الكرمة - الأحد 6 تشرين الثّاني 2016

 
الأحد 6 تشرين الثّاني 2016  
العدد 45
الأحد 20 بعد العنصرة
اللَّحن الثالث      الإيوثينا التاسعة
 
 
* 6: بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيّة، * 7: الشُّهداء الـ 33 المستشهدون في ملطية، لَعازر العجائبيّ،
* 8: عيد جامع لرئيسَيِ الملائكة ميخائيل وغفرئيل، الشّهيدان أونيسيفورس وبورفيريوس، البارَّة مطرونة،
* 9: القدّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس، يوحنَّا القصير، البارّة ثاوكتيستي، * 10: الرُّسل كوارتوس وأولمباس ورفقتهما، الشهيد أوريستس، القدّيس أرسانيوس الكبادوكيّ، * 11: الشّهداء ميناس ورفقته، إستفانيس، ثاوذورس الإسطوذيتيّ، * 12: يوحنّا الرّحوم رئيس أساقفة الإسكندريّة، البارّ نيلس السِّينائيّ.
 
 
"آمن فقط فتبرأ هي"
منطق الإيمان ومنطق البشر
 
إنجيل اليوم، يا أحبّة، يتحدّث عن موضوع "الإيمان" وماذا يمكن للإيمان أن يجترح في حياتنا. إنجيل يروي أعجوبتين: في الأعجوبة الأولى رئيس المجمع يطلب من يسوع أن يشفي ابنته التي شارفت على الموت، في الأعجوبة الثانية إمرأةٌ نازفةٌ دَمًا تتقدَّم من يسوع للمس هدب ثوبه رغبة منها بالشّفاء. المُلاحظ أنَّه، عندما سارع المسيح لشفاء ابنة رئيس المجمع، زحمته الجموع، وهناك مسَّته المرأة النازفة، ومن بعد شفائها، لم يسارع إلى ابنة رئيس المجمع، بل بدأ يكلِّم الجموع، وعندما أعلموا رئيس المجمع أنَّ "ابنتك ماتت لا حاجة لكَ أن تُتعب المعلّم"، عندها توجّه الربّ إلى منزله. السؤال لماذا؟ ما غاية المسيح من كلّ هذا؟ لماذا تأخَّر؟ ماذا أراد أن يُعلِّم رئيس المجمع؟ ماذا أراد أن يُعلِّم الجموع المحتشدة؟
 
الجواب هو "الإيمان به". أراد المسيح أن يعلِّم كلًّا من رئيس المجمع والجموع المحتشدة الفرق بين الإيمان وبين العقلانيّة، بين أن نؤمن به، وأن نؤمن بعقلنا وبقدراتنا. وفق المنطق البشريّ الطبّ عاجز عن تقديم الشّفاء للمرأة التي"كانت قد أنفقت كلّ معيشتها على الأطبّاء ولم يستطع أحد أن يشفيها". وفق المنطق البشريّ إبنة رئيس المجمع قد ماتت والدّليل على ذلك هو أنّ الجمع الذي وُجد هناك كانوا "يبكون ويلطمون". الموت حصل.
 
المرأة النازفة لم تستسلم أمام منطق العقل بل لجأت إلى الإيمان. أمَّا كيف برز إيمانها؟ فعندما آمنت أنَّ المسيح قادرٌ على شفائِها بمجرد أن تلمسه خفراً، ومن الخلف، (لمسته بكلّ تقوى)، في حين كان الجمع يزحمه ويضيّق عليه. المرأة النازفة لم تذهب إليه، ولم تسأله، ولم تصرخ إليه خجلاً من مرضها، بل بصمت، ومن دون أن يراها أحد، لمسته. ولكي يُعلِّم المسيحُ الجموع أنّ الأعجوبة لا تؤخذ بالمزاحمة، وأنَّه ليس ببهلوان صانع عجائب يَجترحُ عجائبه كساحر، سأل علانيَة مَنْ لمسني؟ الغريب هنا كيف يسأل المسيح عمَّن لمسه بينما الجموع تزحمه؟ "يا معلّم إنّ الجموع يزحمونك ويضايقونك وتقول من لمسني؟". لم يقصد هنا المسيح الجموع بل كان يقصد المرأة النازفة وكان يخاطبها بأسلوبها ذاته، فكما اقتربت منه بصمت ومسّته بهدوء من الخلف، بالطريقة ذاتها ينادينها من دون أن يتوجّه إليها مباشرةً، لماذا؟ كي لا يحرجها وكي يحثّها بلطف على أن تعترف، من تلقاء ذاتها، بما حدثَ لها. أمّا غايته من هذا فأن يُخبّر الجموعَ عن الأعجوبة التي حدثت، كيما، بمدحه إيّاها "إيمانك أبرأك فاذهبي بسلام"، يجعل منها مثلاً تعليميًّا أمام الجموع التي كانت تزحمه بلا جدوى وكانت تنظر إليه كمعلّم، ولا سيّما أمام رئيس المجمع. لماذا رئيس المجمع بالذات؟ كي يعزّز إيمانه بالأعجوبة المقبلة.
 
هذه الأعجوبة عزّزت عند رئيس المجمع منطق الإيمان، ولذلك، عندما أُخبر أنّ ابنته ماتت وقالوا له ليس من داعٍ للمعلّم، لم يشكّ في يسوع، ويسوع نفسه في المقابل عزز في نفس رئيس المجمع الإيمان.

نفسه، في المقابل، عزّز في نفس رئيس المجمع الإيمان ذاته الذي كان للمرأة النازفة عندما قال له: "لا تخف آمن فقط فتبرأ هي". وفي النهاية رافق المسيح رئيس المجمع إلى بيته. في البيت نجد مواجهةً بين منطقَين: منطقِ العقل الذي لا يقبل أن يعود ميت إلى الحياة، وهذه هي حال الجموع الذين كانوا يبكون ويولولون والذين ضحكوا على يسوع عندما أخبرهم أن الصبيَّة نائمة وليست ميتة، ومنطقِ الإيمان الذي نجده عند يسوع والتلاميذ ورئيس المجمع وزوجته، الذين بسببه استبقاهم وحدهم معه وأخرج الباقين. وفقاً لمنطق العقل الموت هو "موت"، بينما، وفقاً لمنطق الإيمان، الموت هو "نوم". ولهذا صرخ المسيح "يا صبيّة قومي". أي انهضي من رقادك. ولكي يبرهن المسيح عن تمام أعجوبته ويخزي الجمع الذي ضحك عليه "أمر أن تُعطى لتأكل" كي يؤكّد تمام العجيبة وكمالها.
 
منطق العقل البشريّ لا يعترف إلّا بالإنسان فقط، وهو محصور ومحدّد بطاقات الإنسان وإمكاناته، في حين أنّ منطق الإيمان لا يرفض كلّ ما يأتي به الإنسان، لكنَّه لا يقوم على الإنسان وحده، بل، بالدرجة الأولى، على الربّ الذي يقف بجانب الإنسان. لهذا لا يرفض الإيمان المنطقَ ولكن لا يقف عن حدوده بل يمتدّ أكثر وأكثر إلى ما هو أبعدُ من الموجود. لماذا نستصعب اليوم الإيمان؟ ليس لأنّ الإيمان صعب بل لأنّنا أصبحنا جدّاً عقلانيّين والله ليست له حضرة يوميّة في حياتنا. ما الفرق بين العقلانيّ والمؤمن؟ المخاطرة: فالمؤمن لا يخاف لأنّه متمسّك بيسوع، لذا يخاطر ويجازف لأنَّ إيمانه كبير والمسيح حاضرٌ في حياته ولهذا قال المسيح لرئيس المجمع "لا تخف"؛ بينما العقلانيّ يخشى ورجاؤه يتكسّر عند آخر ما توصّل إليه البشر من علوم ومعارف ومن تطوّر.
 
إنجيل اليوم، يا أحبّة، ليس فقط يعلّمنا أن نطلب ما هو ممكن، بل يفتح لنا الأبواب أمام كلّ ما هو بمنطق العالم مستحيل وغير ممكن، من أمراض وشدائد وموت. المسيح اليوم يعلّمنا أنّ الإنسان، مهما تطوّر، يبقى محدودًا ولا يقوم عليه الرّجاء، بل على المسيح وحده، ليس فقط بالممكنات والموجودات بل، أكثر بكثير، بالمستحيلات، له المجد إلى أبد الدهور، آمين.

 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الثّالث
لتفرحِ السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزًّا بساعِده، ووطِئ الموتَ بالموتِ، وصار بكرَ الأموات، وأنقذنا من جوفِ الجحيم، ومنح العالـمَ الرحمةَ العُظمى.
 
 
القنداق باللحن الرّابع
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة، نَحْنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطِّلْبَةِ، يا والدةَ الإلهِ المُتشَفِّعَةَ دائماً بمكرِّميك.

 
الرِّسالَة
غل 1: 11-19
رتِّلوا لإلهنا رتِّلوا
يا جميعَ الأُممِ صفِّقوا بالأيادي
 
يا إخوةُ، أُعْلِمُكم أنَّ الإنجيلَ الذي بشَّرتُ بهِ ليسَ بحسبِ الإنسانِ، لأنّي لم أتسلَّمْهُ من إنسانٍ بل بإعلانِ يسوعَ المسيح. فإنَّكم قد سمعتُم بسِيرتي قديماً في مِلَّةِ اليهودِ أنّي كنتُ أضطهِدُ كنيسةَ اللهِ بإفراطٍ وأُدَمِّرُها، وأزيدُ تَقَدُّمًا في ملَّةِ اليهودِ على كثيرينَ من أترابي في جِنسي بكوني أوفرَ منهم غَيْرَةً على تَقليداتِ آبائي. فلمَّا ارتضَى الله الذي أفرَزَني من جوفِ أمِّي ودعاني بنعمتِه أنْ يُعلِنَ ابنَهُ فيَّ لأُبشِّرَ بهِ بينَ الأُممِ لساعتي لم أُصغِ إل لحمٍ ودمٍ، ولا صَعِدْتُ إلى أورَشليمَ إلى الرسلِ الذينَ قبلي، بلِ انطلقتُ إلى ديار العربِ، وبعدَ ذلكَ رَجَعتُ إلى دِمشق. ثمَّ إنّي، بعدَ ثلاثِ سنينَ، صَعِدتُ إلى أورَشليمَ لأزورَ بطرسَ فأقمتُ عندَهُ خمسةَ عشرَ يوماً، ولم أرَ غيرَهُ من الرسلِ سوى يعقوبَ أخي الربّ.

 
الإنجيل
لو 8: 41-56 (لوقا 7)
 
في ذلك الزمان، دنا إلى يسوعَ إنسانٌ اسمُه يايرُسُ، وهو رئيسٌ للمجمع، وخرّ عند قدمَي يسوعَ، وطلب إليه أن يدخل إلى بيته، لأنّ له ابنةً وحيدة لها نحوُ اثنتي عشْرَةَ سنةً قد أشرفت على الموت. وبينما هو منطلقٌ كان الجموع يزحمونه. وإنّ امرأةً بها نزفُ دمٍ منذ اثنتي عشرَةَ سنةً، وكانت قد أَنفقت معيشتَها كلَّها على الأطبّاء، ولم يستطعْ أحدٌ ان يَشفيَها، دَنَت من خلفه ومسّت هُدبَ ثوبه، وللوقت وقف نزفُ دمِها. فقال يسوع: "مَن لمسني؟" وإذ أنكَر جميعُهم قال بطرسُ والذين معه: يا معلّم، إنّ الجموع يضايقونك ويزحمونك، وتقول من لمسني؟ فقال يسوع: "إنّه قد لمسني واحدٌ، لأنّي علمت أن قوّةً قد خرجت منّي". فلمّا رأت المرأة أنّها لم تَخفَ جاءت مرتعدة وخرّت له وأخبرت أمام كلّ الشعب لأيّة علّةٍ لمسته وكيف برئت للوقت. فقال لها: "ثِقي يا ابنةُ، إيمانُك أبرأكِ فاذهبي بسلام". وفيما هو يتكلّم جاء واحدٌ من ذوي رئيس المجمع وقال له: إنّ ابنتَك قد ماتت فلا تُتعبِ المعلّم. فسمع يسوعُ، فأجابه قائلاً: لا تَخَفْ، آمِن فقط فتبرأَ هي. ولمّا دخل البيت لم يدَع أحداً يدخل إلّا بطرسَ ويعقوبَ ويوحنّا وأبا الصبيّة وأمَّها. وكان الجميع يبكون ويلطمون عليها، فقال لهم: لا تبكوا، إنّها لم تمت ولكنّها نائمة. فضحكوا عليهِ لِعِلْمِهم بأنّها قد ماتت. فأمسك بيدها ونادى قائلاً: يا صبيّةُ قومي. فرجَعَت روحُها في الحال. فأمر أن تُعطى لتأكل. فدَهِشَ أبواها، فأوصاهما أن لا يقولا لأحدٍ ما جرى.
 
 
في الإنجيل
 
مرَّةً جديدةً، نحنُ أمامَ مشهدِ مواجهةِ الرَّبِّ يسوعَ للمرضِ والموت، عَدُوَّي الإنسان اللَّدودَين منذ القديم. لعلَّ من الجدير أن نلاحظ أنّه، وفي كلِّ المرَّات التي واجهَ فيها الرَّبُّ يسوعُ المرضَ والموتَ، لم يذكرِ الإنجيلُ مرَّةً واحدةً تركَ فيها الرَّبُّ الإنسانَ المريضَ في معاناته، وذكر ثلاثَ مرَّاتٍ واجهَ الرَّبُ في كلّ منها حالةَ الموت: عند إقامته ابنَ أرملة نائين، وإقامته ابنةَ يايرس، وإقامته صديقَه لَعازر، وفي هذه كلِّها كان الرَّبُّ يعيدُ الحياةَ إلى فاقديها، بكلمةِ سلطانه. من هذا المشهد نتعلَّم أموراً عديدة: 1.أنَّ سعي الإنسان إلى الصحّة وهروبه من الموت يتلاقيان مع مسعى الربّ يسوع في انتشال الإنسان من الموت الجسديّ والموت الروحيّ، وعلينا تقعُ مسؤوليّةٌ كبيرة هي أن نحافظ على صحّتنا الجسديّة، وأن نسعى إلى صحّتنا الرّوحيّة وأن نُحاربَ كلَّ موتٍ فينا، وأن نساعدَ الآخرين على ذلك. 2.ربّما صَعُبَ علينا أن نصدِّقَ قيامة الموتى، وليسَ أقسى من الموتِ بالنسبة لنا، لكنَّ الموتَ عند يسوع أمرٌ عاديٌّ، هو مجرَّدُ رقادٍ، وإيقاظه للميْت هو من السهولة لديه كسهولة إيقاظنا للنَّائم، لأنَّ يسوع هو الربّ الإله الخالق، سيِّد الحياة والموت، فلا نيأسنَّ إن مات لنا عزيزٌ ولو حزنَّا، لأنّه في الحقيقةِ راقدٌ على رجاء القيامةِ الأكيدة. 3.لقد لجأ الأبُ إلى الرَّبِّ بعد أن أشرفت ابنتُه على الموت، والمرأةُ النازفةُ لجأت إلى الرَّبِّ بعدَ أن فشلَ كلُّ الأطبّاء في شفائها. ونحن، في أغلب الأحيان، نلجأ إلى الرَّبِّ عندما تُغلَقُ كلُّ الأبواب في وجهنا، وهو، بمحبّته لنا، يقبلنا في أيّ وقتٍ نتّجهُ فيه إليه. 4. الربُّ قال للمرأة: ثقي إيمانك أبرأك فاذهبي بسلام. علينا إذاً أن نلتجئ إلى الرَّبِّ ونحن واثقون، ليس فقط بقدرته، بل بمحبّته، أي أن نؤمن ونثق بأنّه يحبُّنا، وبالتالي لن يعمل إلّا ما هو لخيرنا. هذا الإيمان هو الذي يجعل تحقيق المعجزة واقعاً في حياتنا. 5.المرأة لمست ثوبَ الرَّبِّ، والرَّبُّ أمسك يدَ الصبيّة، أي لمسها. ونفوسنا لن تُشفَى ما لم تلمُسْنا كلمتُه في أعماقنا. 6. الربّ يسوع قال لوالد الصبيّة، بعد أن أخبروه أنّها قد ماتت: لا تخَف، آمِن فقط فتبرأَ هي. هنا نذكر أمرَين: الأوّل هو أنَّه، في مرَّاتٍ كثيرة، يكون إيمانُنا سببَ شفاءِ آخرين حولنا وحياتِهم؛ إنَّها، وبشكلٍ خاصّ، مسؤوليّة الأهلِ تجاهَ أبنائهم، فهل يتذكَّر الأهلُ هذا؟! والأمر الثاني هو: كم نحن بحاجةٍ، في هذه الأيّام العصيبة، إلى أن نسمع هذه العبارة من الربّ: لا تخافوا مهما حصل ويحصل في هذا العالم، آمِنوا فقط. ولسانُ حالنا يقول: نؤمن يا ربّ فأَعِن ضعفَ إيماننا، إرحمنا ياربّ لأنّك أنت هو إلهنا، أنتَ هو القيامةُ والحياة، لك المجد إلى الأبد، آمين.
 
الحرِّيّة المطلقة والزِّنى يوضَعُ إنسانُنا المعاصرُ اليومَ أمام خيارين: إِمّا الانصياعُ لمغريات عصرِنا، أو السَّيرُ على خُطى الكنيسة. إنّها لحقيقةٌ أنَّ الكنيسةَ لها فكر الله، لا تقبلُ أن يُساومَ أبناؤُها بين اللهِ والعالَم. أمّا العالَمُ الذي نعيشُ فيه فلا يأبَهُ بِضَياعِ الإنسانِ كُلِّيّاً، ولا يَمنعُ الإنسانَ من ممارسةِ حياتِهِ الدّينيّةِ وإِشْراكِها بالمُغرِياتِ. هذه الأخيرةُ كثيرةٌ، تبدأ باستهلاكِ السِّلعِ التي تُرَوَّجُ بجُنونٍ وتنتهي باستهلاكِ الجسدِ بغايةِ إنهاءِ الرُّوح. يغدو الإنسانُ نفسانيّاً لا روحيّاً؛ ولا أقصدُ بالرّوحيّ ممارسة التُقى. المشكلةُ – إذا أردنا –  هي مشكلة ممارسة الحرّيّات. إذَن، أليس للإنسانِ أن يعيَ كيف يميِّز بين الحرّيّةِ والقيود؟
 
لمّا خلق الله الإنسانَ خلقهُ حُرّاً، أي لديه حرّيّة الاختيار بين ما يرضي الله وما لا يُرضيه، بمعنىً آخَر أن يختار أن يكون مع الله أو ضدَّهُ. إذا أمعنّا جيِّداً بهذه الحقيقةِ الإنجيليّة نرى أنَّ الإنسانَ، منذ خلقه، مخيَّرٌ بين قَيْدَيْنِ: إمّا الطاعة لأمر الله أو الطاعة لأمورٍ أخرى ستأسرُهُ. لذا، باعتقادي، لم يكن للانسانِ يوماً كمالُ الحرّيّةِ التي لله. فالإنسانُ محدودٌ بناموس الله، الذي أعطاه لموسى، ليساعده في أن يتحرَّرَ من عبوديّة الخطيئة التي أسرته بعد سقوطه من الفردوس، أو محدودٌ بناموس الخطيئة إذا اختار ألّا يكون مع الله.
 
بعد السَّقطة أصبح الإنسانُ أكثر ميلًا للخطيئةِ؛ إستعبدته، فلم يَعُد يستطع تطبيق ناموس الله. فشل الكلُّ وأخطأوا. لهذا أرسل الله ابنه الوحيد ليحرِّرنا من الخطيئةِ، فحرَّرنا من ناموس الجسد، أي من مغرِياته ووجّه عقولنا إلى الله. فهو أخذ جسدنا ليعطينا الألوهة. وأسَّسَ لنا سرّ العماد فنتشبَّه به. في المعموديّة نموت مع المسيح ونقوم معه بالروح القدس. هذا العمل ليس فرديًّا بل جماعيٌّ، إذ لا أُعَمَّد بمفردي، بل بالمعموديّةِ أنضمُّ إلى جماعة المسيح. وعندما أنضمُّ إلى جماعةِ المسيحِ أصبحُ عضواً في هذا الجسد الواحد الذي هو جسد المسيح بحدّ ذاته. أتحرَّرُ من قيودِ جسدي وأقتني الحرّيّة التي للمسيح يسوع.
 
أمّا الزِّنى فهو سوء استعمال الحرّيّة التي وهبها المسيح للانسان. ينطبق هذا المعنى، بالأكثر، على الأبناء الذين اختاروا الله واختيروا منه. لذا، عندما أجحد الله الذي كشف لي ذاته وأعلن لي نواميسه، وأسعى وراء معبودٍ آخر كالأصنامِ والمال والشهواتِ والجسد، أكونُ قد زنيتُ. الزِّنى هو معصية مشيئة الله. كلّ معصية لوصايا الله زنى، لأنَّ المعصية مساومة والمساومةَ إشراكٌ والإشراكَ زنى، كَأنْ أشرِكَ إمرأةً ثانية في علاقتي مع امرأتي، ولو كان في الفكر فقط. عدم الاتّكال على الله هو عدم إيمانٍ وبالتالي زنى على الله لأنّي لا محالة سوف أتّكل إمّا على ذاتي أو على أناسٍ آخَرين وأمورٍ أُخرى.
 
الجنسُ قبلَ الزَّواج زنىً لا لأنَّ الكنيسةَ تريدُ وضع ضوابط تحول دون استسلام الإنسان لحاجاته البيولوجيّة. هذا القانون، على الأقلّ في مفهوم الكنيسة، لا ينطبق على الذين هم خارج الكنيسة، بل على الذين تعمّدوا وصاروا أعضاء في جسد الكنيسة. ذلك لأنّ الذي تعمّد بالروح القدس والنّار رضي، بكامل إرادته، أن يرذل قيود الجسد ويتبع ناموس المحبّة، ناموسَ المسيح الذي يحرِّره من الجسد. فالمسيحيّ يصبح في العماد كالراهب، مكرَّساً لله، ويُرمَز إلى ذلك بقصِّ الشعر في آخر الرُّتبة. هذا يعني أنّه يعلن ولاءَه لله ولاءً روحيّاً ويرذل الإستعباد للجسد الذي يجرّه إلى الخطيئة والموت أي إلى الإبتعاد عن الله.
 
من يريدُ، إذن، البقاء في الكنيسةِ عضوًا عليه أن يجاهد الجهاد الحسن بمعيّةِ إخوته الأعضاء الآخرين وبمساعدة المسيح. كلّ من يرفض ناموس المحبّةِ هذا له كامل الحرّيّة أن يخرج من عضويّة الكنيسة إذ ليس من أحدٍ يأسره، ولكنْ إيّانا والإشراك، لأنَّ إلهنا إله غيور ويريد كلّ من يتبعه أن يتبعه بشكلٍ كاملٍ.
 
 
 
أخبارنا
صاحب السّيادة يستقبل المهنّئين
 
يستقبل صاحب السّيادة المهنّئين إيّاه بسلامته ابتداءً من الإثنين 7 تشرين الثّاني 2016، يوميّاً من الساعة الخامسة مساءً حتّى السابعة، في دار المطرانيّة- طرابلس.


 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies