الكرمة - الأحد 28 حزيران 2015

 
الأحد 28 حزيران 2015          
العدد 26
 
الأحد الرَّابِع بعد العَنْصَرَة
اللَّحن الثَّالِث   الإيوثينا الرَّابِعَة
 
* 28: نقل عظام كيرُس ويوحنَّا العادِمَا الفضَّة. * 29: بطرس وبولس هامتا الرسل. * 30: تذكار جامع للرُّسُل الإثنَي عَشَر. * 1: الشَّهيدان قزما وداميانوس الماقِتَا الفضَّة. * 2: وضع ثوب والدة الإله في فلاشرنس.              * 3: الشَّهيد ياكِنْثُس، أناطوليوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة. * 4: القدِّيس أندراوس الأورشليميّ رئيس أساقفة كريت، أندره روبلاف.
 
بطرس الحبيب
إنَّنا باختتامنا الصَّوم الرَّسوليّ، اليوم، الَّذي يُعَدُّ من أقدم الصِّيامات في الكنيسة، نعيِّدُ غدًا للكوكبَين النَّيِّرَيْن هامَتَي الرُّسل بطرس وبولس مؤسِّسَي كرسيِّنا الأنطاكيّ. يقول أحد القدِّيسين إنَّ الشَّيطان عندما سمع الرَّبَّ يسوع يقول لبطرس: "أنت الصَّخرة وعلى هذه الصَّخرة سأبني كنيستي" (متَّى١٦ : 8)، أعلن (أي الشَّيطان) الحرب على بطرس. 
 
من جملة الهفوات الَّتي صنعَها بطرس الرَّسول في ليلة التسليم ما حدث معه لمّا قال الرَّبّ: "كلّكم تشكُّون فيَّ في هذه اللَّيلة"، فعارض بطرس سيّده بقوله: "إن شكَّ فيكَ الجميع فأنا لا أشكّ أبدًا" (متَّى ٣١:٢٦-٣٢). إنّ بطرس، بقوله هذا، اعتبر نفسه أرفع شأنًا من باقي التَّلاميذ. فهاتَان الهفوتَان، أي معارضة قول المسيح عن تبدُّد التَّلاميذ كالخراف والتَّعالي على التَّلاميذ، تكلَّلَتَا بخطيئة كُبْرَى وهي إنكار المسيح ثلاثًا. سقط بطرس أكثر من الكلّ، ولكنَّه باتِّضَاعِه أكثر من كلّ التَّلاميذ ظهر أكثر رِفْعَة. كيف؟. عندما أَدَانَ نفسه، من خلال تألُّمِهِ وتوبتِه، "بكى بكاءً مُرًّا" (متّى٧٥:٢٦). والدَّواء الَّذي جلب المغفرة كان الدُّموع، فـ"القلب المتخشِّع والمتواضِع لا يرذُلُهُ الله" (مزمور١٧:٥٠). "لأنَّ الحزن بمشيئة الله ينشِئ توبةً للخلاص" (٢كورنثوس ١٠:٧). 
 
إنَّ مَنْ ينظُرُ إلى بطرس النَّادِم يرى أنَّه لم يُشْفَى فقط من خـطيـئة إنكاره للمسيح، وإنَّما اسْتَأْصَلَ من نفسه الشَّهوة الَّتي جَعَلَتْهُ يسقُطُ أكثر من الكلّ.
 
أرادَ الرَّبُّ أن يُظْهِرَ للكلِّ أهمِّيَّة التَّوبة، وكيف يتحوَّل الإنسان من شيء إلى شيء آخَر. لذلك، من بعد آلامه الخلاصِيَّة وقيامته المُحْيِيَة، في اليوم الثَّالِث، استعمل هذه الكلمات مع بطرس سائلًا إيَّاه: "يا سمعان ابن يونا أَتُحِبُّنِي أكثر من هؤلاء؟" (يوحنَّا ١٥:٢١). "أكثر من هؤلاء" أي أكثر من باقي التَّلاميذ. فانظروا إلى أيَّة درجة من درجات التَّواضع وَصَلَ بطرس، إذ أجابَ المسيح قائلا له: "نعم يا ربُّ أنت تعلم أنِّي أُحِبُّك" (يوحنَّا ١٥:٢١)، ولم يقل: "أنا أحبُّك أكثر من هؤلاء". وقد أعاد الرب سؤاله لبطرس ثلاث مرَّات، ليس لأنَّ بطرس لم يكن صادِقًا أو غير متأكِّد أنّ بطرس يقول الحقيقة، بل ليدع التَّلاميذ الآخَرِين يلمسون، يسمعون ويرون كيفيَّة تحوِّل الإنسان من الأنا والخطيئة إلى التَّواضع والتَّوبة، وذلك كلّه بواسطة الألم والدُّموع. 
 
فها هو القدِّيس الرّسول بطرس، هامة الرُّسل وحبيب المسيح، يرينا الطَّريق اليوم، وهو مِثَال لنا نقتدي به مع القدِّيس الرَّسول بولس، فنسير وراءهما في الطَّريق الضِّيِّق الَّتي سلكاها لكي نسمع، في نهايته، صوت الحبيب القائل: "رِثُوا المُلْكَ المُعَدَّ لكم منذ إنشاء العالم" (متَّى٣٤:٢٥). آمين.
 
طروباريَّة القيامة     باللَّحن الثَّالِث
لِتَفْرَحِ السَّمَاوِيَّات، وَلْتَبْتَهِجِ الأَرْضِيَّات، لِأَنَّ الرَّبَّ صَنَعَ عِزًّا بِسَاعِدِهِ، وَوَطِئَ الْمَوْتَ بِالْمَوْتِ، وَصَارَ بِكْرَ الأَمْوَاتِ، وَأَنْقَذَنَا مِنْ جَوْفِ الجَحِيمِ، وَمَنَحَ الْعَاَلَمَ الرَّحْمَةَ العُظْمَى.
 
القنداق    باللَّحن الثَّاني
يا شفيعَةَ المَسيحيِّينَ غَيْرَ الخازِيَة، الوَسِيطَةَ لدى الخالِقِ غيْرَ المَرْدُودَة، لا تُعْرِضِي عَنْ أَصْوَاتِ طَلِبَاتِنَا نَحْنُ الخَطَأَة، بَلْ تَدَارَكِينَا بالمَعُونَةِ بِمَا أَنَّكِ صَالِحَة، نَحْنُ الصَّارِخِينَ إِلَيْكِ بإيمانٍ: بَادِرِي إلى الشَّفَاعَةِ، وأَسْرِعِي في الطَّلِبَةِ يا والِدَةَ الإِلهِ، المُتَشَفِّعَةَ دائمًا بِمُكَرِّمِيكِ.
 
الرِّسَالَة
رو 6: 18-23
رَتِّلُوا لِإِلَهِنَا رَتِّلُوا
يَا جَمِيعَ الأُمَمِ صَفِّقُوا بِالَأَيادِي
 
يا إخوةُ، بعدَ أنْ اُعْتِقْتُم من الخطيئَةِ أصبحتُم عبيدًا للبِرِّ. أقولُ كلامًا بشريًّا من أجل ضُعفِ أجسادِكُم. فإنَّكُم كما جَعَلْتُم أعضاءَكُم عبيدًا للنَّجَاسَةِ والإثمِ للإثم، كذلك الآنَ اجْعَلُوا أعضاءَكم عبيدًا للبِرِّ للقَدَاسَة. لأنَّكُم حينَ كُنْتُم عبيدًا للخطيئةِ كُنْتُم أحرارًا منَ البِرّ. فَأَيُّ ثَمَرٍ حَصَلَ لَكُم من الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحْيُونَ مِنْهَا الآن. فإنَّمَا عَاقِبَتُهَا الموت. وأمَّا الآن، فإذ قد أُعْتِقْتُم من الخطيئةِ واسْتُعْبِدْتُم لله، فإنَّ لكم ثَمَرَكُم للقَدَاسَة. والعَاقِبَةُ هي الحياةُ الأبديَّة، لأنَّ أُجْرَةَ الخطيئةِ موتٌ وموهِبَةُ اللهِ حياةٌ أبديَّةٌ في المسيحِ يسوعَ ربِّنَا.
 
الإنجيل
متَّى 8: 5-13 (متَّى 4)
 
فـي ذلـكَ الـزَّمانِ، دخـلَ يـسوعُ كـفرنـاحـومَ، فَـدَنَـا إلـيـهِ قـائِـدُ مئةٍ وطَلَبَ إليهِ قائلًا: يا ربُّ، إنَّ فَتَايَ مُلقًى في الـبـيتِ مُخَـلَّـعٌ يُعَذَّبُ بعذابٍ شديد. فقالَ لهُ يسوع: أنا آتي وأَشْفِيه. فأجابَ قائدُ المئةِ قائلًا: يا ربُّ، لستُ مُسْتَحِقًّا أن تدخُلَ تحتَ سقفي، ولكنْ قُلْ كلمةً لا غيرَ فيبرأَ فَتَايَ، فإنِّي أنا إنسانٌ تحتَ سُلْطَانٍ ولي جُنْدٌ  تحتَ يدِي، أقولُ لهذا اذْهَبْ فيذهَبُ وللآخِرِ ائْتِ فيأَتي ولعَبْدي اعْمَلْ هذا فيَعْمَلُ. فلمَّا سَمِعَ يسوعُ تَعَجَّبَ وقالَ للَّذينَ يتبعونَهُ: الحقَّ أقولُ لكم، إنّي لم أَجِدْ إيمانًا بمقدارِ هذا ولا في إسرائيل. أقولُ لكم إنَّ كثيرينَ سَيَأْتُونَ مِنَ المَشَارِقِ والمَغَارِبِ ويَتَّكِئُونَ معَ إبراهيمَ واسحقَ ويعقوبَ في ملكوتِ السَّماوات، وأمَّا بَنُو الملكوتِ فيُلْقَوْنَ في الظُّلْمَةٍ البَرَّانِيَّةِ. هناكَ يكونُ البُكَاءُ وصَرِيفُ الأسنان، ثُمَّ قالَ يسوعُ لقائدِ المِئَةِ: اذْهَبْ ولْيَكُنْ لكَ كما آمَنْتَ. فَشُفِيَ فَتَاهُ في تلكَ السَّاعَة.
 
في الإنجيل
 
"يا ربُّ، لستُ مُسْتَحِقًّا أن تدخُلَ تحتَ سقفي، ولكنْ قُلْ كلمةً لا غيرَ فيبرأَ فَتَايَ".
 
لقد أُعْجِبَ الرَّبّ يسوع بإيمانِ قائدِ المئةِ الوثنِيّ، حيثُ قالَ لتلاميذه ولليهود: "إنّي لم أَجِدْ إيمانًا بمقدارِ هذا ولا في إسرائيل". 
 
يأتي هذا الحدث من ضمن سلسلة الأعمال والعجائب الَّتي بدأ الرَّبّ يسوع يعملها بعد عظته على الجبل، أي بعد أن أَلْقَى على مسامِعِ تابِعِيه الكلمات الإلهيَّة والوصايا الجديدة. المسيحُ عَلَّمَ وعَمِلَ. آمَنَ به النَّاس من كلماته وأفعاله. عَلَّمَ بالكلمةِ وبالأفعال، لأنَّ اللهَ، القادِر، هو أكثر بكثير من معلِّم محترف. إنَّ كلامه يجب أن يكون دائمًا للفِعْل. لهذا، عندما بَدَأَ الرَّبُّ يسوع يعمَلُ الآيات، كان قبل كلِّ آيةٍ (عجيبة) يسأل: "أَتُؤْمِن"، "أَتُرِيد"؟. في حال أنّ الإنسان لا يؤمن أو لا يريد لا تكفي إرادة الله وحدها. إرادة الرَّبّ قادِرَة لكنَّها لا تَعْمَلُ دون الإرادة البـشـريَّة. لغةُ الرَّبِّ هي الجواب على الرَّغبة البشريَّة وليس فرض الأمر الإلهيّ. هذه الموافَقَة البشريَّة على إرادة الكلمة الإلهيَّة الصَّالِحَة تَظْهَرُ في موقفٍ من الحياةِ نسمِّيهِ "الإيمان".
 
الإيمان هو القَنَاة الَّتي تلتَقِطُ مَوْجَات القِوَى الإلهيَّة الفاعِلَة. لكن، الإيمان البشريّ بالله له أشكال عديدة ومتنوِّعَة في عيشِه. أمَّا الإيمان الحقيقيّ، وشكله الصَّحيح الَّذي أحبَّه الرَّبّ يسوع كثيرًا، فكان إيمان قائد المئة. فإيمانه تميَّزَ بظُهُورِ أهمِّ شرطٍ من شروطِ الإيمان الحقيقيّ بالله. تلك الميزة الأساسيَّة هي العبارة الَّتي سَبَقَتْ صرخته "يا سيِّد قُلْ كلمةً لا غيرَ"، أي "يا رّبُّ لستُ مستحِقًّا أن تدخُلَ تحتَ سقفِ بيتِي". هذا هو موقف الإيمان الحقيقيّ بالله وهو عدم استحقاقنا. نحن نؤمن بحقيقة واحِدَة، لكن كعُمْلَة بوجهَيْن. وجهها الأوَّل محبَّة الله وعنايته، ووجهها الثَّاني انكسارنا وعدم استحقاقنا. لذلك، بتواضعٍ يخاطِبُ إيمانُنَا الحبَّ الإلهيّ. دون هذا التَّواضُع نُصَيِّرُ إلهَنَا خادمًا لا سـيِّدًا. "يا سـيِّد لستُ مستحِقًّا"، هذه خلفيَّة الإيمان الحقيقيّ بإلهنا المحبّ للبشر. ومع كلّ صلاة وكلّ طَلَب، يجب أن نُرْفِقَ هذه العِبَارَة. وإيماننا بعدم الاِستحقاق يؤهِّلنا لمعرفة الله الحَقّ. 
 
التَّواضُع هو فاتِحَة الإيمان وأساسه. فامنحنا يا رب تواضعًا مع كلّ صلاة نرفعها إليك لأنَّ "القلب المتخشِّع المتواضِع لا يرذُلُهُ الله". آمين.
 
 
كيف نُحِبُّ وكيف نَتْرُكُ
 
"مَنْ أَحَبَّ أَبًا أو أُمًّا أكثر منِّي فلا يَسْتَحِقُّنِي. ومَنْ أَحَبَّ ابْنًا أو بِنْتًا أكثر منِّي فلا يستحقُّنِي" (متّى 10: 37).
" وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (متّى 19: 29). 
 
للكتاب المقدّس، عمومًا، قراءتان: الأولى حرفيَّة-ناموسيّة، والثَّانية كتابيّة-روحيّة.
 
* الأُولَى، لا تعرِفُ من الكتاب إلَّا حروفًا وكلماتٍ تُسْتَخْلَصُ منها أوامرٌ تُسَمَّى إلهيَّة يُطْلَبُ تنفيذها دون إدراكٍ للمعنى الخَلاصِيّ الكامِن وراء الكلمات والحروف. وكثيرًا ما تُعْتَمَدُ هذه القراءة، للأسف، في بعض خطابات الواعِظِين ومِنْ على المَنَابِرِ الكَنَسِيَّة. قراءةٌ كهذه تشوِّه الكتابَ، وتَنْحَتُ للهِ أصنامًا بعيدةً عن الحقيقة، إذ تحوّله من إلهٍ يَبْغِي شركةَ حياةٍ معنا إلى إلهٍ يُصْدِرُ الأَوَامِرَ، والويلُ والنَّارُ لمن يُخَالِفُهَا. على مِثَالِ هذا الإله يُؤسَّسُ التَّسَلُّطَ على البشر.
 
* الثَّانِيَةُ، تقرأُ الكلماتِ والحروف على ضوءِ فِكْرِ الكتابِ المقدَّسِ وروحِهِ اللَّذَيْن يهدفان إلى كـشفِ الحـيـاةِ الإلهيَّةِ للبشرِ لتكونَ نموذجًا خلاصِيًّا لحياتِهِم وتقديسِهِم. فالكتاب لا يُفْهَمُ إِلَّا بالكتابِ وبالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أَوْحَى به. هذه القراءة تَجْعَلُ من الكتابِ مجالَ شركةٍ وأُلْفَة مع إلهٍ مُحِبٍّ يُعْطِي ولا يأخذُ، يُفِيدُ ولا يَسْتَفِيد. على مِثَالِ هذا الإله تُؤسَّسُ محبَّةٌ للبشر وشركةُ حياة.
 
* تمثِّلُ قراءة هاتَين الآيَتَيْن نموذَجًا واضِحًا لما ذُكِر. قراءةٌ ناموسِيَّة للآية الأُولى (متَّى 10: 37) تقودُنا إلى جَعْلِ محبَّتنا لأهلنا عائقًا أمام محبّتنا لله، وتاليًا إلى وَضْعِ حدود لهذه المحبَّة حتَّى نستحِقّ المسيح. إشكالِيَّاتٌ كُبْرَى تَنْشَأُ عن مِثْلِ هذه القراءة: ما هي حدود محبَّتِي لأَهْلِي؟. كيف أحبُّ المسيحَ أكثر منهم؟. هل هناك قياساتٌ كُبْرَى من المحبَّة يطلُبُهَا اللهُ مِنَّا تُجَاهَهُ تَخْتَلِفُ عن قياساتٍ أُخْرَى أَصْغَر منها نَخُصُّ بها آباءَنا وأُمَّهَاتنا وأبناءَنا؟. هل يبدو لنا المسيح، هنا، بهذه النَّفْعِيَّة الَّتي لا تَحْتَمِلُ أن يكونَ البشرُ محبوبين أكثر منه؟. هل محبَّةُ البشر لآبائهم وأبنائهم تَحُطُّ من قَدْرِ محبَّتِهِم لله؟... أسئلة تُقْلِقُنَا إذا وقفنا عند كلمات هذه الآية وحروفها، وإذا انتزعناها من سياق النَّصِّ الكتابيّ.
 
* قراءةٌ كتابِيَّةُ للآيةِ تُجِيبُ على هذه التَّسَاؤُلات، بل لا تَطْرَحُها أَصْلًا. الإصحاح العاشِر من مَتَّى هو كلامٌ من الرَّبِّ مُوَجَّهٌ إلى الرُّسل لتنبيههم من الاِضطهاداتِ الَّتي سيُعَانُونَ منها خلال تبشيرهم باسمه، ومن التَّضحِياتِ الَّتي يتطلَّبُها هذا التَّبشير. ودافِعُ التَّبشير هو المحبَّةُ والمحبَّةُ فقط، محبَّةٌ للبشر على قدر ما هي محبّةٌ لله، وهدفُه نقل محبَّة الله، الَّتي خَبِرُوهَا في حياتِهم معه، إلى البشرِ أَجْمَعِين. لـيـسَ هـنـاك مـن تَـبَـايُـنٍ أو مُـنَـازَعَةٍ بين محبَّةِ الإنسانِ للإنسانِ ومحبَّةِ الإنسان لله. كِـلَاهُـمَـا انْـعِـكَـاس لمـحـبَّـة الله الَّـتـي سـكـبَـهَـا علـيـنـا. "أَحِـبُّـوا بـعـضُكُـم بـعـضًـا كـمـا  أنـا  أحــبـبـتُـكُـم" (يـوحـنَّـا 13: 34)؛ "لــتــكــونَ فـيـهـم المحبَّةُ الَّتي أحببتَني إيّاها" (يوحنّا 17: 26). وإذا لم تكن هكذا فستكون محبَّةً نفعِيَّةً والنَّفعِيَّةُ نقيضةُ المسيح. صاحبُهَا لا يبشِّرُ إلَّا بذاته ولا يُحِبُّ إلَّا ذاته. من يرى في الأب والأمِّ والأبناءِ امتدادًا لذاتِه هو يحبُّهُم أكثر من المسيح، لأنَّه يحبُّ ذاتَه أكثر من المسيح.
 
*في الآية الثَّانِيَة (متّى 19: 29) الطَّلَبُ أكثرُ قساوة من الأولى. هنا يطلُبُ المسيحُ منك لا أن تُحِبَّ أهلك أقلّ بل أن تتركَهُم. القراءةُ الكتابيّة لهذه الآية تُكْمِلُ فهمَنَا للآية الأُولى. السِّياقُ الَّذي وَرَدَتْ فيه هذه الآية هو الَّذي يُقْصِي سوءَ فَهْمِنَا لها. الكلامُ في هذا الإصحاح التّاسِع عشر هو عن الشَّابِّ الغنيِّ الَّذي حَجَبَ غِنَاه عنه الحياةَ الأبديَّةَ وعن ضرورة التَّخَلِّي عن الخيراتِ المادِّيَّة كمصدرِ خلاصٍ للبشر. والمُلْفِتُ في تَعْدَادِ الأهلِ الزَّمَنِيِّ، حيث يَطلُبُ تركهم، أنّه يبدأ بالبيوت وينتهي بالحقول. يحيطُ الأهلَ بعقاراتٍ مادِّيَّة وكأنَّ العنصرَ الجامعَ بين الأهل والعقارات، والَّذي يطلبُ المسيحُ من اتباعه ترْكَه هو المنافع والمكاسب النَّابِعَةُ منه. ما هو مطلوبٌ أن يُترَكَ من طرف المؤمن هو ما يكسبه من الأمومة والأبوَّة والأُخُوَّةِ والبُنُوَّةِ ومن الحقولِ والبيوت، أي المالُ والاِستقرارُ وراحةُ البالِ والأمان والحنانُ. سياقُ النَّصِّ يتحدَّثُ عن التَّضحية والتَّخَلِّي كمبدأ سلوكيٍّ شامِلٍ في حياة المؤمن ليكونَ على صورةِ لا نفعيَّةِ الله. من تَرَكَ أبًا أو أُمًّا أو أخًا أو ابنًا حُبًّا بذاته أو استقالةً من مسؤوليّةٍ تجاههم أو طَلَبًا لراحةِ بال، ولو بحجّة التَّفَرُّغ للعبادةِ والتَّكريس لله، هو منافِقٌ. لك أن تتركهم حين تكونُ أنتَ بحاجةٍ إليهم وتتكرَّسُ لله. تركك والحالة هذه تضحية تَهبُك الحياة الأبديَّة. أمّا إذا كانوا هم بحاجة إليك فتركك لهم أنانيّة هدفُها تجنُّبُ العطاء والألم في سبيل من تَدَّعِي أنَّك تُحِبُّهُم وأنَّك تحبُّ المسيح أكثر منهم!!!.
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies