الكرمة - الأحد في 14 حزيران 2015

الأحد في 14 حزيران 2015 
العدد 24
الأحد الثَّاني بعد العَنْصَرَة
اللَّحن الأوَّل الإيوثينا الثَّانِيَة
 
* 14: النَّبيّ أليشع، مثوديوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، تذكار جامع للآباء الآثوسيِّين. * 15: النَّبيّ عاموص، البارّ إيرونيمُس. * 16: تيخن أسقف أماثوس. * 17: الشُّهداء إيسفروس ورفقته، الشُّهداء مانوئيل وصابل واسمعيل. * 18: الشُّهداء لاونديوس ورفقته. * 19: الرَّسول يهوذا نسيب الرَّبّ، باييسيوس الكبير. * 20: مثوديوس أسقف بتارُن، الأب نيقولاوس كباسيلاس.
 
سِرُّ المِهْنَة
نقرأُ في إنجيلِ اليوم أنَّ الرَّبَّ رأى "يعقُوب بن زبدى وَيُوحَنَّا أَخَاهُ في السَّفينَة مَعَ زَبْدى أبيهِمَا يُصْلِحَان شِبَاكَهُمَا" (متّى 4: 21)، وعن "بطرس وأندراوس"، يقول المقطع "أنّهما كانا صيَّادَين". أي أنَّ هوية الإنسان، قديمًا، كانت مرتبطة مباشرًة بمهنته، تلك الَّتي كان يأخذ عن أبيه ويتتلمذ على يده في ممارستها. هكذا نفهم لماذا يكون ابن النَّجَّار نجَّارًا، وابن الصَّيَّاد صيَّادًا.
 
هذا الأمر حصل حتَّى مع يسوع، الَّذي خضع بإرادته للشَّريعة ولمعايير مجتمعه، حيث نقرأ في الإنجيل: "أليس هذا ابن يوسف، أليس هذا ابن النجَّار؟" (متَّى 13: 55). فيوسف، خطيب مريم، كان نجَّارًا، لهذا لُقِّبَ الرَّبُّ بـ"ابن النجَّار". ونقرأ في مرقس (6: 3) "أليس هذا هو النَّجَّار"، للدَّلالة على المسيح.
 
في ذلك العصر، كان الأب يُدرِّب ابنه على مهنته، إذ إنَّ المهنة لا تُكْتَسَبُ بين ليلة وضُحَاها، ومن خلال ذلك كان يُدرِّبه على الصَّبر والطَّاعة، عبر ممارسة العمل، اليوميَّة، ومع هذا التَّدريب الطَّويل كان يُعطيه "سرَّ المهنة". هذا هو ظاهِر الأمر، أمّا القراءة الأعمق، والعودة إلى نصوص الكتاب المقدَّس، فتكشفُ لنا أنَّ الأبَ كان يدرِّب ابنه، في الوقت عينه، على المبادِئ والأخلاق، وعلى محبّة كـلـمـة الـرَّبِّ وطـاعةِ وصاياه (خروج 18: 20)، كان يعطيه "سرَّ الحياة" الحقَّة، لأنَّ الأهمّ في القضيَّة هو تنشئة الأبناء جسديًّا وروحيًّا معًا.
نقول هذا لِنَخْلُصَ إلى أنَّ الإيمان والصَّلاة يستوجِبَان متابعةً وتدرُّبًا على يدِ معلِّم مُخَضْرَم في المضمار، تمامًا كالنَّبيّ أليشع، الَّذي نقيم تذكاره اليوم، والَّذي تتلمَذَ على يد رَجُل الله إيليَّا الغيور، فنالَ منه بركة وقوَّة.
 
إنَّ الرَّابِط الأساسيّ بين المعلِّم والتِّلميذ هو هذا التَّفاعل؛ كما أنَّ التَّواجد في نفس المكان وأمام نفس المعضلة، والتَّشاور لفهم المسألة، هما من الأمور المساعِدة والمهِمَّة في العلاقة. فكم نحن اليوم بحاجة لهذا الحديث البنَّاء بين الأب وابنه، والأم وابنتها، والأخ وأخيه، بغيةَ الحفاظ على الرَّابط العائليّ، وبه نتجنَّب التفكُّكَ الاجتماعي؛ بالحوار فقط تُبنى العلاقةُ الوثيقة، فيصير الابن "سرّ أبيه".
التَّربية، هُنا، ليست النَّتيجة وحسب، إنَّما هي كلُّ عمليَّة تكوين وبناِء الإنسان، هي تقليدٌ حَيّ يتبلور من جيلٍ إلى جيل، به استمراريّة الهويّة الشّخصيَّة والعائليَّة والكنسيَّة. مع وجوب الاِنتباه ألَّا نقع في تراخٍ مُسْهَب أو في تَشَدُّد صارِم، نَصِلُ بهما إلى فَلَتَان أو تطرُّف، يجلبان على العائلة والكنيسة والمجتمع الويلات.
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الأوَّل
 
إنَّ الحجرَ لمَّا خُتِمَ من اليهود، وجسدَكَ الطَّاهِرَ حُفِظَ من الجُنْد، قُمْتَ في اليوم الثَّالِثِ أيُّهَا المُخَلِّص، مانِحًا العالمَ الحياة. لذلك، قُوَّاتُ السَّمَاوَات هَتَفُوا إليكَ يا واهِبَ الحياة: المجدُ لقيامَتِكَ أيُّها المسيح، المجدُ لمُلْكِكَ، المجدُ لِتَدْبِيرِكَ يا مُحِبَّ البشرِ وحدَك.
 
القنداق باللَّحن الثَّاني
يا شفيعَةَ المَسيحيِّينَ غَيْرَ الخازِيَة، الوَسِيطَةَ لدى الخالِقِ غيْرَ المَرْدُودَة، لا تُعْرِضِي عَنْ أَصْوَاتِ طَلِبَاتِنَا نَحْنُ الخَطَأَة، بَلْ تَدَارَكِينَا بالمَعُونَةِ بِمَا أَنَّكِ صَالِحَة، نَحْنُ الصَّارِخِينَ إِلَيْكِ بإيمانٍ: بَادِرِي إلى الشَّفَاعَةِ، وأَسْرِعِي في الطَّلِبَةِ يا والِدَةَ الإِلهِ، المُتَشَفِّعَةَ دائمًا بِمُكَرِّمِيكِ.
 
الرِّسَالَة
رو 2: 10-16
لِتَكُنْ يا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا 
اِبْتَهِجُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بالرَّبّ
 
يا إخوةُ، المجدُ والكرامَةُ والسَّلامُ لكلِّ مَن يفعَلُ الخيرَ من اليهودِ أوَّلًا ثمَّ من اليونانيِّين، لأنَّ ليسَ عندَ اللهِ محابَاةٌ للوجوه. فكلُّ الَّذين أخطأُوا بدونِ النَّاموسِ فبدون النَّاموس يهلِكُون وكلُّ الَّذين أخطأُوا في النَّاموسِ فبالنَّاموسِ يُدَانُون، لأنَّهُ ليسَ السَّامِعُونَ للنَّاموسِ هم أبرارًا عندَ الله بل العامِلُونَ بالنَّاموسِ هم يُبَرَّرُون. فإنَّ الأممَ الَّذينَ ليسَ عندهم النَّاموس إذا عَمِلُوا بالطَّبيعةِ بما هو في النَّاموس فهؤلاء وإن لم يَكُنْ عندهُمُ النَّاموسُ فَهُم ناموسٌ لأنفسهم الَّذين يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّاموسِ مكتوبًا في قلوبِهِم وضميرُهُم شاهِدٌ وأفكارُهُم تَشْكُوا أو تَحْتَجُّ فيما بينها، يومَ يَدِينُ اللهُ سرائِرَ النَّاسِ بِحَسَبِ إنجيلِي بيسوعَ المسيح.
 
الإنجيل
متَّى 4: 18-23 (متَّى 2)
 
في ذلك الزَّمان، فيما كانَ يسوعُ ماشيًا على شاطئ بحرِ الجليل رأى أخَوَين وهما سمعانُ المدعوُّ بطرسُ وأندَراوسُ أخوهُ يُلقيانِ شبكةً في البحر (لأنَّهما كانا صيَّادَيْن). فقالَ لهما هَلُمَّ ورائي فأجـعلَكُـما صـيَّادَي الـنَّـاس. فللوقتِ تركا الشِّبَاكَ
وتَبِعَاهُ. وجازَ من هناكَ فرأى أخَوَيْنِ آخَرَيْنِ وهما يعقوبُ بنُ زبَدَى ويوحنَّا أخوهُ في سفينةٍ معَ أبيهما زبَدَى يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا فدعاهُمَا. وللوقتِ تركا السَّفينَةَ وأباهُمَا وتَبِعَاهُ. وكانَ يسوعُ يَطُوفُ الجَلِيلَ كلَّهُ يُعَلِّمُ في مجامِعِهِم ويَكْرِزُ ببشارةِ الملكوتِ ويَشْفِي كلَّ مَرَضٍ وكلَّ ضُعْفٍ في الشَّعْب.
 
في الرِّسَالَة
 
سؤالٌ يُراوِدُ أذهانَنا مِن وقتٍ إلى آخَر، نحنُ المسيحيّين الحاصِلِينَ على قوّةِ الخلاصِ بِفِداءِ المسيح، ألا وهو: إذا كانَ المسيحُ هو وحده المخلِّص، فما هو مصير غيرِ المسيحيّين؟. ويجيب الرّسولُ في ما كَتَبَهُ، إلى أهل رومية، أنَّ الله، كونَه الدّيّانَ العادِل، يجازي كُلًّا حسبَ أعمالِه. وعليه، فإنَّ الله يَعْرِفُ سرائرَ النَّفْسِ البشريّة، وقد غَرَسَ في كُلِّ إنسانٍ ضميرًا يجعله قادِرًا على التّمييز بين الخير والشّرّ. وهو كلِّيُّ القدرة والمعرفة، لذلك يستطيع أن يعطِيَ كُلَّ إنسانٍ النَّصيبَ المُنَاسِب، والجَزَاء المُنَاسِب.
 
فهو خالِقُنَا جميعًا، وأبونا جميعًا، وليس عندَهُ محاباةٌ للوجوه. والمقصود، بهذه العبارة الأخيرة، أنّ الجماعة الّتي ميَّزَها الله بنامُوسٍ معيَّن، يجب عليها ألّا تتَّخِذَ مِن ذلكَ فرصةً للتَّعالي على الجماعات الّتي لم يُمَيِّزْهَا الله بمثلِ ذلك. فمقياسُ خلاصِكَ لن يكونَ انتماءَكَ إلى هذه الجماعةِ أو تلك، وهذه الدّيانةِ أو تلك، وهذه الطّائفةِ أو تلك. الدَّيّانُ العادِلُ لَن يَخْجَلَ منكَ في يومِ الدّينونة، ولن يُدْخِلَكَ إلى فَرَحِهِ لِمُجَرَّدِ كَونِكَ تحملُ اسمَ المسيح، ودونَ النَّظَرِ في عيشِكَ لِما أُعطيَ لَكَ في عهدِ النِّعمةِ مِن قوانينِ مـحبّةٍ وطهارة.
 
سوفَ يسأَلُكَ الدَّيَّانُ عن مدى إخلاصِكَ لِما سُلِّمْتَهُ مِن وصايا. فإذا كُنتَ ابنَ الإيمان، فالمطلوبُ منكَ أكثرُ مِنَ المطلوبِ من أولئكَ الّذين لم يعرفوا الإيمان. لأنّ كثيرينَ "سَمِعُوا" النّاموس، ولكن هل جميعُ الّذين سَمِعُوا "عَمِلُوا"؟!!...
 
وخُلَاصَةُ القَوْلِ أنَّ ربَّنا كثيرُ الرَّحْمَةِ وشَفُوق، لذلك يُطِيلُ أَنَاتَهُ على الكَسَالَى والمُقَصِّرِين، ويعطيهِم فُرَصًا عديدةً إلى أن يَتُوبُوا فيَخْلُصُوا. ومن جهةٍ ثانية، هو ربٌّ صالِحٌ، يفرَحُ بالّذينَ يَنْجَحُونَ في امتحانِ الحياة، وتفرَحُ معه السّماءُ كلُّها. ولذلك، نُنشِدُ مع النّبيّ المُرنِّم: لِتَكُن يا رَبُّ رحمتُكَ علينا... اِبْتَهِجُوا أيُّها الصِّدِّيقونَ بالرّبّ.
 
اِنْزَعْ وَجْهَ الكَذِب!
 
في كلِّ سنة يقوم صاحب السِّيادة المتروبوليت أفرام بزيارةٍ رِعائيّةٍ روحيّةٍ تَفَقُّدِيَّةٍ إلى بلادِ الإغريقِ والغال. لن نَتطرَّق في هذا المقال إلى الأماكنِ الّتي كان قد زارِها، بل سنُبْرِزُ عدّة تساؤلات طُرِحَت في داخلنا، ولامسناها خلالَ تعاطينا مع الشّعب الحَسَنِ العبادة في تلك البلاد، والمجتمع بشكلٍ عامّ!.
 
ممَّا لا شكَّ فيه أنّ العالمَ، اليوم، يَئِنُّ، وهو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إعادةِ بثِّ النّورِ فيه مُجدَّدًا، خاصَّةً في عصرِ الأزماتِ والظُّلُماتِ الَّذي نحنُ فيه!. لا شكَّ أنّ العالمَ أجمعَ، اليومَ، هو في انهيارٍ خُلُقِيٍّ، اقتصاديٍّ، إيمانيٍّ، رُغم لغة التّواصلِ الّتي تطوَّرَت، بشكلٍ ملحوظٍ، حتَّى أضحتِ الكرة الأرضيَّة كقريةٍ صغيرةٍ. لكن، ما هو أهمّ من هذا، وبالرّغم من كلّ شيء، الكائنُ البشريّ هو في طلاقٍ عامودِيّ مع الله وأُفقِيٍّ مع أخيهِ الإنسان!. الإنسانُ في غربةٍ، رغم كلّ وسائل التّواصُل المُتَاحَة من حوالَيْه. لقد أضحى هو مركز نفسِه عِوضَ أن يكونَ الله هو مركزه!. مع كلّ هذا التّطوّر، تحوَّلَ إنسانُ اليوم إلى وحشٍ فتَّاك يقتلُ بِلا رحمةٍ ووِفْقًا لمصالحِهِ الشّخصيّة!.
 
السّؤال المطروح هو: ممَّن يخاف إنسانُ اليوم؟. من الخطيئة؟، من الموت؟، من نفسِه؟، من الوِحْدَة؟ أو من الفراغ!!... اِفْتَكَرَتِ الشّعوب، كما هو حاصِلٌ اليوم في أوروبا الّتي عاشَت أقسى الحروب، أنه بإيجادِ حلٍّ للمال تُبطَل الحروب وتعيش الشّعوب فيها في هناء وسكينة!. قد يكونون على حقّ، لكن مع الوقت نكتشفُ أنّ كلّ هذا الهناء، تحوّل إلى وحشٍ بدأ ينهَشُ بقوّةٍ المجتمع الأوروبيّ، وحلَّ مكانه الفراغ، وتأجَّجَت حربٌ أُخرى ومن نوعٍ آخَر -الإنسان يُحارِبُ نفسَه بِنفسِه- أي يُحارِب ذاته.
 
كلّ هذه الحضارات والثَّقَافَات والأبنية الضّخمة والكنائس الأثريّة، كلّ هذه الحقوق لكي يكونَ الإنسانُ بسلامٍ عبر تأمين اللّازِم لهُ. كلّ هذا والإنسان يعيش بفراغٍ كُلِّيّ!. لذلك، أضحى باردًا لا حرارةَ فيه لأنّ مسائلَ الله ووجودَه والإيمان، ما عـادَت تـعـنـيه وتـشغَلُ بالَهُ. صـارَ يتخبّطُ في الوِحْدَةِ والألمِ النَّفْسِيّ. نعم!، الألم النّفسيّ الموجِع، لأنّ المرض الجسديّ قد يجدون لهُ دواء أمّا المرض النّفسيّ فمن يُداويه؟!...
 
ما سبب انتحارِ الكثيرين في الغرب؟.
 
الحروب؟!. كلَّا!. الضّيّق الماليّ والاِقتصادِيّ؟!. كلَّا!. الإنسان اليوم يبحثُ عن كُوَّةٍ ليخرُجَ من عُزلَتِه، لأنّه فقد رجاءهُ، لأنّ الإيمان ما عاد موجودًا عنده، إذ ظنّ أنّه بالتّمتّع الوقتيّ بالخطيئة، وبتأمين اللّازم له، والضّمان الصّحّيّ، وضمان الشّيخوخة فيما بعد، وبالاِبتعاد عن المشاكل، يستطيع العيش بالاِتّكال على نفسه مع كلّ هذه التّسهيلات. الإنسان عدوّ نفسه، سُرعانَ ما تنكَشِفُ له الحقيقة ويُنْزَعُ عن وجهه هذا القناع، فَيكتشِف أنّه في غُربة وفي وِحْدَةٍ قاتِلَة!. ما نفع كلّ هذا والعائلةُ مفكَّكَةٌ واللّهُ غائِبٌ. حتَّى الأُطر الأخلاقيّة ما عاد لها مِقياسٌ، فكلُّ شيءٍ مُبَاح وكُلّ شيءٍ مُوافِق!... وَحْدُهُ الإيمانُ هو الرَّجاءُ المفتوح لنا رُغم كلّ هذه الآلام والضّيقات الّتي نحن فيها. هم يحاوِلُونَ نَزْعَنَا من عاداتِنَا وإِيمانِنَا، ونحن خاضعون لهم ونفتكر أنّه بِهجرَتِنا إلى الخارج سنكون أكثر سعادةً. خِداعٌ وكذِبٌ!... لماذا أيّها الإنسان تكذبُ على نفسِك؟!... لماذا أيّها الإنسان ما عُدتَ تحتملُ الضِّيقَ والشِّدَّةَ وتصبر عليهِما فتجد عزاءً.
والسّؤال الكبير المطروح علينا: من هو الله بالنّسبة لنا؟!... وماذا يعني لنا الإيمان؟!... البشريّةُ، اليوم، تعيشُ أحلك أيامِها وهي في مخاضٍ ومرضٍ سريريّ!. هنا حروبٌ بوحشيّةٍ وتطهيرٍ بكلّ ما تحملهُ الكلمة من معنى سلبيّ، تطهيرٌ ثقافيّ، حضاريّ، وأهم شيء إيمانيّ. عندما ينتهي الإيمان -بالنسبة للإنسان شَرْقًا وغربًا- يَصيرُ بإمكانِهم إِحكام السّيطرةَ علينا. أنستسلِم؟!... أنُهاجِر؟!... أم نواجه؟!... أسئلة لا جواب عليها بعد...
 
ما نعرفهُ أنَّنا على مُفترقِ طرقٍ مصيريّ، إمّا، نحن هنا في هذا الـشّرق، نُعيد بِناء الإِنسان الّذي نعيـش معهُ ونعيد إحـياء
ما تهدّم عبر التّمـسّك بالإيمان!، إمَّا أن نرحل عن هذه الدّيار، فنُضْحِي بلا هويّةٍ وأعدادَ بَشرٍ ينضمّون إلى أعدادٍ أُخْرَى، أي لا قيمةَ لنا. كيف نُشجِّع المسيحيِّينَ أن يتجذَّرُوا في أرضِهِم، وأن يَثْبُتُوا في إيمانهم!، ونحن في هذا الاِسترخاء والاِستسلام لهذا الواقع المَرِير. أيّها الإنسان النّائم قُمْ واعرَفْ أنّك أصيلٌ في أرضِك وسيِّد. ثِقْ أنّ الله الّذي تـعـبُـدُه هـو مَـعَنَا ومـعَـكَ ولـن يتركَكَ، وَلَإِنْ سَمَحَ بكلِّ هذه الشُّرور والآلام!. هذا المخاض الّذي أنت فيه سيؤول بك إلى بابِ فَرَجٍ، ولن ينفتح هذا الباب إلَّا بعد صراعٍ طويلٍ مع الألم والوجع. لماذا ما عاد للإنـسانِ طـاقـةٌ أن يتحمَّلَ حتَّى تجاربَهُ؟. لماذا كلّ هذا الاِستسلام للخطيئةِ الّتي أَضْحَتْ موضةَ العصرِ، وعِوَضَ أن يُسيطِرَ الإنسانُ عليها أَضْحَتْ هي المُهَيْمِنَة على كلِّ فكرٍ وفِعْلٍ لنا؟!...
 
عُدْ أيُّها الإنسان إلى الحلَقَةِ الَّتي أضعتَها فتجِدُ اللهَ بانتظارِك، وافْهَمْ أنَّ العقلَ وحده لا يُحْيِي، وحده الإيمان يُحْيِي. اِفْهَمْ أيّها الإنسان أنّكَ لابِسٌ المسيح وقد تَطَعَّمْتَ ببذرَةٍ إلهيَّةٍ، فأعطاكَ اللهُ هذه القوّةَ الإلهيّةَ الَّتي فيه لكي تقوم. كُلنّا بعد المعموديّة أصبحنا قياميِّين، فما عادَتِ الخطيئةُ هي العائِق لأنَّنا سَنَطْحَنُهَا بقوَّةِ المسيحِ القائم فينا بواسطةِ التّوبة والإيمان والرّجاء. اِنْتَفِضْ أيّها الإنسانُ ضدَّ هذا الواقع المرير الّذي أنت فيه، وَعُدْ إلى الكنيسة لكي تُشْفَى من جديد، لأنّ الكنيسةَ هي المستشفى لأمراضِ هذا العصرِ ولكلِّ عصرٍ.
 
هل نحن على أتمّ الإستعداد لذلك؟!، أي أن نكونَ الشُّهِودَ لحقيقةِ الإيمان في هذه الأرض المصلوبَةِ منذُ فجرِ التّاريخ!، وأن نتمسَّك بربِّنا الَّذي هو المنقِذُ لنا من هيجانِ بحرِ هذا العمرِ وشرورِهِ. لا حروب، لا اضطهادات، ولا موت أثنَتِ الشّهداءِ عن تقديمِ الشّهادة، لأنّ الموتَ هو أشرفُ من الذُّلّ والسُكنى في قصورٍ لا يسكنُها إلّا الفراغ.
 
نحنُ غالبونَ مع الّذي قالَ لنا: "ثِقُوا: أنا غلبتُ العالم" (يو ٣٣:١٦). وليكن مَعلومًا أنّ الّذي شقّ البحر الأحمر، وأطعمَ الجياعَ في القفرِ، وأخرجَ الماءَ من صخرةٍ لا حياةَ فيها "هو هو نفسه أمس واليوم وإلى الأبد" (عبرانيّين ٨:١٣)، هو "الألفُ والياءُ، البدايةُ والنّهايةُ" (رؤ ٨:١)، والغالبون معه سيرثون المُلْكَ الَّذي لا يستطيع أحدٌ أن ينزعه منهم.
 
هذه الحياة هي الأُكْذُوبَةُ الكُبْرَى، وكلّ هذه الرَّفاهيةِ الّتي يوهِمُنَا العالمُ بها، اليوم، ما هي إلَّا زُجاجٌ هَشٌّ سَيتحطّم ما إن تسطَع الحقيقة، فينكشِف عُريُنَا. لماذا إنسان اليوم مُقنَّع بقناعٍ مُزيَّف، ولابِسٌ ثيابًا ليست لهُ؟!. إلى متى، ربَّاه، سنبقى في هـذه الـوُحـول؟... المـوتُ يَنْقَـضُّ علـيـنـا ونـحـن لا نُبَالِي، فالإنسانُ فَقَدَ إِحساسَه وشعورَهُ بأنَّه يقترِفُ الخطيئة. ممَّا لا شَكَّ فيه أنّ أيّامنا صعبةٌ، والآتيةُ هي أصعب، ونحن في أقـسى امـتـحـان. فهل سـنثبُتُ على إيمانِنا؟!، أو إنَّ الخطيئةَ، الّتي تَقبضُ علينا، ستؤول بنا إلى دمارٍ كلّيّ؟!...
الغرب نزع الله من حياته، وما عاد يُطيق أن يسمعَ عنهُ. كيف سنصمدُ أمامَ هذا الجرف الهائِل الّذي يتآكَلُنَا؟. لماذا ما عاد للمسيحيّ همٌّ أن يكونَ مُبَشِّرًا، وأن يكونَ الرّافض الأوَّل لهذه الهمجيَّةِ الحاصِلَةِ في العالم أجمع؟!...
 
متى ستخرجُ الكنيسة، وأعني كنيستنا المشرقيّةِ الأرثوذكسيّةِ، من عزلتها وكبوتِها، ويخرجُ الأساقفةُ والإكليروس من برجوازيّتِهِم لكي يخدموا عندَ أقدام شعبهم؟!... ألم يكن المسيح، لو كان فيما بيننا، لِيَحْمِلَ سوطَه ويخرجنا من الهيكلِ، ناعِتًا إيّانا بالباعة واللُّصوص؟. هل سيجد المسيح عند مجيئه الثّاني إيمانًا على الأرض؟!، أم أنّه سيدعو المتسكِّعين على الطُّرُقِ والجُدْعَ والعميانَ لكي يرثوا الملكوت معه، وأبناءُ الملكوت، أي نحنُ، سنُطرَح خارجًا حيث دودهم لا يموت!!!...
 
هذه دعوةٌ لمحاسبةِ أنفسِنَا ونحن في هذا الأُتُون المتأجِّجِ من حولِنا، عسى أن نتَّعِظَ ونحمِلَ أسلِحَة البِرِّ الّتي هي الإيمانُ والرّجاءُ والمحبّةُ، وننزع عنّا هذه الأصنام، ونسمح لله ولروحهِ القدّوس أن يُطهِّرَنَا لكي يُعطينا قلبًا جديدًا، نازِعًا عنّا القلبَ الحجريّ، ومُعطِيًا لنا روحًا جديدًا لكي نسلكَ في حقوقهِ ونحفظَ أحكامهُ، فنسكنَ في هذه الأرضِ ونكونَ شهودًا للعالمِ أجمع أنّنا شعبهُ وغنمُ مرعاه، وهو إلهنا الجبّار القويّ، آمين.
 
أخبارنا
المركز الرّعائيّ للتّراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ
 
يُقيم المركز الرّعائيّ للتّراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ - قسم الإعداد اللّاهوتي، مُخيّمه الصَّيفيّ اِبتداءً من يوم الإثنين الواقع فيه ٢٧ تمّوز وحتَّى يوم السّبت في ١ آب ٢٠١٥.
 
برنامج المخيّم متنوِّع بين دروس التِّيبيكون مع قدس الأرشمندريت يونان (الصّوري)، ومادّة اللّاهوت الرّعائيّ مع قدس الأب بسّام (ناصيف). هذا بالإضافة لعدّة برامج تثقيفيّة، روحيّة وترفيهيّة تُرافِقُ المُشْتَرِك خلال أسبوع. 
 
تُقْبَلُ طلبات الرّاغبين بالاِشتراك في هذا المخيّم طيلة شهر حزيران ٢٠١٥، في مبنى المركز الرّعائيّ للتّراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ في طرابلس، قرب دار المطرانيّة، كلّ ثلاثاء وخميس، من السّاعة السّادسة وحتّى الثّامنة مساءً. 
 
رسم الاِشتراك: 250,000 ألف ليرة لبنانيّة.


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies