّار. فإني أصومُ في الأسبوع مرّتين وأعشّر كلّ ما هو لي. أمّا العشّار فوقف عن بُعدٍ ولم يُرِدْ أن يرفع عينيه إلى السّماء، بل كان يَقرَعُ صدرَه قائلاً: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ". أقولُ لكم إنّ هذا نزل إلى بيته مبَرَّرًا دون ذاك، لأنّ كلَّ من رفع نفسه اتّضع، ومن وضع نفسه ارتفع.
 
في الإنجيل
 
إختار الرّب يسوع في مثل هذا اليوم رجلَين على طرفَي نقيض: الأوّل فَرّيسيّ مثال في المحافظة على الشّريعة والعشّار الموظّف لدى الرّومان المحتَلّين، المنجَّسين حسب الشّريعة.
 
الأوّل رمز الإنسان الصّالح الذي لا عيب فيه. والثّاني هو الخائن والخاطىء. وبالتّالي إن أردتَ أن تمتدح أحدًا فتشبِّهه بالفرّيسيّ والعكس صحيح.
 
أمّا عند الرّب يسوع فحدث العكس. فمن بعد الصّلاة التي تلاها كلٌّ من هذين الرّجلَين أوضح الرّب يسوع أنَّ العشّار هو مَن ذهب إلى بيته مسامَحًا عن كلِّ ما فعل. موضحًا أنَّ السّبب هو: "التّواضع".
من الصّعب على الإنسان، أيّ إنسان، أن يتقبّل هذا التّعليم؛ متسائلاً: كلُّ أفعال الفرّيسيّ الصّالحة هل ذهبت عبثًا؟ وهل بُرِّرَ العشّار عن كلّ أعماله الشّريرة!
 
يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم:" الّذي يباهي بأعماله كمن يضع جواهره في السّوق جهارًا، فيجلب نظر الأشرار إليها. أمّا إذا جمعها وخبّأها في بيته فيحفظها دون خوفٍ عليها. وهكذا إذ بقينا نردِّدُ في ذاكرتنا أعمالنا الصّالحة، نجلب غضب الله علينا، ونجعلها سلاحًا في يدَي عدوِّنا القديم، ونثيره عليها حتى يختلسها. أمّا إذا لم يرها أحد سوى مَن يجب أن يعلمها، فتبقى محفوظةً بعيدةً عن المخاطر. فلا نفاخرنَّ بأعمال البِّر كي لا تُسلَب منّا كما حصل مع الفرّيسيّ".
 
في سرّ التّوبة والتّواضع
 
ألا ما أجمل أن يتوجّع الإنسان عن خطاياه، ويذرف دمعه مدراراً من أجل كسب قلب الله ومحبّته.
 
إنّ الخطايا تبعدنا عن الله، وتسبّب لنا الآلام النّفسيّة والرّوحيّة، وما دموع التّوبة المرفقة بالتّواضع إلا السّبيل لنيل المعموديّة والتّطهّر منها.
إنّ الخطيئة متغلغلة بطبيعتنا الفاسدة والبهيميّة، وتدرجنا الى القعر، وتُفقد مصالحتنا وعلاقتنا بالرّب فتجعلنا نعيش في ظلمة داكنة بعيدًا عن النّور الإلهيّ، وتجلب إلينا اليأس والقنوط مشرذمة علاقتنا مع الآخرين والأهمّمع الله.
 
ليس هناك من دواء نافع لمثل هذه الحالة سوى المصالحة مع الله، وذلك من خلال معموديّة التّوبة بكلّ تواضع متشبّهين بالعشّار الذي لم يجرؤعلى النّظر الى فوق متّخذًا لنفسه المقعد الأخير، وغير المميّز لكي يناجي الرّب ويطلب المغفرة لخطاياه.
 
ما أجمل وأروع هذا الموقف المتواضع الذي ما هو الا السّبيل الأسرع الى قلب الله ورحمته، إنّ الله يحبُّ التّائب والمتواضع ويرفعه برحمته مكافئًاايّاه وغافرًا خطاياه.
 
يصاب الإنسان بأسواءَ كثيرةٍ على الصّعيد الجسديّ والنّفسيّ والرّوحيّ يرزح تحت ثقلها ويصعب عليه احتمالها متعرّضًا مثلاً للافتراءات والكذب والمؤامرات والأمراض الجسديّة والنّفسيّة وأيّ سوء آخر قد يصيبهالا أنّه لا يستطيع أن يحتملها ويجني الثّمار الحسنة منها إلا اذا إستعمل المنافع الرّوحيّة كالصّبر المقرون بالتّوبة والتّواضع لتساعده في العبور بين فخاخ الشّرير دون أن يتضرّر روحيًّا ومن أجل نيل الأكاليل التي تؤهّله لكسب الفرح الإلهيّ وجني الكنوز في ملكوت الله آمين.
 
شذرات من الصّوم
 
إنّ الفضيلة لا تستقيم الا بالنُّسك، لأنَّ النُّسك يَلجم الشَّهوات. والطّعام لا ينفع الجاهل، هكذا قال سليمان الحكيم. "لا تهتمّوا لأجسادكم بما تأكلون"هكذا قال السّيد أيضًا".
 
والفضيلة دومًا مقرونة بالنُّسك والصّوم. فموسى صام أربعين يومًا ثمَّ صعد الى السَّماء وتكلَّم مع الرَّب... ودانيال صام واحدًا وعشرين يومًا ثمّ صار في الرّؤيا... والفتية الثّلاثة لم تؤذهم نار الأتّون المحيي بسبب صومهم وصلاتهم... ويوحنّا المعمدان أقام حياته كلّها في تقشّف وزهد، وأعلن الرّب للعالم نوعَ غذائه ولباسه. وهذا كان يخفيه للنّاس، ليكون لنا منه عظة.
 
ولست أعني بالصّوم تركَ الطّعام الضّروريّ لأنّ هذا يؤدّي الى الموت. ولكن أعني المأكل الذي يجلب لنا اللذة ويسبّب تمرُّد الجسد.
 
قد تكون هناك أشياءُ كثيرة لا خطيئة فيها، ومع ذلك يجب ان نتنسّك عنها إذا كان في ذلك ربح لنا وللآخرين. "إنكان الطّعام يشكِّكُ أخي فلن آكلَ اللّحم الى الأبد". (1كور :8) "حسنٌأن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا أو شيئًا يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف" (رو 14: 21).
 
الصّائم الحقيقيّ هو الّذي يتغرَّبُ عن كل الآلام الجسديّة وحتّى الطّبيعيّة.
للأب متّى المسكين
 
القدّيس الشَّهيد في الكَهنة خرالمبوس
(استُشهِدَ على عهد الأمبراطور سبتيموس ساويروس، مطلع القرن الثّالث)
 
كان خرالَمبوس كاهنَ مدينة مغنيزية القريبة من أفسس، حيث خَدَمَ لسنواتٍ طويلة. وإذ اندلعت على المسيحيّين موجةٌ من الاضطهاد، اتُّهِمَ خرالمبوس بإثارة الشَّغَب، واعتُبِر خَطراً على أمن الدّولة، فتمّ القبض عليه وَسِيقَ إلى لُقيانوس حاكم مدينة مغنيزية. فهدّده الوالي بأشدّ العقوبات، فأجاب: أنتَ لا تعرفُ ما هو نافعٌ لي، لذا أقول لك، ليس أطيبَ على قلبي من مُكابدةِ العذابات لأجل المسيح. فأنزِلْ بجسدي الهَرِمِ هذا، وبأسرع ما يكون، أيّاً تشأ من العذابات التي تحسبها مستحيلةَ الحمل، لتعلمَ قدرةَ مسيحي التي لا تُقهر.
 
فجرّدوه من ثيابه، ومزّقوا جسده بمخالب حديديّة، فلم تخرج منه أنَّةٌ واحدة، بل قال: "أشكركم يا إخوتي لأنّكم بتمزيقكم جسدي الهَرِم تُجدّدونَ روحي وتُعِدُّونها للطّوبى". أَذاقوه من التّعذيبِ ألواناً شتّى، فكانت كأنّها تنزل بغيرِ جسده. أخيراً قُطعَ رأسُه.
 
جُمجُمتُه محفوظةٌ اليوم في دير القدّيس استفانوس في المتيورة (meteora) في اليونان، فيما بقيّة أعضائه موزّعة في أماكن عدّة، في جبل آثوس وفلسطين وقبرص وكريت وتركيا.
 
تُنسَبُ إليه عجائبُ عديدة، لا سيّما في أثناء تعذيبِه. وَقد وَرَد أنّ الحاكم (لوقيانوس)، إثْر استِشهاد خرالمبوس، اهتدى مع اثنَين من جَلاّدِيه (برفيريوس وبابتوس)، وابنة الأمبراطور (غالينة) وثلاث نساء من عامّة الشّعب. كما وَرَدَ أنّ غالينة ابنة الأمبراطور هي الّتي تولَّت دفنَه.
 
استُشهِدَ خرالمبوس في سنٍّ متقدِّمةٍ جِدّاً، حتّى لا يبدو في التّاريخ أنّ أحداً من الشُّهداءِ عمَّر بِمقدارِ ما عمّر هو.
 
فبشفاعة قدّيسِك خرالَمبوس، أيّها المسيحُ إلهُنا ارحَمنا وخلِّصنا. آمين.
 
 
 
 
 

 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies