الكرمة - الأحد 2 شباط 2020

 
الأحد 2 شباط 2020
 العدد 5
دخول ربّنا يسوع المسيح الى الهيكل
اللحن الثامن، الإيوثينا الحادي عشرة
 
3: سمعان الشَّيخ ، حنَّة النبيَّة، 4: البارّ إيسيذوروس الفرمي، 5: الشهيدة أغاثي، 6: الشَّهيد اليان الحمصي، بوكولوس أسقف إزمير، فوتيوس بطريرك القسطنطينيَّة، 7: برثانيوس أسقف لمبساكا، البارّ لوقا، 8: ثاوذوروس قائد الجيش، النبي زخريَّا.
 
دخول السيّد إلى الهيكل
أربعين يوماً بعد ولادة يسوع، يأتي الى الهيكل ليُتمّ أحكامَ الناموس، أحكامَ شريعة العهد القديم.
 
لكنّه بعد هذا نعلم أنّ الربّ أسقط في العهد الجديد الختان مستبدلاً إيّاه بالمعموديّة المقدّسة، كما أبطل الذبائح الدمويّة وأبدلها بالذبيحة الإلهيّة غير الدمويّة أي القدّاس الإلهيّ. يفسّر القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو 397 + رمز الذبائح التي قدّمها يوسف ومريم كالتالي: تشير اليمامة إلى العفّة والحمام إلى النعمة.
 
يمثّل سمعان الشيخ وحنّة النبيّة الجنسَ البشريّ الذي تعب منتظراً مجيء المخلّص: "الآن أطلق عبدك أيّها السيّد حسب قولك بسلام، لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددتَه أمام كلّ الشعوب نوراً لاستعلان الأمم ومجداً لشعبك إسرائيل" (لوقا 2: 29-32). "شخص المسيح هو الخلاص" يقول القدّيس باسيليوس الكبير.
 
الابن هو النور الحقيقيّ الذي أشرق على الواقعين في الظلمة وظلال الموت. أمّا العبارة التي تفوّه بها سمعان الشيخ: "ها إنّ هذا قد جُعل لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل وهدفاً للخالفة. وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيفٌ لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة" (لوقا 2: 34- 35)، هذا كلّه يشير إلى سقوط اليهود غير المؤمنين بالمسيح والعديد من الأمم الأخرى. يقول القدّيس يوحنّا الدمشقيّ: "لقد نجت مريم من أوجاع الولادة لكنّها احتملتها وقت الآلام، آلامِ الذي عرفته إلهاً عند البشارة والولادة، وفوجئت برؤيته مرفوعًا على خشبة الصليب، ففعلت بها هذه الأفكار كالسيف، لكنّ فرح القيامة قد بدّد الحزنَ كلّه في الخلاصة نقول إنّنا نرى في هذا العيد الطفلَ يسوع كما رآه يوسف، مريم، سمعان الشيخ وحنّة النبيّة. نراه الربَّ الآتي لخلاصنا، هو الذي حملنا على صليبه ورفعنا إلى المجد.
 
                                                                                          + أفرام
                                                                             مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
طروبارية القيامة باللحن الثامن
إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامَتنا، يا ربّ المجد لك.
 
طروبارية دخول السيد إلى الهيكل باللحن الأول
افرحي يا والدة الإله العذراء الممتلئة نعمةً، لأنّه منك أشرقَ شمسُ العدل المسيح إلهنا، منيراً الذينَ في الظلام. سرَّ وابتهج أنت أيّها الشيخ الصدّيق، حاملاً على ذراعيكَ المعتق نفوسنا، والمانح إيانا القيامة.
 
قنداق دخول السيد إلى الهيكل باللحن الأول
يا مَن بمولدِكَ أيّها المسيحُ الإلهُ للمستودع البتوليّ قدَّسْتَ، ولِيَدَيْ سمعان كما لاقَ باركْتَ، ولنا الآن أدركْتَ وخلَّصْتَ، إحفظ رعيَّتَكَ بسلامٍ في الحروب، وأيِّد المؤمنينَ الذين أحبَبْتهم، بما أنّكَ وحدَكَ محبٌّ للبشر.
 
الرسالة: عب: 7: 7-17
يا إخوةُ، إنَّهُ ممَّا لا خِلافَ فيهِ إنَّ الأصغرَ يأخُذُ البركَةَ من الأكبر، وههنا إنَّما يأخُذُ العشورَ أُناسٌ يَموتون. فأمَّا هناكَ فالمشهودُ لهُ بأنَّهُ حيٌّ، فيسوغُ أن يُقالَ إنَّ لاويَ نفسَهُ الذي يأخُذُ العشورَ قد أدَّى العشورَ بابراهيم لأنَّهُ كانَ في صُلبِ أبيهِ حينَ التقاهُ ملكِيصادق، ولو كانَ بالكهنوتِ اللاويّ كمالٌ (فإنَّ الشعبَ عليهِ قد أخذَ الناموس) إذنْ أيَّةُ حاجةٍ كانت بعدُ أن يقومَ كاهنٌ آخرُ على رتبةِ ملكيصادق. ولم يُقَلْ على رتبَةِ هرون لأنَّهُ متى تَحوَّل الكهنوتُ فلا بدَّ من تَحوُّل الناموس أيضاً. والحالُ إنَّ الذي يُقالُ هذا فيهِ إنَّما كانَ مشتركاً في سبطٍ آخرَ لم يلازمْ أحدٌ منهُ المذبح لأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ ربَّنا طلَعَ من يهوذا من السبطِ الذي لم يتكلمْ عنهُ موسى بشيء من جهةِ الكهنوت. وممَّا يزيدُ الأمرَ وضوحاً إنَّهُ يقوم على مثالِ ملكيصادقَ كاهنٌ آخرُ غيرُ منصوبٍ حسَبَ ناموس وصيّةٍ جسَديّةٍ بل حسَبَ قوَّة حياةٍ لا تزول، لأنَّهُ يشهَدُ أنْ أنتَ كاهنٌ إلى الأبدِ على رتبَة ملكيصادق.
 
الإنجيل: لو 2: 22-40
في ذلك الزمان صعِد بالطفل يسوعَ أبَواهُ إلى أورُشليم ليَقدِّماهُ للربّ. (على حسب ما هو مكتوبٌ في ناموس الربّ مِنْ أنَّ كلَّ ذكَر فاتِحةِ رَحمٍ يُدعى قُدُّوساً للربّ)، وليقرِّبا ذبيحةً على حسب ما قيل في ناموس الربّ زوجَ يمامٍ او فرخَيْ حمامٍ، وكان إنسانٌ في أورُشليم اسمُهُ سِمعانُ وكان هذا الإنسان بارًّا تقيّاً ينتظِرُ تعزيةَ اسرائيلَ، والروحُ القدس كان عليهِ، وكان قد أُوحي إليهِ من الروحِ القدس أنَّهُ لا يرى الموتَ قبل أن يعاينَ مسيح الربّ، فأقبل بالروح إلى الهيكل وعندما دخل بالطفلِ يسوعَ أبَواهُ ليصنعا لهُ بحسب عادة الناموس اقَتَبَلهُ هو على ذراعَيْهِ وبارك الله وقال: "الآنَ تُطلِقُ عبدَك أيُّها السيّد على حسب قولك بسلامٍ، فانَّ عينيَّ قد أبصرتا خلاصَك الذي أعددتَهُ أمام وجوهِ جميع الشعوب نورَ إعلانٍ للأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل. وكان يوسف وأمُّهُ يتعجبان ممّا يُقال فيهِ. وباركَهما سمعانُ وقال لمريمَ أُمّهِ: "ها إنَّ هذا قد جُعل لسقوطِ وقيامِ كثيرين في إسرائيل وهدَفًا للمخالفة (وأنتِ سيجوز سيفٌ في نفسكِ) لكي تكُشَف أفكارٌ عن قلوبٍ كثيرة وكانت أيضاً حنَّة النبيَّة ابنة فنوئيلَ من سبط أشير هذه كانت قد تقدَّمت في الأيَّام كثيراً وكانت قد عاشت معَ رَجُلها سبعَ سنين بعد بكوريَّتها، ولها أرملةً نحوُ أربعٍ وثمانين سنةً لا تُفارق الهيكل مُتعبّدةً بالأصوام والطلبات ليلاً ونهاراً. فهذه قد حضرت في تلك الساعةِ تشكر الربَّ وتحدّث عنهُ كلَّ مَن كانَ ينتظر فداءً في أورشليم. ولمَّا أتمٌّوا كلَّ شيءٍ على حسب ناموس الربّ رجَعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة. وكان الصبيُّ ينمو ويتقوَّى ممتلئاً حكمةً وكانت نعمة الله عليهِ.
 
في الإنجيل
أيضًا وأيضًا تعود بنا الكنيسة المقدّسة إلى طفولة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح.  فبعد أربعين يوماً من ميلاده جئنا نحتفل معًا بعيد دخوله إلى الهيكل لتقول لنا الكنيسة إنّ معطي الشريعة قد تمّمها ولم ينقضها.
 
في بداية النص الإنجيليّ نرى أنّ العذراء ويوسف أيضًا قد أتمّا ما كان يفرضه الناموس في ذلك الوقت، صحيح أنّ هذا كان واجبًا عليهما، لكن لمحبّتهما لله صنعا ذلك، فأطاعا الله من خلال الشريعة.
 
في طاعة الشريعة، أي طاعة الله، تنزل نعمة الله على الإنسان فيمتلئ من روح الله سلاماً ومحبّة وتقديساً.
 
لو تأمّلنا أكثر في عمق هذا الحدث لوجدنا أنّ نعمة الله هي التي تعمل في الإنسان ومع الإنسان إذاً سمحنا لها بذلك ولكن كيف؟ فلننظر إلى سمعان الشيخ الذي كان يعيش بتقى الله منتظراً قدوم المسيح ليخلّصه. لقد أفرغ ذاته بنعمة الله من الهوى المفسِد النفس (الكبرياء والغضب..) فامتلأ من روح الله الذي قاده إلى هيكل الربّ ليستقبل المخلّص ويبارك الله فيه، فأنشد تلك الصلاة التي نردّدها يوميّاً في المساء (الآن تطلق عبدك) وهكذا نغدو يوميّاً مثل سمعان الشيخ لا منتظرين فقط خلاص الربّ بل معاينينه أيضًا بالبرّ والتقوى.
 
وأكثر من ذلك نجد مثالاً آخر وهو حنّة النبيّة الشيخة وهي عابدة للربّ بالأصوام والصلوات رغم سنّها المتقدّم. فقد أُهّلت لأن تعاين هذا الخلاص الذي تمّ الآن بمجيء المسيح، وهكذا غَدت بنعمة الله رسولة ومبشّرة بفداء الربّ للبشر.
 
لقد حافظت الكنيسة على هذه الخدمة (دخول المولود مع أمّه الى الكنيسة في اليوم الأربعين لولادته) وأعطت هذه الخدمة طابعاً تقديسيّاً لحياة الطفل وأمّه. فلا نستخفّ بما تحمله هذه الخدمة من نِعم لأولادنا ولنكن مثل يوسف والعذراء مطيعين لله بإيمان ومثل سمعان الشيخ حارّين في الروح، ومثل حنّة النبيّة متعبدين لله بحُبّ وشوق فندرك خلاص الله ونودعه حياتنا كلّها كما نقول في صلواتنا. آمين.
 
حرّيّة أبناء الله
الحريّة المسيحيّة هي بكلّ بساطة، "حرّيّة أبناء الله"، بمعنى: هي اتّباع يسوع وسماع ندائه في أنّه هو ذاته: الحقّ والحياة والحريّة، وقالها يسوع أيضاً: الحقّ سيُحرّركم. وبما أنّ الحقّ ليس قضيّة نظريّة ما ورائيّة فلسفيّة، بل هو شخص حيّ، فيسوع هو الحقّ المُحرّر.
 
نحن مدعوّون للحريّة الحقيقيّة، حريّة المسيح. لكن، عالمنا الحاضر بكلّ صراعاته وحروبه وآهاته ومشاكله، وشكله القبيح والشرّير، أعطانا صورة مشوّهة عن الحريّة بعكسها: ألا وهي "التسيّب، الجحود، الإباحيّة".
 
الحريّة في الفكر المسيحيّ، هي أن أعيش بحسب نظام موضوع بعناية بعدَ أن عاش الخبرة والتجربة والعمق في الحياة. وهذا النظام هو نظامٌ إلهيّ- إنسانيّ، في ذات الوقت، وهو شخص يسوع المسيح، هي أن أكون سائراً بحسب منطق وفلسفة المسيح. والمنطق أو الفلسفة، ليسا منطق وفلسفة العالم الذي هو تفلسُف وفوضى من دون أيّ رادعٍ أو قانون أو شريعة إلهيّة، بل يسيرُ بحسب أهواء العالم وهلوساته وأوهامه، وهذا يجلبُ للحريّة المرض، فتصبحُ حريّة" فوضويّة غير مفهومة"، أو "عرجاء". 
 
حريّة تسيرُ بـ "نصف عين"، حريّة عوراء حريّة لا تبالي بالآخرين، سوى ذاتها وملذّاتها. فبينما حريّة المسيح الحقيقيّة هي حريّة الحبّ والخير والفرح والمسؤوليّة والرحمة، نرى في الطرف العالميّ الآخر، حريّة المزاج، الفوضى، والظلم، والظلام، والتسيّب والانفلات وفي كثير من الأحيان، عدم الرحمة.
 
الحريّة، هي "عيش الإنجيل" عيش الإنجيل هو اختيار المسيح مربّيا للحريّة" فالإنجيلُ مقياسي إذن، وهو مقياس الحريّة. ولا يمكنني، في غفلةٍ من الفكر والتأمّل بالعالم، أن أجري مقارنة بين الحريّة العالميّة (بحسب العالم) والحرية المسيحيّة، وأقولُ: إنّ الحريّة العالميّة ربّما هي الحريّة الحقيقيّة، وربّما الحريّة المسيحيّة فيها مبالغات كثيرة وأوهام (ومَن قال لنا ذلك...

ومن يكشف لي الحقيقة... أو ربّما يكون ذلك صحيحاً... الخ). فليس المقياسُ قائمة تعليمات ونصائح وإرشادات ووصايا جامدة، بل المقياسُ هو "يسوع" فقط لا غير.
 
وحياته وأعماله وأقواله، هي ذات كيانه، فلا انفصالَ بين كيانه ورسالته. فهو والكيانُ واحدٌ. لأنّه كيانٌ متجسّد في الحياة اليوميّة، وهو كيانٌ ناطق حيّ عامل.
 
فلا يمكن أن أعرف الحرّيّة المسيحيّة إلّا من يسوع ومن بشارته وكيفيّة عيشه الحياة اليوميّة وسماع أقواله، وتعاليمه، وتعاليم آباء كنيسته. أن أميّز بين الصحيح والخاطئ من خلال الإنجيل والتعليم الآبائي المسيحيّ الموحى به من قبل الروح القدس، الذي هو روح الحبّ والحريّة وليس وهمّا أو سراباً أو هواءً فقط، كما يظنّ بعض المتفذلكينَ العالميّين!
 
فلا يمكن أبداً أن أفسّر وأشرح معنى حرّيّتي المسيحيّة لآخرين، لأنّ هذا الأمر لا يمكن، بل مستحيل! الحرّيّة المسيحيّة هي عيش المسيح، عيشُ التعليم، عيش التطويبات، عيش الرحمة المسيحيّة، والمحبّة المسيحية، إنّها "خبرة= محنة- جهد". وتجاوباً مع إرادة الله وتحقيقاً لها، أن اقبلَ ما أعطاني ايّاه المسيح في انجيله ومن خلال رسله وكنيسته. 
 
أن أتّحدَ بإرادة الله هو، كما قالَ يسوع المسيح، أن أكون ملتصقاً بالآب السماويّ وأكونَ ابناً له، وأدعوه "أبي"، وأسيرَ بحسب منطقه ومقياسه، "طعامي أن أعمل مشيئة الآب.." يقولُ الربّ. ليست الإرادة الإلهيّة قوّة تنزل من فوق رأس يسوع، ولا من فوق رأسنا أيضًا، بل هي "الطعام لنا".

أن نكون نحنُ أبناء الله، اي أن نكون نحن إرادته في العالم. وهذه مسؤوليّة كبيرة جدّاً، وضعها يسوع الابن الأكبر لنا (وربما هذه النقطة بالذات، هي ما يدعونا إليها يسوع ونحنُ غافلون عنها، أو إلى الآن لم نستوعبها!).
 
وعلينا، إن أردنا ان نستوعبَ مشيئة الله والحريّة، أن نتّحد بها ونلتصق ونترك أمورًا كثيرة في العالم معقّدة ومريضة ومُشتّتة لفكرنا.




 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies