الكرمة - الأحد 24 نيسان 2016

الأحد 24 نيسان 2016
العدد 17
 
أحد الشَّعَانِين
 
* 24: البارَّة اليصابات العجائبيّة، الشَّهيد سابا، * 25: الإثنين العظيم، الرَّسول مرقس الإنجيليّ، * 26: الثلاثاء العظيم، الشَّهيد فاسيلافس أسقف أماسية، * 27: الأربعاء العظيم، الشَّهيد في الكهنة سمعان نسيب الرَّبّ،
* 28: الخميس العظيم، التسعة المستشهَدون في كيزيكوس، * 29: الجمعة العظيم، الرَّسولان ياسنوس وسُوسِيباترس ورفقتهما، * 30: سبت النور، الرَّسول يعقوب أخو يوحنَّا الثاولوغوس.
 
الآلام والشعانين
معنى الكلمة أوجاع، وأيضًا معناها أهواء أو شهوات كما في الجملة المرتّلة:"منذ شبابي آلام كثيرة تحاربني."الكلمة في الأصل اليونانيّ pathy هي، في اللغة الإنكليزية،passions وتُفيد المعنيَين: أوجاع وشهوات.
 
نعم آلام المسيح هي أوجاعه ولكن، في الوقت نفسه، شهواته وهي غير شهواتنا.
شهوته هي أن يعمل إرادة أبيه وأن يحبّنا حتّى الموت. قالها يوحنّا الإنجيليّ قبل العشاء السرّيّ الأخير مع التلاميذ: "إذ كان قد أحبّ خاصّته الذين في العالم أحبّهم حتى النهاية" (يوحنا 13: 1).
 
أمّا شهواتنا نحن فهي عمل الخطيئة بداعي لذّة الجسد. لذلك ينتقي الرهبان هذا الشعار في حياتهم: "من مات قبل أن يموت لن يموت عندما يموت"؛ والموت هنا هو عن الشهوات الضارّة. كيف يكون ذلك؟ يعطي أحد الآباء الحلّ أو العلاج: "حبّ يسوع المسيح قد أخمد حبّ لذة الجسد"، هذا ما يقدّمه السلّميّ كدواء ضدّ الخطيئة، إذ يقترح علاج الخطيئة بعمل الفضيلة المعاكس.
 
* * *
ها أحد الشعانين قد أتى اليوم ومعه بَدءُ أسبوع الآلام. كلمة هوشعنا آراميّة وتعني يا ربّ خلّص، راجع (المزمور 117/118: 25) "آه يا ربّ خلّص آه يا ربّ أنقذ، مبارك الآتي باسم الربّ". في هذا اليوم نستقبل المسيح كملك "هوذا ملككِ يأتيك راكباً على جحش" (زكريّا9: 9). هنا، إذاً، استحضار سابق لقيامة الربّ يسوع، وذلك
 بذكر قيامة لعازر إذ نرتّل في الزيّاح "أيّها المسيح الإله لمّا أقمت لعازر من بين الأموات قبل آلامك حقّقت القيامة العامّة...". غدًا نبدأ نرتّل "ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل..." ومعناه ها العريس يأتي. هذا العرس السرّيّ يتمّ بموت الربّ وقيامته، لأنّ موت المخلّص هو اتّحاده بالكنيسة العروس. لذا، تلاحظون مثلاً أنّه، إذا كان الميت المؤمن شابًّا فالشعب يشيّعه في تابوت أبيض اللون محاطٍ بالورود، وكأنّه ذاهب إلى عرس المسيح.
 
إنّ دخول يسوع إلى أورشليم اليوم راكباً على جحش هو دخوله إلى الآلام وإلى ملكوته. يدخل إلى قلوب محبّيه بتواضع الموت ولكن، في الوقت نفسه، بفرح عظيم. نرتّل في صلاة المساء "اليوم نعمة الروح القدس جمعتنا وكلُّنا نرفع صليبك ونقول: مبارك الآتي باسم الربِّ أوصنّا في الأعالي".
 
وفي صلاة السحر، الأودية التاسعة، نرتّل "الله الربّ ظهر لنا فأقيموا العيد وابتهجوا وهلمّوا بنا نعظّم المسيح، وبسعف وأغصان نهتف نحوه بالتسابيح قائلين: مبارك الآتي باسم الرب مخلّصنا".
 
نشيد النصر هو ذاته نشيد الآلام التي بها يدخل يسوع إلى أورشليم السماوية ويُدخلنا معه. أتى ليُصلب ويموت ويقوم في اليوم الثالث.
 
"دُفنّا معه بالمعموديّة للموت حتّى، كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة" (رومية 6: 4).
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
* * *
 
طروباريَّة الشَّعَانين باللَّحن الأوَّل
أيُّها المسيحُ الإله، لـمَّا أقَمتَ لعازَرَ مِنْ بينِ الأمواتِ قَبْلَ آلامِكَ، حَقَّقْتَ القِيامَةَ العامَّة. لذلِكَ، وَنَحْنُ كالأطفالِ، نَحْمِلُ علاماتِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ صارِخِينَ نحوكَ يا غالِبَ الموت: أوصَنَّا في الأعالي، مُبارَكٌ الآتي باسمِ الرَّبّ.
 
قنداق أحد الشَّعَانِين باللَّحن السَّادِس
يَا مَنْ هُوَ جَالِسٌ على العَرْشِ في السَّماء، وراكِبٌ جَحْشًا على الأرض، تَقَبَّلْ تَسابيحَ الملائِكَةِ وتماجِيدَ الأطفال، هاتِفينَ إليكَ: أَيُّها المسيحُ الإله، مبارَكٌ أنتَ الآتي، لِتُعِيدَ آدَمَ ثانِيَةً.
 
 
الرِّسَالَة
فيليبِّي 4: 4-9
 
مُبَارَكٌ الآتِي باسْمِ الرَّبّ
إِعْتَرِفُوا للرَّبِّ فإنَّهُ صالِحٌ وإنَّ إِلى الأبَدِ رَحْمَتَهُ
 
يا إخوةُ، افرَحُوا في الرَّبِّ كلَّ حينٍ وأَقولُ أيضًا اِفرَحُوا، وليَظْهَرْ حِلْمُكُم لجميعِ النَّاسِ فإنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ. لا تَهْتَمُّوا البَتَّةَ بَلْ في كلِّ شيءٍ فلتَكُنْ طَلِبَاتُكُم مَعْلُومَةً لدى اللهِ بالصَّلاةِ والتَّضَرُّعِ مع الشُّكْرِ. وليَحْفَظْ سلامُ اللهِ الَّذي يَفُوقُ كُلَّ عقلٍ قلوبَكُم وبصائِـرَكُم في يسوعَ المسيح. وبَعْدُ، أَيُّها الإخوةُ، مهما يَكُنْ مِنْ حَقٍّ ومهما يَكُنْ من عَفَافٍ، ومهما يَكُنْ من عَدْلٍ، ومهما يَكُنْ من طَهَارَةٍ، ومهما يَكُنْ من صِفَةٍ مُحَبَّبَةٍ، ومهما يَكُنْ من حُسْنِ صيتٍ، إِنْ تَكُنْ فَضِيلَةٌ، وإِنْ يَكُنْ مَدْحٌ، ففي هذه افتَكِرُوا. وما تَعَلَّمْتُمُوهُ وتَسَلَّمْتُمُوهُ وسَمِعْتُمُوهُ ورَأَيْتُمُوهُ فِيَّ فَبِهَذا اعْمَلُوا. وإِلَهُ السَّلامِ يكونُ معكُم.
 
 
الإنجيل
يو 12: 1-18
قبلَ الفصحِ بستَّةِ أيَّامٍ، أَتَى يسوعُ إلى بيتَ عَنْيَا حيثُ كانَ لَعَازَرُ الَّذي ماتَ فأَقَامَهُ يسوعُ من بينِ الأموات. فصَنَعُوا لهُ هناكَ عشاءً، وكانت مرتا تخدِمُ وكان لَعَازَرُ أَحَدَ الـمُتَّكِئِينَ معه. أَمَّا مريمُ فَأَخَذَتْ رَطْلَ طيبٍ من نارَدِينٍ خالِصٍ كثيرِ الثَّمَنِ ودَهنَتْ قَدَمَيْ يسوعَ ومَسَحَتْ قدمَيْهِ بشعرِها، فامْتَلأَ البيتُ من رائِحَةِ الطِّيب. فقالَ أَحَدُ تلاميذِه، وهو يهوذا بنُ سمعانَ الإسخريوطيُّ، الَّذي كانَ مُزْمِعًا أَنْ يُسْلِمَهُ: لِمَ لَمْ يُبَعْ هذا الطِّيبُ بثلاثِمئةِ دينارٍ ويُعْطَ للمَساكين؟ وإنَّما قالَ هذا لا اهتمامًا منهُ بالمساكينِ بل لأنَّهُ كانَ سارِقًا، وكانَ الصُّنْدُوقُ عِندَهُ، وكانَ يحمِلُ ما يُلْقَى فيه. فقالَ يسوعُ: دَعْهَا، إنَّما حَفِظَتْهُ ليومِ دَفْنِي. فإنَّ المساكينَ هم عندَكُمْ في كلِّ حينٍ وأمَّا أنا فلستُ عندَكُمْ في كلِّ حين. وعَلِمَ جمعٌ كثيرٌ من اليَهُودِ أنَّ يسوعَ هناكَ فجاؤوا، لا مِنْ أَجْلِ يسوعَ فقط، بل لِيَنْظُرُوا، أيضًا، لَعَازَرَ الَّذي أقامَهُ من بينِ الأموات. فَتَآمَرَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ أنْ يَقْتُلُوا لَعَازَرَ أيضًا، لأنَّ كثيرين من اليهودِ كانوا بسبَبِهِ يذهبونَ فيؤمِنُونَ بيسوع. وفي الغَدِ، لـمَّا سَمِعَ الجَمْعُ الكثيرُ، الَّذينَ جاؤُوا إلى العيدِ، أنَّ يسوعَ آتٍ إلى أورشليمَ، أَخَذُوا سَعَفَ النَّخْلِ وخرَجُوا للقائِهِ وهم يصرُخُونَ قائِلِينَ: هُوشَعْنَا، مُبَارَكٌ الآتي باسمِ الرِّبِّ ملكُ إسرائيل. وإِنَّ يسوعَ وَجَدَ جَحْشًا فَرَكِبَهُ كما هوَ مَكتوبٌ: لا تخافي يا ابنةَ صِهْيَوْن، ها إِنَّ مَلِكَكِ يأتيكِ راكِبًا على جحشٍ ابنِ أَتان. وهذه الأشياءُ لم يَفْهَمْهَا تلامِيذُهُ أوَّلًا، ولكن، لـمَّا مُجِّدَ يسوعُ، حينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أنَّ هذهِ إنَّما كُتِبَتْ عنهُ، وأنَّهُمْ عَمِلُوها لهُ. وكانَ الجمعُ، الَّذينَ كانوا معهُ حين نادَى لَعَازَرَ من القبرِ وأقامَهُ من بين الأمواتِ، يَشْهَدُونَ لهُ. ومن أجلِ هذا استقبَلَهُ الجَمْعُ لأنَّهُم سَمِعُوا بأنَّهُ قد صَنَعَ هذهِ الآيَة.
 
 
في الإنجيل
 
في قصّة داود الملك، نجد أنّ الرّبّ، الذي "ندم أنّه ملّك شاول على إسرائيل"، قد طلب من النّبيّ صموئيل أن يمسح داود ملكًا (الإصحاح 16). فمسح بنو يهوذا داود ملكًا عليهم في حبرون (صموئيل الثّاني 2). واندلعت الحرب بين داود وبيت شاول. وبعد مقتل أبنير قائد جيش شاول وإشبعل ابن شاول الأخير، رضي جميع أسباط إسرائيل بتملّك داود عليهم، "ومسحوا داود ملكًا على إسرائيل" (3:5). وكان أوّل عمل قام به داود، أن استولى على أورشليم لتكون عاصمة له.
 
ومرّت الأيّام، ونبذ الله بيت آحاب ملك إسرائيل، الذي جرّ مع زوجته إيزابيل شعب المملكة إلى إثم عبادة البعل. وأمر الله بمسح القائد ياهو ليملك على إسرائيل بدلاً من يورام بن آحاب. فمُسح ياهو؛ ولكنّه كان بحاجة أن يُبيد يورام وسائر بيت آحاب ليملك مكانه (الملوك الثّاني 9 و10). إذًا، إنّ تأسيس بيت ملوكيّ جديد يتمّ عبر ثلاث مراحل: المسحة، النصرة، اعتلاء العرش.
 
ويسوع النّاصريّ مُسح أوّلاً ملكاً. فقد مسحه الله بالرّوح القدس وهو يتقبّل في الأردنّ معموديّة يوحنّا. ثمّ جال يبشّر بـ "ملكوت الله" ويطرد الشّياطين محرّرًا النّاس من سلطان "رئيس هذا العالم". وكانت هذه الأعمال الخلاصيّة تمهيدًا للمعركة الأساسيّة حين جابه المسيحُ الموت وحطّم أبواب الجحيم؛ إذ أقامه الله من الموت مانحًا إيّاه الغلبة، وأجلسه عن يمينه، على العرش السّماويّ، ربًّا وملكًا على الخليقة كلّها. وستكتمل الغلبة يوم مجيئه الثّاني المجيد حين تتمّ إبادة الموت وبعث الأموات، ويدخل الأبرار إلى فرح ربّهم، مشاركين في ملكوته السّماوي، متلألئين كالشّمس من البهاء الإلهيّ الذي يفيض عليهم ومنهم.
يسوع، وهو عارف أنّه "إنّما جاء ليبذل حياته فداء عن كثيرين"، قد أخبر تلاميذه ثلاثًا، وهم صاعدون إلى أورشليم، أنّه سيُصلب وسيقوم في اليوم الثّالث. وكأنّه يقول لهم: لست داخلاً إلى أورشليم الأرضيّة، العاصمة الداوديّة، لأقيم، على غرار داود، مملكة أرضيّة محرّرًا إيّاكم من الحكم الرّومانيّ، بل لأخوض فيها معركتي ضدّ الموت وأغلبه وأقوم، وأدخل إلى مدينتي الملوكيّة، أورشليم السّماويّة. وستكونون في طليعة موكبي الظّافر في مجيئي، وأُدخلكم معي إلى ملكوت الله، إلى أورشليم السّماويّة.
 
وأراد يسوع أن يكون دخوله إلى أورشليم دعوة لها لاقتباله ملكًا عليها، فيكون لأبنائها نصيب في ملكوته. إنّها دعوته الأولى "توبوا فقد اقترب ملكوت الله" تدوّي ثانية من خلال دخوله أورشليم في "موكب ملوكيّ"، ولئن خلا من الجند الأرضيّين!
 
فحين علم رؤساء الجند أنّ ياهو قد مُسح ملكًا، "أسرعوا وأخذ كلّ رجل رداءه وجعله تحته عند أعلى المنصّة، ونفخوا في البوق وقالوا: "قد ملك ياهو". (2 ملوك 13:9)". وتلميذا يسوع "أتيا بالجحش إلى يسوع، وألقيا عليه ثيابهما فجلس عليه. وكثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق وقطعوا أغصانًا من الشّجر". إنّه موكب ملوكيّ. ويتابع الإنجيليّ مرقس: "والذين تقدّموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرّبّ! مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرّبّ! هوشعنا في الأعالي!" (الإصحاح 11).
 
لقد دخل المسيح الملك، ابن داود، عاصمته الملوكيّة في موكب ملوكيّ. فكان جوابهم، كجواب الكرّامين في المثل الذي قاله يسوع، "هوذا الوارث! هلمّ نقتله ونستولي على ميراثه". بعض هؤلاء الذين صرخوا اليوم "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرّبّ!"، سيصرخون غدًا: "إرفعه ارفعه، إصلبه اصلبه".
 
ونحن، الذين احتفلنا اليوم صارخين: "هوشعنا في الأعالي! مبارك الآتي باسم الرّبّ!"، أما نتبعه كبرتيماوس الأعمى الذي شُفي، في الطريق، طريق الصّليب، على رجاء مشاركته في قيامته في يوم مجيئه؟! له المجد إلى الأبد، آمين.
 
 
الأسبوع العظيم… حياتنا!
 
يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا" (متّى ٢٣: ٣٧). أورشليمُ تلكَ المدينة التي فيها ماتَ المسيحُ، وفيها قُبرَ وقامَ! أورشليمُ اليومَ أضحت مُشتهىً لكلَّ مسيحيّ، لأنها أَصبحت صورةً عن أُورشليمَ العُلوِيّةِ، التي يصِفُها سفرُ الرؤيا بأنَّها المدينةُ المقدّسةُ النازلَةُ من السَّماءِ، من عندِ اللَّه كعروسٍ مُزيّنةٍ لعريسِها. الْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ  إِلَى الشَّمسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا (رؤيا ٢٣:٢١).
 
أُورُشَلِيمُ أضحت المُشتهى في كلّ سَنة حيثُ نَرتقي شيئاً فشيئاً، لكي تُصبِح كلُّ هذهِ الصَّلوات والأدعيةِ والأصوامِ مِرقاةً بها نرتقي إليه لكي نَرنو إلى المُشتهى، أي أن نُضحيَ من وليمةِ الخروفِ في ملكوتهِ. حبّذا لو كلّ مسيحي يتحرّر من العادةِ وتُصبحُ صلواتُنا تدريباً على خُطى الملائكةِ الذين لا ينفكُّونَ عن تسبيحِ إِلهِ المجدِ فننتقلَ من مجدٍ إلى مجدٍ. هذا هو الفصحُ: إنَّه "النورُ المُضيءُ للجميع" كما نقول في قدّاس البروجزماني أي السَّابق تقديسه "نور المسيح مضيءٌ للجميع".
 
مسيرةُ الكنيسةِ على الأرضِ بصلواتها وليتورجيتها ليست مسيرةً أرضيّة ولو بَدَت لنا هكذا! ،"لا"، هي مسيرةُ تدريبٍ، بالليّنِ أَحيانًا والقَسوةِ أحياناً أُخرى. نحن نتدرَّب من هُنا لكي نُكمِلَ المسيرةَ هناكَ حيثُ أَجواقُ الملائكةِ والقدّيسينَ. مسيرةُ الكنيسةِ مسيرةُ صلبٍ للذّات عن الأنا والشهواتِ لكي ننعتقَ من كلِّ اهتمامٍ دنيويّ "كونَنا مُزمعينَ أن نستقبلَ ملكَ المجدِ".
 
من يغلب معي" كما يقول سفر الرؤيا(٢١:٣)، هو من يرثُ مع الخروفِ في اليوم الأخير. في أَيّامنا فُقِد الصّبر في كلّ حياتِنا من كلَّ جوانِبها: الإِجتماعيةِ والعائليةِ وحتّى الشَّخصيةِ، فكيف بالأحرى سنصبرُ على الشِّدّةِ والضِّيق والأسى، هذه التي تعترض طريقَ حياتنا؟ كيفَ، إِذاً، سنصبرُ على ضُعفنا وشَهواتِنا إِذا لم يقترن ذلك بالرجاء المفتوح أمامَنا رُغمَ كلَّ ضُعفٍ نحنُ فيهِ.
 
كلُّنا لَعازر، كلُّنا أنتَنّا بسببِ الخطئيةِ وكُلّنا بانتظارِ صوتِ المسيحِ لكي يصرخَ في أعماقِ قلوبِنا المُظلمةِ: "يا لعازر هلمَّ خارجاً". في الإثنينِ، قبلَ الشعانين، تقول الخِدَم الليتورجيّة: "أيّها الربّ الصالح دحرِج عن قلبي حجرَ القساوةِ وأَنهض نفسي المُماته بالآلامِ والشَّهوات وأهّلني أن أُقدّم لك بخشوعٍ سُعفَ الفضائلِ".
 
أرأَيتم كيف تعكسُ الكنيسةُ صلواتها على حياتنا؟! الكنيسةُ بخدمِها وليتورجيّتها ليست واجبًا نقومُ به لكي نريح ضميرنا، الكنيسةُ بخبرتِها همُّها هذا الإنسان، هذا الكيان الذي من أجلِهِ صارَ الإلهُ إِنساناً لكي يرفعهُ من القعرِ الذي هو فيه ويطيرَ به إلى أعلى من الشاروبيم! نعم، أنت أيّها المسيحيّ العائشُ اليوم في وسَطِ العالمِ الصَّعب، الفاتر، اُلمضطَّرب؛ وأنت أيّها الإنسانُ الخائِفُ على مستقبلكَ وعائلتكَ وأموالِكَ وعملكَ والشَّريدُ العقل، والمُغوى بشتَّى وسائلِ الإغراءاتِ، الكنسيةُ بصلواتِها وأَصوامِها وتعاليمها تُديرُ البوصَلة التي أنتَ ضائعٌ فيها نحوَ الاتِّجاهِ الصَّحيح. لا التحزُّبات، ولا السِّياسةُ، ولا أيُّ شيءٍ آخر في هذا الدَّهر سوفَ ينتشِلكَ من هذا الجُّبّ العميق الذي أنت فيه سوى الكنيسةِ التي المسيحُ ربَّانها في وسطِ بحرِ هذا العمرِ الهائجِ؛ هو من سيبعثُ فينا الطُّمأنينةَ وراحةَ البال.
 
ها نحنُ، منذ اليوم، صاعدونَ معَ المسيحِ نحو أورشليمَ، وهذا الصُّعود تكبّدَ فيهِ المسيحُ أَلمَ الّموت، ومرارةَ الخيانةِ، لكن من أورشليمَ أيضًا انبعثَ نورُ قيامتهِ. الصُّعودُ إلى إورشليمَ يتطلِّبُ صَبراً على ضُعفِنا، وجِهاداً ضدَّ أَهوائِنا حتّى صلبِ الذَّات الذي سيؤول بِنا إلى الفرحِ والغلبةِ؛ هذه هي مفاعيلُ القيامةِ في حياتنا!
 
مسيرةُ الصَّومِ هي مسيرةُ نورٍ، ومن يتَّبع صلواتهِ يفهم ما أَعنيهِ، خاصَّة خِلالَ قِطَع "الثالوثيَّات"، و"الفوطاغوجيكا" أي الأنوار. الكنيسةُ تدرِّبنا، صَوماً بعد صومٍ، سنةً بعدَ سنةٍ، على أنَّه لا طريق يؤدّي بنا إلى معاينة نور المسيح سوى طريق الجهاد الرّوحيّ، والإمساك عن كلّ ما يؤذي خارجيّاً أم داخليّاً، مقرونةً بالتوبة والإعتراف. عندما نتقبَّل هذا الجِّهاد نستحقّ أن نقول: «إذ قد أكمَلنا الأربعينَ النَّافعةَ للنَّفس فنتوسَّلُ إليكَ يا مُحبَّ البشرِ أن نُشاهدَ سبَّةَ آلامك المقدَّسة»… بعدَ هذا الاعتراف ندخلُ ظُلمةَ الأسبوعِ العظيمِ الذي يختصرُ حالةَ الإنسانِ، بينَ عُقمِ التِّينةِ، وشجاعةِ يوسفَ، وفَقرِ الفضائِلِ، وتوبةِ المرأةِ، وخيانةِ التِّلميذ، والجُحود بينَ الخوف، والموت، والإنتصارِ بالقيامة.
 
عندما نَعي ذلكَ نتشارَك حِسِّيّاً آلامَ المسيح فنبلُغ القيامةَ معهُ. عندها يقوم فينا المسيحُ ويكون العيد هو عيدَنا، عيدَ نهوضِنا من رمسِ الخطيئةِ والأنا والشَّهوات. عِندها نُعيِّد سِرِّيّاً، وفي كلّ فصح نعيِّدهُ ننزع عنَّا وعن قلوبِنا حجرَ الخطيئةِ بالتوبةِ والإمساكِ، هذا الحجرَ الثّقيل الذي زعزعَهُ إيمانُ حاملاتِ الطِّيبِ رغمَ اللَّيلِ والحرسِ والخوفِ!
نطلبُ من الَّلهِ أن يُعطينا إِيماناً وصَبراً على ذواتنا قبلَ الآخَرين لكي ننهضَ من الخطيئةِ المحيطةِ بنا بسهولةٍ، ونصبحَ شُهوداً حقّانيّينَ، في هذا الدَّهرِ الزائفِ، أنَّ المسيحَ سَيسْحَق شرورَهُ وآلامهُ، وبصليبِهِ سيُحطِّمُ أبوابَ الكسلِ والتواني الذي نحنُ فيهِ، ويُنهِضُ فينا الإنسانَ المتجدِّدَ منذُ المعموديةِ، فيقوم المسيحُ النَّائمُ في ضميرِ هذا العالم، وفي ضميرِ كلِّ مسيحيٍّ يعي مسيحيّتهُ.
 
"يقول الشاهد بهذا: نعم أنا آتي سريعا. آمين. تعالَ أيّها الربُّ يسوع" (رؤ ٢٠:٢٢).
 
 
أخبـــارنــــا
برنامج صلوات الأسبوع العظيم المقدَّس لسيادة راعي الأبرشيَّة
 
* الأحد: صلاة الخَتَن الأُولى في كنيسة مار ميخائيل – مركبتا، السَّاعة السَّادِسَة مساءً.
* الإثنين: القدَّاس البروجيزماني في دير القدِّيس جاورجيوس الكفر – أميون، عند السَّاعة 10.00 قبل الظهر. ثمّ صلاة الختن الثَّانية في كنيسة النبيّ الياس - الميناء الساعة السادسة مساءً.
* الثّلاثاء: القدَّاس البروجيزماني في دير رقاد السَّيِّدة – بكفتين، السّاعة العاشرة قبل الظهر. ثمّ صلاة الختن الثّالثة في كنيسة القديّس يعقوب أخي الرّبّ – كفرحزير، السّاعة 6.00 مساءً.
* الأربعاء: القدَّاس البروجيزماني عند السّاعة العاشرة قبل الظهر في دير الشَّفيعة الحارَّة- بدبَّا. ثم صلاة تقديس الزَّيت في رعيَّة مار جرجس – كفرحبو، السّاعة الخامسة مساءً.
* الخميس: غسل الموائد وقدّاس القدّيس باسيليوس الكبير في كنيسة القدِّيس جاورجيوس- أنفه، السّاعة الثّامنة صباحًا. ثمَّ خدمة الآلام في كنيسة القدِّيسَين سرجيوس وباخوس- كوسبا الساعة السَّابعة مساءً.
* الجمعة: السَّاعات الملوكيَّة وإنزال المصلوب في دير مار يعقوب – ددّه، السّاعة الثّامنة صباحًا. ثمّ خدمة جنَّاز المسيح في كنيسة مار جرجس - أميون غربي، السّاعة الخامسة مساءً.
* سبت النُّور: قدَّاس سبت النُّور السّاعة العاشِرَة قبل الظهر، في كنيسة القدّيس جاورجيوس – الميناء.
* أحد الفصح المقدَّس: قدَّاس العيد في كاتدرائيَّة القدِّيس جاورجيوس- طرابلس، السّاعة الخامسة صباحًا (الهجمة)، ثمّ صلاة السَّحَر فالقدَّاس الإلهيّ.
* إثنين الباعوث: سواعي الفصح والقدَّاس الإلهيّ في دير سيِّدة البلمند البطريركيّ، السَّاعة الثَّامنة والنّصف صباحًا.
 
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies