الكرمة - الأحد 5 حزيران 2016

 
 
 
 
الأحد 5 حزيران 2016 
العدد 23
 
أحد الأعمى 
 
اللَّحن الخامس الإيوثينا الثامنة
* 5: الشهيد دوروثاوس أسقف صور، * 6: إيلاريون الجديد رئيس دير الدلماتن، الشهيد غلاسيوس، * 7: الشهيد ثاودوتُس أسقف أنقرة، الشهيد باييسيوس (كفالونيَّة)، * 8: وداع الفصح ونقل عظام ثاوذورس قائد الجيش، الشهيدة كاليوبي، * 9: خميس الصعود الإلهيّ، كيرلّلس رئيس اساقفة الإسكندريّة، * 10: الشهيدان ألكسندروس وأنطونينا، * 11: الرسولان برثلماوس أحد الـ 12 وبرنابا أحد الـ 70، أيقونة "بواجب الإستئهال".
 
عَمى البصر وعَمى البصيرة 
وَسَأَلَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» أَجَابَ: «مَنْ هُوَ يَاسَيِّدُ حَتىَّ أُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يُكَلِّمُكَ، هُوَ هُوَ!» فَقَالَ: «أَنَا أُومِنُ يَاسَيِّدُ!» وَسَجَدَ لَهُ.
 
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "ما الضرر من عمى هذا الأعمى حين يقوده إلى معرفة يسوع، بينما ما الفائدة من بَصَرِ أهله، عندما لا يؤهّلهم البصر الجسدانيّ لمعرفته؟ ذاك من آلامه نال الحياة وهؤلاء من صحّتهم فقدوها". يعالج إنجيل أحد الأعمى إشكاليّة المرض، أو الشرور الطبيعيّة، التي يظنّها الكثيرون عقاب الله للإنسان على ما اقترفه من خطايا. جواب المسيح في الإنجيل واضح: "لاَ هُوَ أَخْطَأَ وَلاَ وَالِدَاهُ، وَلكِنْ حَتَّى تَظْهَرَ فِيهِ أَعْمَالُ اللهِ".
 
أمَّا السؤال الذي قد يخطر لنا جميعنا فهو: وما ذنبه إذاً في أن يولد أعمى؟ هل أعمال الله ومجده يفترضان العمى؟ الجواب بالطبع لا، ولكنَّ الله يبتكر شتّى الطرائق حتى يؤهِّل الإنسان إلى لقائه. في حالة الأعمى هنا، رأى الله، بعمق حكمته، أنّ عمى البصر سيقود هذا الإنسان إلى شفاء عيني قلبه وبصيرته، فيتأهّل بالتالي لمعرفة يسوع. سمع الأعمى كلمات يسوع بأنّه نور العالم وآمن به؛ ولكن، كيف برز إيمانه؟ 

 
عندما سمح له أن يضع التفل في عينيه وارتضى، بعد ذلك، أن يغتسل في بركة سلوام، فـ"عَادَ بَصِيراً " كما يخبرنا الإنجيليّ. رِبح الأعمى حصل مضاعفاً، فقد شفيت بصيرته الداخليّة ورَبِح نعمة البصر الجسديّ، وبرز ذلك عندما جاء جوابه عن سؤال المسيح «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟»، «أَنَا أُومِنُ يَاسَيِّدُ!» وَسَجَدَ لَهُ.
يرى البشر الشرّ والظلم في كلّ ما هو مؤلم ومتعب بالنسبة إلى الحواسّ، و لهذا فالعمى هو شرّ وظلم. ويرون الخير و الصلاح في كلّ ما هو راحة ومتعة. في حين يحدّد الله الشرّ في كلّ ما يبعدنا عن الملكوت ويَذّخر لنا عذاباً أبديّاً، وأما الخير فهو الشركة والمُلك معه في الملكوت. عندما يحيا البشر الخير في إطار معادلة المتعة والراحة، يحيون في تربة خصبة لكلّ أنواع الفساد والإنحلال الخلقيّ ودرجاتهما ويتمرّغون فيهما. يرتئي الله آنذاك، بعمق حكمته، أن يُلحق بالبشر ما يسمّونه هم شروراً كالمرض و غيره... إلخ، وذلك عندما يرى الخاطئَ يَهلكُ بجهالة في خطيئته، ويُصِرُّ عليها بوقاحة. يستخدم الله هذه الشرور بمثابة عمل جراحيّ يستأصل به الشرور الحقيقيّة. فعلى سبيل المثال، من يهتك صحّته الجسديّة بأعمال الفسق من دون أن يرتدع، يسمح الله بأن يمرض 

 
جسديّاً كي لا تبقى صحّته مدعاةً لخطيئته؛ فهو، من جهة، يُبعده عنها لما تذّخره له من عذاب أبديّ، ويحثّه، بطريقة ما، على أن يستشعر خطيئته، ويدفعه إلى التوبة عنها. في هذه الحالة يصير المرض صحّة لأنّه يقودنا إلى التوبة، بينما تغدو الصحّة مرضاً لكونها مَدعاةً للخطيئة وذريعة. إذ من خلال المرض الجسديّ يشفي الله النفس المريضة. وتارةً أخرى يسمح الله بالشرور الطبيعيّة كي يمحّص، من جهة، إيمان محبّيه مُبرزاً فضائلهم كنماذج تعليميّة نقتدي بها، مُدَّخراً لهم، من جهة أخرى، أفراحاً وغبطةً أبديّة مضاعفة في الحياة الأخرى، وذلك على غرار ما حصل مع أيّوب الصدّيق.
 
يسعى الله، من خلال هذا النهج، إلى شفاء بصائر البشر وتصحيح معاييرهم تجاه الخير الحقيقيّ والشـرّ الحقيقيّ. فالخير الحقيقيّ ليس سوى الله والشـرّ الحقيقيّ ليس سوى البعد عنه وعن ملكوته، له المجد إلى أبد الدهور، آمين.
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الخامس
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الإبتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصِنا؛ لأنّه سُرَّ بالجسدِ أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهضَ الموتى بقيامتِه المجيدة.
 
قنداق الفصح باللَّحن الثامن
ولَئِن كنتَ نزلتَ إلى قبر يا مَن لا يموت، إلّا أنَّك درستَ قوَّة الجحيم، وقمتَ غالباً أيُّها المسيحُ الإله. وللنسوةِ حاملاتِ الطيبِ قلتَ افرحنَ، ولِرسُلِكَ وَهبتَ السلام، يا مانحَ الواقعينَ القيام.
 
 
الرِّسالَة
أع 16: 16-33
 
أنتَ يا ربُّ تَحْفَظُنا وَتَسْتُرُنا في هذا الجيل
خلّصْني يا ربُّ فإنَّ البارَّ قَدْ فَنِي
 
 
في تلك الأيّام، فيما نحن الرسُّلَ منطلقون إلى الصلاةِ، استقبلَتْنا جاريةٌ بها روحُ عرافةٍ، وكانت تُكسِبُ مواليَها كسباً جزيلاً بعرافتها. فطفقت تمشي في إثر بولس وإثرنا وتَصيح قائلة: هؤلاءِ الرجالُ هم عبيدُ الله العليّ وهم يبشِّرونكم بطريق الخلاص. وصنعت ذلك أيّاماً كثيرة، فتضجّر بولسُ والتفتَ إلى الروح وقال: إني آمُرُكَ باسم يسوعَ المسيحِ أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة. فلمّا رأى مواليها أنّه قد خرج رجاءُ مكسَبهم قبضوا على بولس وسِيلا وجرُّوهما إلى السوق عند الحُكّام، وقدّموهما إلى الوُلاةِ قائلين: إنّ هذين الرّجلين يبلبلان مدينتنا وهما يهودّيان، ويناديان بعاداتٍ لا يجوز لنا قَبولُها ولا العملُ بها إذ نحن رومانيّون. فقام عليهما الجمعُ معًا، ومزّق الوُلاةُ ثيابَهما وأمروا أن يُضرَبا بالعِصِيّ. ولمّا أثخنوهما بالجراح ألقَوهما في السجن وأوصَوا السّجّانَ بأن يحرسَهما بضبط. وهو، إذ أُوصِيَ بمثل تلك الوصيّة، ألقاهما في السجن الداخليّ وضَبَطَ أرجُلهما في المِقطرة. وعند نصف الليل كان بولسُ وسِيلا يصلّيان ويسبّحان الله والمحبوسون يسمعونهما. فحدثت بَغتةً زلزلةٌ عظيمةٌ حتّى تزعزعت أُسُسُ السجن، فانفتحت في الحال الأبوابُ كلُّها وانفكّت قيودُ الجميع. فلمّا استيقظ السجّان ورأى أبواب السجن أنّها مفتوحة، استلّ السيف وهَمَّ أن يقتل نفسه لظنِّه أنّ المحبوسين قد هربوا. فناداه بولس بصوت عالٍ قائلاً: لا تعمل بنفسك سُوءًا، فإنّا جميعَنا ههنا. فطلب مصباحاً ووثب إلى داخلٍ وخَرَّ لبولسَ وسِيلا وهو مرتعد، ثم خرج بهما وقال: يا سيديَّ، ماذا ينبغي لي أن أصنع لكي أخلص؟ فقالا: آمِن بالربِّ يسوعَ المسيحِ فتخلُصَ أنت وأهلُ بيتك. وكلَّماه هو وجميعَ من في بيته بكلمة الربّ، فأخذهما في تلك الساعة من الليل وغسل جراحهما واعتمد من وقته هو وذووه أجمعون. ثم أصعدهما إلى بيته وقدَّم لهما مائدة وابتهج مع جميع أهل بيته إذ كان قد آمن بالله.
 
الإنجيل
يو 9: 1-38 
 
في ذلك الزمان، فيما يسوعُ مجتازٌ رأى إنساناً أعمى منذ مولده، فسأله تلاميذه قائلين: يا ربّ، مَن أخطأ أهذا أم أبواه حتى وُلد أعمى؟ أجاب يسوع: لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمالُ اللهِ فيه. ينبغي لي أن أعمل أعمالَ الذي أرسلني ما دام نهار، يأتي ليلٌ حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل. ما دمتُ في العالمِ فأنا نورُ العالم. قال هذا وتفل على الأرض وصنع من تفلته طيناً وطلى بالطين عينَي الأعمى وقال له: إذهب واغتسل في بركة سِلوام(الذي تفسيرهُ المرسَل)، فمضى واغتسل وعَاد بصيراً. فالجيرانُ والذين كانوا يرَونه من قبلُ أنّه أعمى قالوا: أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي؟ فقال بعضُهم: هذا هو، وآخَرون قالوا: إنّه يشبهه. وأمّا هو فكان يقول: إنّي أنا هو. فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذلك وقال: إنسانٌ يُقال له يسوع صنع طيناً وطلى عينيّ وقال ليَ اذهب إلى بركة سِلوامَ واغتسل، فمضيت واغتسلت فأبصرت. فقالوا له: أين ذاك؟ فقال لهم: لا أعلم. فأتَوا به، أي بالذي كان قبلاً أعمى، إلى الفرّيسيّين. وكان حين صنع يسوعُ الطينَ وفتح عينيه يومَ سبت. فسأله الفرّيسيّون أيضاً كيف أبصر، فقال لهم: جعل على عينيَّ طيناً ثمّ اغتسلتُ فأنا الآن أُبصر. فقال قومٌ من الفرّيسيّين: هذا الإنسانُ ليس من الله لأنّه لا يحفظ السبت. آخَرون قالوا: كيف يقدر إنسانٌ خاطىءٌ أن يعمل مثل هذه الآيات؟ فوقع بينهم شِقاقٌ. فقالوا أيضاً للأعمى: ماذا تقول أنتَ عنه من حيث إنّه فتح عينَيك؟ فقال: إنّه نبيّ. ولم يصدّقِ اليهودُ عنه أنّه كان أعمى فأبصر حتّى دعَوا أبوي الذي أبصر وسألوهما قائلين: أهذا هو ابنُكُما الذي تقولان إنّه وُلد أعمى، فكيف أبصر الآن؟ أجابهم أبواه وقالا: نحن نعلم أنّ هذا وَلَدُنا وأنّه وُلد أعمى، وأمّا كيف أبصر الآن فلا نعلم، أو مَن فتح عينيه فنحن لا نعلم، هو كامل السنّ فاسألوه فهو يتكلّم عن نفسه. قال أبواه هذا لأنّهما كانا يخافان من اليهود لأنّ اليهود كانوا قد تعاهدوا أنّه إنِ اعترف أحدٌ بأنّه المسيحُ يُخرَجُ من المجمع. فلذلك قال أبواه هو كامل السنّ فاسألوه. فدعَوا ثانية الانسانَ الذي كان أعمى وقالوا له: أَعطِ مجداً لله فإنّا نعلمُ أنّ هذا الانسانَ خاطئ. فأجاب ذلك وقال: أخاطئٌ هو لا أعلم، إنّما أعلم شيئاً واحداً، أنّي كنتُ أعمى والآن أنا أُبصر. فقالوا له أيضاً: ماذا صنع بك؟ كيف فتح عينَيك؟ أجابهم: قد أخبرتُكم فلم تسمعوا، فماذا تريدون أن تسمعوا أيضاً؟ ألعلّكم أنتم أيضاً تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟ فشتموه وقالوا له: أنتَ تلميذُ ذاك، وأمّا نحن فإنّا تلاميذُ موسى، ونحن نعلم أنّ الله قد كلّم موسى. فأمّا هذا فلا نعلم مِن أين هو. أجاب الرجلُ وقال لهم: إنّ في هذا عَجبًا أنّكم ما تعلمون من أين هو وقد فتح عينَيّ، ونحن نعلم أنّ الله لا يسمعُ للخطأة، ولكنْ إذا أحدٌ اتّقى الله وعمل مشيئته فله يستجيب. منذ الدهر لم يُسمع أنّ أحدًا فتح عينَي مولودٍ أعمى. فلو لم يكن هذا من الله لم يقدرْ أن يفعلَ شيئاً. أجابوه وقالوا له: إنّكَ في الخطايا قد وُلدتَ بجُملتك، أفأنتَ تعلِّمُنا؟ فأخرجوه خارجاً. وسمعَ يسوعُ أنّهم أخرجوه خارجاً، فوجده وقال: أتؤمن أنتَ بابن الله؟ فأجاب ذاك وقال: فمَن هو يا سيّدُ لأؤمنَ به؟ فقال له يسوع: قد رأيتَه، والذي يتكلّم معكَ هوَ هو. فقال: قد آمنتُ يا ربُّ وسجد له.
 
شرح الرسالة
هذه الجارية الّتي أزعجت الرُّسل تمثّل حالةَ الإنسان الّذي يَسكنُه الشّيطان. كانت تقولُ أشياء تبدو للوهلةِ الأُولى صحيحةً، وفيها إطراءٌ للرُّسُل وإِعجابٌ بهم. ولكنّ الرُّسُلَ أبدَوا في البدءِ لا مُبالاةً بكلامِها، وانزعجوا منها، ثُمّ زجرَها بولُسُ لِتَسكُتَ، لأنّه لا يُريدُ أن يثقَ بشَهادةِ الشّيطان المتكلِّم فيها، لئلًا يَنخدعَ سائرُ المؤمنينَ بشهادتِه.
 
والغريبُ في الأمر أنّ البلبلةَ الّتي كانت تسبِّبُها الجاريةُ، عندما كانت مُنقادةً بروحِ الشّرّ، لم تُزعجِ النّاس؛ ولكن، عندما شُفِيَت من سيطرة الشّرّ عليها، غضبُوا جدًّا وأخذوا الرُّسُلَ إلى الحُكّامِ بِتُهمةِ إحداثِ البَلبَلة. ما السّببُ وراءَ قَلْبِ الحقائقِ بهذا الشّكل؟ حُبُّ المال، الّذي هو سببُ الشُّرُورِ في كُلِّ مكان. غريبٌ أمرُ الإنسان! يَقبَلُ بِسَيطَرَةِ الشَّيطانِ إذا كان في ذلكَ كَسبٌ لِلمال!! وغريبٌ أمرُ الإنسان! يَعتَبِرُ الآخَرِين صالحِينَ طالما أرباحُهُ مضمونة، أمّا إذا كان كلامُهُم أو وُجُودُهُم يُسَبِّبُ لَهُ خَسارةً، فيتحوَّلُونَ في لحظةٍ واحدةٍ إلى كَفَرَةٍ وخَوَنة، ويَستحقّونَ المحاكمةَ والموت.
 
الغَريبُ في الأمرِ أنّ الإنسانَ يعتبرُ المالَ ثروةً، ولا يَعتبرُ نعمةَ الله ثَروة. العَينُ مُظلِمة. البَصيرةُ شرّيرة.
 
وبِالعَودةِ إلى مضمونِ كلام الجارية: إذا كُنتِ تعرفِينَ أنّ هؤلاءِ الرِّجالَ هم "عبيدُ الله العَلِيّ" و"يبشّرونَ بطريقِ الخلاص"، فلماذا لم تتركي عدُوَّ الله وتتبعِيهِم؟! وإذا كانَ أولياءُ أمرِكِ يُؤمنونَ بموهبتِكِ هذه، ويفتخرونَ بكِ، فلماذا لم يتبعوا الرُّسُلَ وتعليمَهُم، تاركِينَ قذارةَ الدُّنيا ورداءةَ الشّرور؟! ولكنْ، لماذا العجَب؟ فالشّيطانُ هذه مواصفاتُه: خَدّاعٌ للنّاس، يَجهَدُ أن يَظهَرَ بصورةٍ بريئةٍ طاهرةٍ منطقيّة، وهو في الواقع مليءٌ خُبثًا وشَرًّا وَبُطْلًا. يَقُولُ عنكَ كلامًا إيجابيًّا مُرِيدًا أن يستغلَّكَ لِمَآرِبِه، فإذا قاومتَ أحابِيلَهُ انقلبَ علَيكَ وراحَ يُشَهِّرُ بِكَ أمامَ المَلأ، مُصَوِّرًا اِيّاكَ خالِيًا مِن كُلِّ قيمة.
 
أمّا بُولُسُ وَسِيلا، شَاهِدا الحَقّ، وَتِلميذا الرَّبِّ يَسُوع، اللَّذانِ لم يَرضَخا للشَّيطان وَلم يَسكُتا عن شَرِّه، فَـ "ضُرِبا بِالعِصِيّ" وَ"وُضِعا في السِّجن" و"حُرِسا بِضَبطٍ شديد". اللافتُ أنّهما لم يُدافِعا عن نفسَيهِما. تحمَّلا الشِّدّةَ وسكَتا عن الظُّلمِ الواقعِ علَيهِما. ألَم يُظلَم مُعلِّمُهما قبلًا؟! ألَم يُضرَبْ بالسِّياطِ وهو بريءٌ مِن كُلِّ إثم؟!
ولكنّ لله طُرُقًا عجيبة، فإنّه كُلَّما عَظُمَ الشَّرُّ عَظُمَتْ رحمتُه. فلَو لَم يَكُنِ السِّجنُ بهذا الضَّبط لما ظَهَرَتْ قوّةُ الأعجوبة. إذْ حدثَتْ نحوَ مُنتَصَفِ الليلِ "زلزلةٌ عظيمة حتّى تزعزعَتْ أساساتُ السِّجن، وانفتحَتْ لِلحالِ الأبوابُ كُلُّها، وانفَكَّتْ قُيُودُ الجميع". يقولُ القدّيسُ يوحنّا الذّهبيُّ الفَمِ في شَرحِهِ هذا النّصّ: "حصلَتْ زَلزلةٌ لكي يستيقظَ السَّجّان، وانفتحَتْ أبوابُ السِّجنِ لكي يتعجّبَ مِن الحَدَث، لكنّ المسجونينَ لم يَرَوا الأبوابَ مفتوحةً، وإلّا لكانوا هَرَبُوا كُلُّهم".
 
شَهامةُ بُولُسَ الرّسولِ ظَهَرَتْ في أنّه لم يستغلَّ انفتاحَ الأبواب لِيَهرُب، وذلك حِرصًا مِنهُ على السَّجّان، لأنّ هذا الأخيرَ كان لِيَقتُلَ نَفسَه. وفي اللحظةِ المُناسِبةِ صَرَخ له بُولُس: "لا تَعمَلْ بِنَفسِكَ سُوءًا فإنَّنا جميعَنا ههُنا".
 
وشَهامتُهُ الرَّسُولِيّةُ جَعَلَتْهُ لا يَأبَهُ لِجِراحاتِهِ وتَعَبِهِ الشَّديد وحاجتِهِ الماسّةِ إلى الرّاحة، بَل أمضى الليلَ كُلَّهُ يُبَشِّرُ السَّجّانَ وأهلَ بَيتِه، مُهتَمًّا بِضَمِّهِم إلى مَوكِبِ الخلاص. وبعدَ ذلك بولس وسِيلا أعطَياهُم سِرَّ المعموديّةِ المقدّس.
 
 
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies