الكرمة - الأحد 5 تشرين الثّاني 2017

 
 
 
الأحد 5 تشرين الثّاني 2017
العدد 45
 
الأحد 22 بعد العنصرة
 
اللَّحن الخامس الإيوثينا الحادية عشرة
 
 
* الشّهيدان غالكتيون وزوجته أبيستيمي، أرماس ورفقته، * 6: بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيّة
* 7: الشُّهداء الـ 33 المستشهَدون في ملطية، لَعازر العجائبيّ، * 8: عيد جامع لرئيسَيِ الملائكة ميخائيل وغفرئيل، الشّهيدان أونيسيفورس وبورفيريوس، البارَّة مطرونة، * 9: القدّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس، يوحنَّا القصير، البارّة ثاوكتيستي، * 10: الرُّسل كوارتوس وأولمباس ورفقتهما، الشهيد أوريستس، القدّيس أرسانيوس الكبادوكيّ، * 11: الشّهداء ميناس ورفقته، إستفانيس، ثاوذورس الإسطوذيتيّ.
 
الراعي
 
الرّاعي الحقيقيّ هو المسيح، وبالتّالي الكاهن الحقيقيّ هو الذي يتشبّه بالمسيح لأنّه يستمدّ كهنوته منه.
 
"الرّاعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" هكذا قال الربّ يسوع (يوحنّا 10: 11).
 
الكاهن مُعَدّ من الإكليروس. تشير هذه الكلمة إلى الخدمة الكنسيّة. في حسابنا الحقيقيّ لا يوجد طبقات في المسيحيّة: هذا بين البطريرك، المطران (أو الأسقف) والكاهن والشّماس والعلمانيّ... كلّها وظائف متنوّعة بحسب خدمة كلّ واحد منهم، وهي متساوية كلّها أمام الربّ.
 
دعوته أن يرشد أبناءَه إلى التوبة، أي التحوّل المتواصل إلى فكر المسيح، وذلك عن طريق التعليم وقدوة الحياة.
 
في هذه العمليّة يحترم الكاهن دائماً حرّيّة الآخر، يربحه عن طريق محبّته وتفانيه.
الكاهن الحقيقيّ يغسل أرجل المؤمنين. نسمّيه أباً لأنّه يشير إلى أبوّة الله، يلد بنعمة الله أولاداً روحيّين، يجهد دائماً أن يتكلّم بكلام الله.
 
يقول النبيّ حزقيال: "وأنت يا ابن الإنسان فاسمع ما أكلّمك به... افتح فمك وكُلْ ما أُناوِلُك. فنظرتُ

فإذا بيد قد مُدّت إليّ وإذا بسفر فيها... فقال لي: "يا ابن الإنسان كُلْ ما أنت واجدٌ، كُلْ هذا السفرَ واذهب فكلّم بيت اسرائيل... فأكلتُه فصار في فمي كالعسل حلاوةً" (حزقيال 2: 8 و3: 1-3).
 
الكاهن لا يقود أحداً إلى نفسه بل إلى المسيح المخلّص؛ هذا هو عمل كلّ أبّ روحيّ. يقول أيضًا النبيّ: "ويل لرعاة اسرائيل الذين كانوا يرعَون أنفسهم" (حز 34: 2) ويضيف: "أنا أرعى غنمي وأنا أُربضها فأبحث عن المفقودة وأردّ الشاردة وأجبر المكسورة وأقوّي الضعيفة وأحفظ السمينة والقوّية وأرعاها بعدل" (حز 34: 15-16). كلّ ذلك يفعله مدفوعاً بمحبّته.
 
أيّها الأحبّاء، نحن بحاجة ماسّة اليوم إلى مثل هؤلاء الرّعاة في هذا العصر الغارق في المادّيّة والأنانيّة. الإنسان اليوم يطلب، وبخاصّة الشباب يطلبون قدوة مثالاً حيّاً أمامهم "فيتركون كلّ شيء ويتبعون المسيح". صحيح أنّ الراعي يحتاج إلى العلم الكثير بكلمة الله، لكن الذي يجذب إنسان اليوم أكثر من غيره هو خدمته المجّانيّة عن طريق الوداعة والمحبّة.
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الخامس
 
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الابتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهِضَ الموتى بقيامتِه المجيدة.
 
القنداق باللحن الرّابع
 
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالقِ غيْرَ المرْدودة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة، نَحْنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطِّلْبَةِ، يا والدةَ الإلهِ المُتشَفِّعَةَ دائماً بمكرِّميك.
 
الرِّسالَة
غلا 6: 11-18
خلّص يا ربُّ شعبَك وبارك ميراثَك
إليكَ يا ربُّ أَصرخ: إلهي
 
يا إخوة، أُنظروا ما أعظمَ الكتاباتِ التي كتبتُها إليكم بيدي. إنَّ كُلَّ الَّذينَ يُريدون أن يُرضُوا بحسَبِ الجسَدِ يُلزمونكم أن تَختَتِنوا، وإنَّما ذلكَ لئلاَّ يُضطهَدوا من أجلِ صليبِ المسيح. لأنَّ الذينَ يَختَتِنون هُم أنفسُهم لا يحفَظون الناموسَ، بل إنّما يُريدون أن تَختتِنوا ليفتَخِروا بأجسادِكم. أمَّا أنا فحاشا لي أن أفتخِرَ إلَّا بصليبِ ربِّنا يسوعَ المسيح، الذي بهِ صُلبَ العالمُ لي وأنا صُلبتُ للعالم. لأنَّهُ في المسيح يسوعَ ليسَ الخِتانُ بشيء ولا القَلَفُ بل الخليقةُ الجديدة. وكلُّ الذين يسلُكُون بحسَبِ هذا القانونِ فعليهم سَلامٌ وَرحمةٌ، وعلى إسرائيلِ الله. فلا يجلِبنَّ عليَّ أحدٌ أتعاباً في ما بعدُ، فإنّي حامِلٌ في جسدي سماتِ الرَّبِّ يسوع. نعمةُ ربِّنا يسوعَ المسيحِ معَ روحِكم أيُّها الإخوة. آمين.
 
الإنجيل
لو 16: 19-31 (لوقا 5)
 
قال الربّ: كان إنسانٌ غنيٌّ يلبس الأرجوان والبزَّ ويتنعَّم كلَّ يوم تنعُّماً فاخراً. وكان مسكينٌ اسمه لعازر مطروحاً عند بابه مصاباً بالقروح، وكان يشتهي أن يشبع من الفُتات الذي يسقط من مائدة الغنيّ، فكانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه. ثم مات المسكين فنقلته الملائكة إلى حضن إِبراهيم. ومات الغنيّ أيضاً فدُفِن. فرفع عينيه في الجحيم، وهو في العذاب، فرأى إِبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى قائلاً: يا أبتِ إِبراهيم ارحمني وأَرسِل لعازر ليغمِّس طرَف إصبعه في الماء ويبرِّد لساني لأنّي معذَّب في هذا اللَّهيب. فقال إِبراهيم: تذكَّر يا ابني أنّك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بَلاياه. والآن فهو يتعزّى وأنت تتعذَّب. وعلاوةً على هذا كلِّه فبيننا وبينكم هوَّة عظيمة قد أُثبتت، حتّى أنَّ الذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون ولا الذين هناك أن يعبروا إلينا. فقال: أسألك إذن يا أبتِ أن ترسله إلى بيت أبي، فإنَّ لي خمسةَ إخوة، حتّى يشهد لهم لي فلا يأتوا هم أيضاً إلى موضع العذاب هذا. فقال له إِبراهيم: إنَّ عندهم موسى والأنبياءَ فليسمعوا منهم. قال : لا يا أبتِ إِبراهيم، بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له: إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء فإنَّهم ولا إن قام واحد من الأموات يصدّقونه.
 
في الإنجيل
 
في هذا النصّ الإنجيليّ من بشارة لوقا نحن أمام إنسان غنيّ لا نعرف اسمه، وأمام إنسان فقير اسمه "لعازر" وهي كلمة عبرانيّة معناها "الله عوني". صورة هذا الغنيّ هي صورة مسرورٍ بماله ومرتاح إلى ماله وجاهه وقد استغنى عن الله وعن الناس.
 
أمّا صورة الفقير الجالس المنتظر الفتات التي تتساقط من مائدة الغنيّ والذي تلحس الكلاب القروح في جسده المريض الهزيل عند باب الغنيّ فهي صورة الفقير إلى الله، وقد انتقل عند موته إلى حضن الله، كما يقول الكتاب، أمّا الغنيّ فَدُفن عند موته.
 
ما نلمسه في هذا الإنجيل هو عدم شفقة الأغنياء على الفقراء. لأنّ الغنى صنم والساجدين له كُثر وخاصّة هذا الغنيّ الذي نتحدّث عنه إذ نراه عبداً لحبّ الذّات والأنانيّة غالقاً على نفسه وهذا ما أمات العاطفة في قلبه فلم يعد يرى الإنسان المطروح على باب منزله تلحس الكلاب جروحه.
 
لذا نرى أنّ ما هو أهمّ من الإيمان أن لا تنعدم الشفقة من قلوبنا. إذ ممكن أن يقول الإنسان إنّي أؤمن ولكن ليس في قلبه أيّة شفقة تظهر في تعامله مع من هم بحاجة إلى رحمة ومساعده. يضعنا هذا المثل أمام واقع ما زلنا، حتّى يومنا هذا، نراه كلّ يوم؛ ولولا انعدامُ الشفقة من قلوب كثيرين لما كثرت الحروب وتفشّت الأمراض وزادت البطالة والمجاعة بين الناس. كلّ هذا سببه أنانيّة الإنسان المسيطرة عليه؛ وكم تكلّم آباؤنا القديّسين على "الأنا" وحاربوها ودعَوا الناس للتخلّص منها!
 
ألا أعطانا الله أن نحافظ على ما بقي من شفقة في قلوبنا وأن نبتعد عن كلّ أنانيّة، عسى أن يكون مصيرنا، في النهاية، مثل مصير "لعازرِ" هذا المثل الإنجيليّ. آمين.
 
العَقلُ ومَقامُه في الكنيسة
 
العقل هبةٌ لنا من الله، مَنَّ به علينا كبَوْصَلَة تَهدينا سَواءَ الرؤية وسَواءَ الفكر وسواءَ العمل، وكضابط به نضبط انفعالاتنا وغرائزنا بحيث تبقى هذه تحت السّيطرة فلا تُفلِت من عقالاتها، وكطاقة بها ندرك الأشياء والمعارف والحقائق المعقولة والحسّيّة، وبها، أيضًا، نميّز الصَّواب من الخطأ كما يميّز الزارعُ الحنطة في بَيدره من الزُّؤان.
 
والكنيسة تُقيم وزناً للعقل، بَيدَ أنّها لا تقيم له وزناً إلّا لكونه كذلك تحديداً، أي لكونه هبةَ الله لنا لنميّز به، تالياً، بين ما هو من الله وما ليس منه، أو، بكلام آخر- ونستعير هنا تعبير الرّسول بولس- بين ما يَحلو وما يوافق، إذ ليس كلُّ ما يحلو يوافق. في ما عدا ذلك لا مرتبةَ خاصّةً للعقل في الكنيسة إذ الحكمةُ، كلّ الحكمة، تكمُن في مخافة الله، "رأسُ الحكمة مخافةُ الله" (مز 111/10). وتبقى العبرة في كيف نُحني عقولنا للربّ فلا نستكبر.
 
ذلك انّ العقلَ، مجرَّداً ممّا يُحصّنُه ويُوجّهه، سَيفٌ ذُو حدَّين: فعقلكِ الذي يقودك إلى الإقرار بوجود الله، إذا كان قلبك مستعدًّا سلفاً predisposé لهذا الإقرار، - وهذه حال المؤمنين- هو نفسه يقودك إلى جُحوده وإنكار وجوده، إذا لم يكن قلبك على هذه الحال- وهذه حال الملحدين. واللّافت في الأمر أنّك قادرٌ، وبالقوّة نفسها، على أن تُدافع عن كلا الخيارين إذا كان العقل المحضُ مُرشدَك، وأنّك، لو استدعيت الحُجج والبراهين لتسند بها أيًّا من الموقفين لما خذلتك الحُجج ولا البراهين. أفليست عقول الهراطقة ، مثلاً ، هي التي قادتهم إلى الخروج على الإيمان القويم واستنباط المعتقدات الوخيمة وصياغتها، فكانوا ضالّين ومُضِلّين وكانت البِدعُ التي عانَت الكنيسة منها طويلاً وما تزال، بينما المستقيمةُ آراؤهم قادتهم عقولهم إلى استنباط المعتقدات القويمة وصياغتها، فكانت استقامةُ الرأي التي حفظت الكنيسة وتحفظها إلى الآن، وستستمّر حافظةً إيّاها إلى الأدهار؟
 
ماذا إذاً؟ هل نُهمِّشُ العقل؟ هل نعطّله؟ حاشا، بل نعترف بمحدوديّته فلا نؤلِّهه. وإذا كان تأليهنا العقلَ خطيئةً كبيرةً فإنّ تعطيلنا إيّاه، خطيئةٌ أكبر لأنّنا، بهذا، نتنكّر لعطيّة أساسيّة من عطايا الله، وفي هذا، أيضًا، جحود.
 
نحن لا نعطّل العقل، نحن نطوِّعه لمشيئة الربّ، وشَتّانَ ما بين تعطيل العقل وبين تطويعه للمشيئة الإلهيّة. لقد عرفت الحركة الرهبانيّة، عبر تاريخها، جماعةً عُرفت بـ "المتبالهين". هؤلاءِ ما كانوا بُلهاءَ بالمعنى المتداوَل لهذه الصّفة، لكنّهم اختاروا، طوعًا، هذا النَّمط السَلوكيّ لأنّهم اختاروا أن يطوّعوا عقولهم للربّ. هذا من جهة؛ من جهة ثانية، في كلّ خدمة ليتورجيّة يدعونا الكاهن، وغالباً غيرَ مرّة، إلى أن نُحني رؤوسنا للربّ، أي، بمعنًى آخر، إلى أن نُحني عقولنا للربّ. ونحن نستجيب لدعوة الكاهن فنُحني رؤوسنا للربّ، نُطأطئها له، أوّلاً شكراً منّا له على عطيّته هذه، وثانياً إقراراً منّا بأنّ العقل، وإن يكن سبيلاً لا بدّ لنا منه للإدراك، إلاّ أنّه ليس مرجعيّتنا النهائيّة، ولا يمكنه أن يكون.
 
صحيح أنّ ثمّةَ حقائقَ كثيرةً هي من عالم المعقولات والمحسوسات، وبالتّالي يخضع إدراكها وفهمها للعقل فيرشدنا هو إلى هذين الإدراك والفهم، غيرَ أنّ مُقابِلَ هذه الحقائق حقائقَ أُخرى تتجاوز العقل ومنطقه وأدواته إلى ما يسمو عليه، من دون أن يعطّله. تحت هذا العنوان تندرج، مثلاً، الحقائق الإيمانيّة التي، بسببٍ من طبيعتها السرّيّة mystique، لا تُدرك عقليًّا، وفي مقدَّمها حقيقتا التجسّد والفداء بالصّليب. والكنيسة تعبّر عن هذا في الكثير من طقوسها والترنيمات. فمثلاً، في إحدى قطع المعزّي التّي نرتّلها مساءً على اللّحن الثانيّ، نخاطب والدة الإله قائلين: "أسراركِ كلّها يا والدة الإله تفوق كلّ عقل وتَسمُو على كلّ مجد...". لذلك، يُخطئ مَن يظنّ أنّه قادرٌ، بالعقل المحض، على أن يَحُدَّ الحقائق الإيمانيّة ويدركها، وبالمقابل، يُخطئ أكثر، بل ويَضلّ، من يظنّ أنّه قادرٌ، بالعقل المحض، على أن يَجحد الحقائق الإيمانيّة ويَدحضها. ففي الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس كتب الرسول بولس يقول: "... إنّ كلمة الصّليب عند الهالكين جَهالةٌ، وأمّا عندنا نحن المخلَّصين فهي قوّة الله. لأنّه مكتوبٌ: سأُبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفُهماء.... ألم يُجهِّلِ الله حكمة هذا العالم؟ لأنّه، إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرفِ الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلّص بجهالة الكرازة الذين يؤمنون..." (1 كور 1/18-25).
 
خُلاصة القول أنّنا لا ندعو إلى الاِستهانة بالعقل أو تهميشه، لكن أيضًا، لسنا طلّاب العقل المحض. لا، بل نحن طلّاب ذلك الرّوح القُدسيّ الذي هبّ على الرُّسل يوم العنصرة، روح الحكمة والفهم الذي، إذا انسكب علينا، "ينير عقولنا في الوقوف حسناً على الوصايا الإلهيّة، لنعيش بحسب مرضاة الربّ"، فيكون لتمجيد اسمه كلُّ ما نُفكّر به وما نعمله. وهكذا تكون مسيرتنا كلُّها مسيرة إليه نُجوزها بحركةٍ جدليّةٍ متوازنةٍ ما بين عقول لا تستكبر وقلوب مُتخشّعة متواضعة.



 

 



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies