الكرمة - الأحد 10 أيار 2015

 
 
 
 
 
الأحد 10 أيار 2015        
العدد 19
أحد السَّامِرِيَّة
اللَّحن الرَّابِع    الإيوثينا السَّابِعَة
 
 
* 10: أحد السَّامِرِيَّة، الرَّسول سمعان الغيور، البارّ لَفْرِنْديُوس، البارَّة أولمبيا. * 11: تذكار إنشاء القسطنطينيَّة، الشَّهيد موكيوس، كيرلّلس ومثوديوس المعادلا الرُّسل. * 12: ابيفانيوس أسقف قبرص، جرمانوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة. * 13: الشَّهيدة غليكارية ولاوذيسيوس. * 14: إيسيذورس المُسْتَشْهِد في خيو، ثارابُوندُس أسقف قبرص. * 15: بخوميوس الكبير، أخلِّيوس العجائبيّ (لارسا).        * 16: البارّ ثاوذورس المُتَقَدِّس.
 
 
المرأة الخاطئة
 
"لقد غُفِرَتْ خطاياها الكثيرة لأنَّهَا أَحَبَّتْ كثيراً"     (لوقا 7: 47).
"لأنَّ المحبَّةَ تَسْتُرُ جَمًّا من الخطايا"         (1بطرس 4: 8).
محبَّةُ المرأةِ الخاطئةِ أَكْسَبَتْهَا الغُفْرَان. هذا الغفران المُعْطَى برحمةٍ غزيرة ، أفاضَ محبَّتَهَا.
 
*  * *
 
المرأةُ الزَّانِيَةُ
 
هي المرأةُ الَّتي سَكَبَتِ الطِّيبَ على رأسِ يسوعَ في بيتَ عنيا في بيت سمعان الأبرص (متَّى 26: 6-13). هنا، أيضًا، شَفَتْهَا محبَّتُها العظيمة للرَّبِّ من كلِّ آثامِها. لقد اقتحمَت منزلًا كان يسوع ضيفًا على صاحبه. أفاضَت على رأسه قارورة طيبٍ كثيرِ الثَّمَن، وهكذا استحقَّتْ أن يلتصِقَ ذكرُها بكرازةِ الإنجيلِ في العالم كلّه. لذلك كلّه، وعلى الرّغم من اعتراض التّلاميذ، مَدَحَهَا السّيّد مُظْهِرًا أنّه يريدنا أن نحبّه أوَّلًا. محبّتنا له هي الأَوْلَوِيَّة في حياتنا (Prioritaire)، هي الَّتي تجعلنا نحبّ النَّاسَ كلّهم، وبخاصّة الفقراء منهم والخطأة، وحتَّى الأعداء.
 
لنذكر، هنا، ما جاء في يوم الأربعاء العظيم عن المرأة الخاطئة: "إنَّ الخاطئة لمَّا كانَت تُقَدِّمُ الطِّيب، كان التِّلميذُ يُشَارِطُ مُخَالِفِي النَّاموس... تلكَ اعتَرَفَتْ بالسَّيِّد، وهذا انْفَصَلَ عن الرَّبّ. "فَرَدِيءٌ  هو التَّهَاوُن وعظيمةٌ هي التَّوبَة".
 
    *    *   *
 
المرأةُ السَّامِرِيَّةُ
 
هي، أيضًا، امرأةٌ خاطِئَة. لقد جَذَبَهَا حديثُ الرَّبِّ يسوعَ على بئرِ يعقوب. قالَتْ له: "يا سيّد أَعْطِنِي هذا الماء الحيّ لكي لا أَعْطَش ولا آتي إلى هنا لأَسْتَقِي. قالَ لها يسوع اذهَبِي وادْعِي زوجك وتعالي إلى ههنا". (يوحنَّا 4: 15-16).
 
الرَّبُّ لا يمنحنا نعمة الرُّوح القدس إن كانت حياتنا الدَّاخليَّة والعائليَّة غير مستقيمَة. الحياة الرُّوحيَّة غير منفصلة عن الحياة الأخلاقِيَّة. ندخُلُ في مناقشاتٍ لاهوتيَّةٍ أو سياسيَّةٍ، نتباهَى بإِنْجَازَات ومعارِف علميَّة أو اجتماعيَّة، والرَّبّ يسوع يأتي فجأة ويقول لنا: "دَعِ الآن شؤون العالم، أنت اهتمّ بحالة نفسِك".
 
"فَتَرَكَتِ المرأةُ جَرَّتَهَا ومَضَتْ إلى المدينة وقالت للنَّاس هلُمُّوا انظُرُوا إنسانًا قالَ لي كلّ ما فَعَلْت" (يو 4: 28-29).
قد اسْتَنَارَتِ السَّامِرِيَّة بأقوالِ يسوعَ وأصْبَحَتْ قدِّيسَة معروفَة باسمِ "مُنِيرَة" (Fotini)، مُبَشِّرَة باسمِ يسوعَ بعد أن كانت امرأة خاطئة.
 
                                                                                                                    + أفرام
                     
                                                                                                    مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
طروباريَّة القيامة  باللَّحن الرابِع
 
إِنَّ تلميذاتِ الرَّبّ تَعَلَّمْنَ من الملاك الكَرْزَ بالقِيَامَةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القَضَاءَ الجَدِّيَّ، وخَاطَبْنَ الرُّسُلَ مُفْتَخِرَاتٍ وقائِلات: سُبِيَ الموت، وقَامَ المسيحُ الإله، ومَنَحَ العالَمَ الرَّحْمَةَ العُظْمَى.
 
طروباريَّة نصف الخَمْسِين باللَّحن الثَّامِن
 
في انْتِصَافِ العيدِ اسْقِ نفسِي العَطْشَى من مياهِ العِبَادَةِ الحَسَنَةِ أَيُّهَا المُخَلِّص. لأَنَّكَ هَتَفْتَ نَحْوَ الكُلِّ قائِلًا: مَنْ كانَ عطشانًا فَلْيَأْتِ إِلَيَّ ويشَرْب. فيا يَنْبُوعَ الحياة، أَيُّهَا المسيحُ الإلهُ المجدُ لَك.
 
قنداق الفصح  باللَّحن الثَّامِن
 
وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَنْ لا يَمُوت، إلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أيُّهَا المسيحُ الإله، وللنِّسْوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الوَاقِعِينَ القِيَام.
 
الرِّسَالَة
أع 11: 19-30
 
ما أعظَمَ أعمالَكَ يا ربّ. كلَّها بحكمةٍ صنعت
باركي يا نفسي الرّبَّ
 
في تلكَ الأيَّام، لمَّا تَبَدَّدَ الرُّسُلُ من أجلِ الضِّيقِ الَّذي حصَلَ بسببِ استِفَانُسَ، اجتازُوا إلى فِينِيقِيَةَ وقُبُرسَ وأَنْطَاكِيَةَ وهمُ لا يُكَلِّمُونَ أحدًا بالكلمِةِ إلَّا اليهودَ فقط. ولكنَّ قومًا منهم كانوا قُبُرسِيِّين وقَيْرَوَانِيِّين. فهؤلاءِ لمَّا دَخَلُوا أنطاكِيَةَ أَخَذُوا يُكَلِّمُونَ اليونانيِّينَ مُبَشِّرينَ بالرَّبِّ يسوع، وكانَتْ يَدُ الرَّبِّ مَعَهم. فآمَنَ عَدَدٌ كثيرٌ ورَجَعُوا إلى الرَّبّ، فبلغَ خبرُ ذلك إلى آذانِ الكنيسةِ الَّتي بأُورَشلِيمَ فأَرْسَلُوا بَرنابا لكي يجتازَ إلى أنطاكِيَة، فلمَّا أَقْبَلَ ورأَى نعمَةَ اللهِ فَرِحَ ووعَظَهُم كُلَّهم بِأَنْ يَثْبُتُوا في الرَّبِّ بعزيَمةِ القلب، لأنَّه كانَ رجلًا صالِحًا مُمْتَلِئًا مِن الرُّوحِ القُدُسِ والإيمان. وانضَمَّ إلى الرَّبِّ جَمْعٌ كثيرٌ. ثُمَّ خَرَجَ بَرنابا إلى طَرْسُوسَ في طَلَبِ شاوُل. ولمَّا وجَدَهُ أتى بهِ إلى أنطاكية، وتردَّدَا معًا سنةً كامِلَةً في هذهِ الكنيسةِ وعَلَّمَا جَمْعًا كثيرًا. ودُعَيَ التَّلامِيذُ مَسيحيِّينَ في أنطاكِية أوَّلًا. وفي تلكَ الأيَّام انحدرَ من أورشليمَ أنبياءُ إلى أنطاكية، فقامَ واحِدٌ منهم اسمُهُ أغابُوسُ فأَنْبَأَ بالرُّوح أنْ ستَكُونَ مَجاعَةٌ عَظيمَةٌ على جميعِ المسكونة. وقد وَقَعَ ذلكَ في أيَّامِ كُلوديُوسَ قيصَرَ، فَحَتَّمَ التَّلاميذُ بِحَسَبِ ما يَتَيَسَّرُ لكلِّ واحدٍ منهم أن يُرْسِلُوا خِدْمَةً إلى الإخوَةِ السَّاكِنِينَ في أُورَشَلِيم، ففعلُوا ذلكَ وبَعَثُوا إلى الشُّيوخِ على أيدي بَرنابا وشَاوُلَ.
 
 
الإنجيل
يو 4: 5-42
 
في ذلك الزَّمانِ أتى يسوعُ إلى مدينةٍ منَ السَّامِرَةِ  يُقَالُ لها سُوخَار، بقُربِ الضَّيْعَةِ الَّتي أعطاها يعقوبُ ليُوسُفَ ابنِهِ. وكانَ هُناك عينُ يعقوب. وكانَ يسوعُ قد تَعِبَ مِنَ المَسِير، فجلَسَ على العين، وكانَ نحوَ السَّاعَةِ السَّادِسَة. فجاءَتِ امرأةٌ مِنَ السَّامِرةِ لتَسْتَقِي ماءً. فقالَ لها يسوعُ: أعطيني لأشرَبَ -فإنَّ تلاميذَهُ كانوا قد مَضَوا إلى المدينةِ ليَبْتَاعُوا طعامًا- فقالَتْ لهُ المرأةُ السَّامِرِيَّة: كيفَ تَطلُبُ أن تشربَ مِنيِّ وأنتَ يهودِيٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِرِيَّةٌ، واليهودُ لا يُخَالِطُونَ السَّامِرِيِّين؟ أجابَ يسوعُ وقالَ لها: لو عَرَفْتِ عَطِيَّةَ اللهِ ومَنِ الَّذي قالَ لكِ أَعْطِينِي لأَشرَبَ، لَطَلَبْتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًّا. قالت له المرأةُ يا سيِّدُ إنَّهُ ليسَ معكَ ما تستقي بهِ والبئْرُ عميقةٌ، فَمِنْ أينَ لكَ الماءُ الحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أنتَ أعْظَمُ مِنْ أبينا يعقوبَ الَّذي أعطانا البئرَ، ومنها شَرِبَ هو وبَنوهُ وماشِيَتُهُ! أجابَ يسوعُ وقالَ لها: كلُّ من يشرَبُ من هذا الماءِ يعطشُ أيضًا، وأمَّا مَن يشربُ من الماء الَّذي أنا أُعطيهِ لهُ فَلَنْ يعطشَ إلى الأبد، بَلِ الماءُ الَّذي أُعطيِهِ لهُ يصيرُ فيهِ يَنبوعَ ماءٍ يَنبُعُ إلى حياةٍ أبدِيَّة. فقالَت لهُ المرأةُ: يا سيِّدُ أعطِنِي هذا الماءَ لكي لا أعطشَ ولا أجيءَ إلى هَهُنَا لِأَسْتَقِي. فقالَ لها يسوعُ: اذْهَبِي وادْعِي رجُلَكِ وهَلُمِّي إلى ههنا. أجابتِ المرأةُ وقالت: إنَّهُ لا رجُلَ لي. فقال لها يسوعُ: قد أَحْسَنْتِ بقولِكَ إنَّهُ لا رجُلَ لي. فإنَّهُ كانَ لكِ خمسَةُ رجالٍ والَّذي معَكِ الآنَ ليسَ رَجُلَكِ. هذا قُلتِهِ بالصِّدْق. قالت لهُ المرأة: يا سيِّدُ، أرى أنَّكَ نبيٌّ. آباؤنا سجدوا في هذا الجَبلِ وأنتم تقولون إنَّ المكانَ الَّذي ينبغي أن يُسْجَدَ فيهِ هُوَ في أورشليم. قال لها يسوعُ: يا امرأةُ، صدِّقيني، إنَّها تأتي ساعةٌ لا في هذا الجبلِ ولا في أورَشَليمَ تسجُدُونَ فيها للآب. أنتم تسجُدُونَ لما لا تَعْلَمُون ونَحنُ نسجُدُ لما نعلَم، لأنَّ الخلاصَ هُوَ منَ اليهود. ولكن، تأتي ساعة وهيَ الآنَ حاضِرَة، إذ السَّاجِدُونَ الحقيقيُّونَ يَسجُدونَ للآبِ بالرُّوحِ والحَقّ. لأنَّ الآبَ إنَّما يطلُبُ السَّاجِدِينَ لهُ مِثلَ هؤلاء. اللهُ روحٌ والَّذين يسجُدُون لهُ فبالرُّوحِ والحقِّ ينبَغِي أن يسجُدُوا. قالت لهُ المرأةُ: قد عَلِمتُ أنَّ مَسِيَّا، الَّذي يُقَالُ لهُ المسيحُ، يأتي. فمَتى جاءَ ذلك فهُوَ يُخْبِرُنَا بكُلِّ شيءٍ. فقال لها يسوعُ: أنا المتكلِّمُ مَعَكِ هُوَ. وعندَ ذلكَ جاءَ تلاميذهُ فتعجَّبُوا أنَّهُ يتكلَّمُ مَعَ إمرأةٍ. ولكِنْ لم يَقُلْ أحدٌ ماذا تطلُبُ أو لماذا تتكلَّمُ مَعَها. فترَكتِ المرأة جرَّتَهَا ومَضَتْ إلى المدينةِ وقالت للنَّاس: أنظُرُوا إنسانًا قالَ لي كُلَّ ما فَعَلْت. أَلَعَلَّ هذا هُوَ المسيح! فخرجوا من المدينة وأَقْبَلُوا نَحْوَهُ. وفي أثناء ذلِكَ سأَلَهُ تلاميذُهُ قائِلِينَ:     يا مُعلِّمُ كُلْ. فقالَ لهم: إنَّ لي طعامًا لآكُلَ لستُم تعرِفونَهُ أَنْتُم. فقالَ التَّلامِيذُ فيما بينهم: أَلَعَلَّ أحدًا جاءَهُ بما يَأكُل! فقالَ لهم يسوعُ: إنَّ طعامي أنْ أعمَلَ مشيئَةَ الَّذي أَرْسَلَنِي وأُتَمِّمَ عملَهُ. ألستم تقولون أنتم إنَّهُ يكونُ أربعة أشهر ثمَّ يأتي الحَصَاد؟ وها أنا أقولُ لكم إرْفَعُوا عيونَكُم وانظُروا إلى المزارع، إنَّها قدِ ابْيَضَّتْ للحَصَاد. والَّذي يحصُدُ يأخُذُ أُجْرَةً ويجمَعُ ثمرًا لحياةٍ أبدِيَّة، لكي يفرَحَ الزَّارِعُ والحاصِدُ معًا.
 
ففي هذا يَصْدُقُ القَوْلُ إنَّ واحدًا يَزْرَعُ وآخَرُ يحصُد. إنِّي أَرْسَلْتُكُم لتَحْصُدُوا ما لم تَتْعَبُوا أنتم فيه. فإنَّ آخَرِينَ تَعِبُوا وأنتُم دَخَلْتُم على تَعَبِهم. فآمنَ بهِ من تلكَ المدينةِ كثيرونَ مِنَ السَّامِريِّينَ من أجلِ كلامِ المرأةِ الَّتي كانَت تشهَدُ أنْ قدْ قالَ لي كلَّ ما فَعَلْت. ولمَّا أتى إليهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أن يُقِيمَ عِنْدَهُم، فَمَكَثَ هناكَ يومَيْن. فآمَنَ جَمْعٌ أكثَرَ من أُولَئِكَ جدًّا من أجلِ كلامِهِ، وكانوا يقولونَ للمرأةِ: لَسْنَا من أجلِ كلامِكِ نُؤمِنُ الآن، لأنَّا نحنُ قد سَمِعْنَا ونَعْلَمُ أنَّ هذا هُوَ بالحقيقيةِ المسيحُ مُخلِّصُ العالَم.
 
 
في الإنجيل
 
ها هي الكنيسة المجيدة تكرِّم من جديد، جنس حوّاء خليفة مريم، مع إطلالةٍ لإمرأةٍ تدنَّسَت بكلِّيَّتِها في الخطيئة، فدنَّسّت مَنِ التَقَتْ به، وأصبحَ الشَّواذ قاعِدَة بالنِّسبة لها. إنَّها المرأة السَّامِرِيَّة، هذه الآتية من دِينٍ متناقِضٍ ومُتَصَارِعٍ مع الدِّين اليهوديّ، وبالتَّالي مع الرَّبِّ يسوع سليل نسل داود. لكنَّ الرَّبَّ، بمحبَّتِه وصلاحِه، يُحَوِّلُ التَّنَاقُضَ والخِلافَ إلى الهدف الأَوْحَد، الخلاص لكلِّ الشُّعوب.
في النّصّ الإنجيليّ، نرى لوحة شاعريّة بديعة، إذ يتحوّل الحوار والمساءَلَة إلى ارتقاءٍ تدريجيّ مرورًا بهيكل أورشليم وصولًا إلى الهيكل القلبِيّ حيث النَّدَامة والتّوبة والخلاص. الماء الرّاكِد يقابله الماء الحيّ. فالمرأة السّامريّة اعتقَدَتْ أنَّه رغم ابْتِلَاءِ جسدها بالخطايا، فالماءُ كافٍ لتطهيرها. كانت تتكلَّم على الماء وعلى بئر يعقوب، والرَّبّ يحاورها بِتَأَنٍّ وجِدِّيَّة موضِحًا لها أنَّ الماء الحيّ الّذي يعطيه هو، فقط وحده يُطَهِّر.
 
نزل الرّبّ إلى مستواها ليحاورها ويرفعها، جَاوَرَ خطيئتَها دون ترفُّع، ليحوِّل ظلمتها وفسادها إلى إطلالَة نورانيّة. وفي ختام الحوار، بدأ التّحوّل يظهر والخلاص يتحقّق. إذ باعترافها بذنوبها بصِدْقٍ أمام الرّبّ، وبأنّه ليس لها زوج شرعِيّ، وأنّها نادِمَةٌ على حياتها السَّابِقَة، أَطْلَقَها الرّبّ مُبَشِّرَة إلى أهلها في السّامرة، فأَضْحَتْ تلك المرأة الزَّانِيَة أشدّ عزمًا من الرُّسُل، فهتَفَت: "تعالَوا انظُرُوا إنسانًا قال لي كلّ ما فعلت".
 
المرأة السَّامريّة مثل حيّ للمسيحيّ الّذي يستنير وينير، لذا استحقَّت، في الختام، أن تسمِّيها الكنيسة "فوتيني" أي "مُنِيرَة" (في العربيّة)، بعد أن قبلت نور الرّبّ في قلبها وعَكَسَتْه لِبَنِي شعبها واسْتَحَقَّتْ أن يقول فيها القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم: "فوتيني الفقيرة والغنيّة، الزّانية والرّسُولة، الجاهِلَة والمؤمِنَة، الإمرأة الّتي دنَّسَت الكثيرين وخَدَمَتْ كلمة الله الوحيد، والّتي تَدَنَّسَتْ بالخطايا الكثيرة وتَطَهَّرَت منها، الَّتي عَطِشَتْ ورَغِبَتْ أن تشرَبَ ماءَ الحياة الأبديَّة، الَّتي وَرِثَتْ، في النِّهاية، نعمة عطايا السَّماء". آمين.
 
 
بعض تحدِّيات الكهنوت اليوم
 
لماذا يشاء المرء أن يكون كاهنًا اليوم؟. السّؤال ليس سهلًا، على الإطلاق، فهناك عدد كبير من الأسباب وراء انخراط الشّباب (على قِلَّتِهِم) في سلك الكهنوت اليوم. ولا مجال للخوض فيها الآن. ولكن، من يشاء أن يكون كاهنًا في كنيسة المسيح، عليه أن يسهَرَ على مجد يسوع الفادي، أوَّلًا، وخلاص نفوس المَرْعِيِّين ثانيًا.
 
في الحقيقة، وكما يعلِّمنا الآباء القدّيسون، الغاية الأولى للرّعاية هي قيادة النّفوس إلى التّوبة. من هنا، فالكاهن الَّذي يرعى حسب قلب الله، جَذَّاب جدًّا. 
 
السّؤال الآن: ما هي التّحديات أمام الكهنة اليوم؟. 
 
  العالم المعاصِر عجيب جدًّا. والرّعاية تبقى واحِدَة، في القُرَى وفي المُدُن على السّواء، رغم الفوارِق بين الإثنين. في القديم وحتّى عصور خَلَت، كانت العمليّة الرّعائيّة تقوم في إطارٍ جغرافيٍّ ضيِّق، وكان بالإمكان قيادة النّفوس إلى التّوبة. كان الأمر ممكنًا أكثر ممّا هو حاله اليوم. والسّبب هو أنّ الرِّعاية اليوم، باتَتْ عِبْئًا على الكاهن، وذلك لاتِّساع الرُّقعة المَرْعِيَّة جغرافيًّا، وازدياد عدد البشر، وانطلاق العمران في كلّ اتّجاه، فتعقّدت السّبل للوصول   -على نحو شخصيّ- إلى كلّ بيت، وأصبحنا نلحَظ، ببساطة، أنّ طابَع العلاقات بين البشر، على العموم، لم يعد لها طابع شخصيّ.  
 
صحيح أنَّ الكاهن، اليوم، قد يعرف كثيرين من المرعِيِّين، بأسمائهم، ولكن المعرفة بالأسماء فقط، لا تفي بالمطلوب، فالأسماء، كما يشير إليها الرّبّ في إنجيل يوحنّا، هي معرِفَةُ النُّفوس وهمومها ومشاكلها في العمق، الأمر غير المُتَاح بسهولة اليوم. 
 
والمشكلة الأهمّ الّتي نَتَجَتْ عن ذلك، هي تغييب سِرّ الأُبُوَّة والإعتراف، ومعه غاب كلّ شكل للتّواصُل الشّخصيّ بين الرّعاة والمرعِيِّين. 
التّحدي الثّاني الّذي نواجهه اليوم، يتجلّى في عدم إِقْبَالِ النّاس على الكنيسة (5 % فقط حسب بعض التّنظيرات). فأين هي الـ95 %؟. وهذه تؤلِّف مشكلة كبيرة تنعكس سلبيّاتها على العائلة المسيحيّة عمومًا، وعلى الأفراد على السّواء.
 التّحدّي الثّالث، يتجلّى في أنّ البشر لا يقرأون اليوم. ولمّا كان الكهنة الشّباب أبناء بيئتهم، فهم أيضًا قليلو المطالعة. هذا يُلاحَظ بمنتهى السّهولة اليوم. وبالتّالي، لم تعد الرّعاية تقوم على التّراث، ولم يعد من هم مسيحيّون، يُطَالِعُون الكتاب المقدّس. في هذا الإطار، نلاحِظُ أيضًا غياب الوعظ الحَيّ ، وبالتّالي ازدادَت القطيعة بين الرُّعاة والمَرْعِيّين.
 
 التّحدّي الرّابع هو أنّ الإنسان المعاصِر ، يوجّه عنايته صوب ما هو محسوس ومنظور، وبالتّالي فإنّه يُهْمِلُ أمورَ القلب والحياة الدّاخليّة. فأين تبقى الحياةُ الرّوحيّة في ظِلّ غياب العناية بأمور القلب؟.
 
أمّا التّحدّي الخامِس فيرتبط بغياب مفهوم التّقديس في الكهنوت، حيث يشعر كثيرون أنّ الكاهن هو فقط كي يزوّجَنا، ويعمِّد أطفالنا، ويجنِّز شيوخنا. وقد أشار إلى هذا المثلّث الرّحمة الأب شميمان في كتابه "الكنيسة، البشارة والعالم"، فقال: "النّاس اليوم يحبّون الكاهن محبّتهم للقبور". بَيْدَ أنّ الكهنوت لا يستثني الخدمات، لكن ليس بمعنى أن تكون الخدمات الأَسْرَارِيَّة على حساب العناية بالنّفوس.
 
وأخيرًا، في هذه العُجَالَة المُقْتَضَبَة، ثَمَّة تَحَدٍّ آخَر هو الرّعاية في القرى الصّغيرة جدًّا، حيث تُسْنَدُ المهمّة إلى كهنة يَعجَزُون عن تأمين لُقْمَةِ عيشهم وعيش أولادهم. وهذا يَطْرَحُ مشكلةً كبيرةً جدًّا على صعيد نقاوة قلب الكاهن في هذه الرّعايا الصّغيرة، بفِعْلِ الصّعوبات المادّيّة، الأمر الّذي لم أَجِدْ، حتَّى السَّاعة، أنّ الكنيسة تُولِيهِ العناية الخاصّة، للوصول إلى الغاية المَرْجُوَّة من الرِّعاية. 
أَكْتَفِي بما قدَّمْتُ، فالعُجَالَة صغيرة ولا تسمح بالتّوسّع. وبالتّالي، فإنّ التّحدّيات المذكورة خطيرة، وقد تُسْهِم في ضرب العمل الرّعائيّ في الصّميم إن لم يُسْتَدْرَك الأمر. مَنْ له أذنان للسَّمْعِ فليَسْمَع. والسّلام.
 
 
أخبـــارنــــا
 
ندوة للجمعيّة الأرثوذكسيّة لرعاية المساجين
 
ببركة صاحب السّيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) مطران طرابلس والكورة وتوابعهما للرّوم الأرثوذكس، وبرعاية معالي وزير الشّؤون الاِجتماعيّة النّقيب رشيد درباس، يَطِيبُ لـ"الجمعيّة الأرثوذكسيّة لرعاية المساجين - OWAP" أن تدعوكم إلى ندوة بعنوان :"دَرْء تداعِيَات النّزوح السّوري على الأطفال في لبنان". وذلك ضمن سلسلة النّدوات الهادِفَة للتّوعية الاِجتماعيّة والتّربويّة.
يشارك فيها إلى جانب معالي الوزير المربّي الأستاذ شفيق حيدر.
الزّمان: عند السّاعة السّادسة من مساء السّبت الواقع فيه 16 أيّار 2015
المكان: قاعة المطران الياس (قربان) في الثّانويّة الوطنيّة الأرثوذكسيّة، مار الياس – الميناء.
حضوركم يفرّحنا
 


Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies